دخلت أزمة سد النهضة الإثيوبي الكبير منعطفًا جديدًا مع إقدام إثيوبيا على البدء في الملء الثاني لبحيرة السد الذي من المتوقع أن يحجز أمامه 74 مليار متر مكعب من المياه (كمية مكافئة تقريبًا لحصتي مصر والسودان السنوية من مياه النيل)، ومن ثم قررت مصر والسودان اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، من أجل التدخل في مسار المفاوضات المتعثر، وإثناء أديس أبابا عن اتخاذ أي إجراء أحادي من شأنه تعقيد الأمور.

وسط هذا النزاع السياسي، تقترح دراسة جديدة مسارًا توافقيًّا حول أزمة سد النهضة، الذي أوشكت إثيوبيا على الانتهاء من إنشائه على النيل الأزرق، والذي من المتوقع له أن يصبح أكبر السدود الكهرومائية في إفريقيا، من خلال التعاون في مشروعات الطاقة المتجددة بين الأطراف الثلاثة المنخرطين في الأزمة: مصر، والسودان، وإثيوبيا.

ووفق نتائج الدراسة التي أعدها باحثون في جامعات بلجيكية وألمانية، ونُشرت في شهر أبريل الحالي، في دورية "نيتشر إينرجي"، فإن نشر مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع، لتكون بمنزلة مكمل للطاقة الكهرومائية المتوقع إنتاجها من سد النهضة يمكن أن يحل الأزمة. 

ووفقًا لنتائج الدراسة، فإن على إثيوبيا وجيرانها نشر مزارع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع، وخلق شبكة لإنتاج طاقة متكاملة إقليميًّا، ثم الاتفاق على تشغيل إثيوبيا لسد النهضة بالتزامن مع عمليات إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهذا يعني تقليل استهلاك المياه في الأيام المشمسة، وكذلك في الأيام التى يسودها نشاط الرياح، لتقتصر الحاجة إلى استهلاك المزيد من المياه على فترات الغيوم وعند عدم هبوب الرياح وفي أثناء الليل.

ويمكن تلخيص فكرة الدراسة في أنه بإمكان إثيوبيا توليد الطاقة من السد في غير الأوقات المشمسة أو أوقات نشاط الرياح، ووقف التوليد في فترات التوليد عبر مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ومن ثم استمرار تدفق المياه (عبر السد) بصورة طبيعية لكلٍّ من مصر والسودان، خاصةً أن الإشعاع الشمسي ونشاط الرياح في شرق إفريقيا يتسمان بالموسمية، حيث تبلغ ذروة الإشعاع الشمسي في فترات الجفاف بالتزامن مع نشاط قوي للرياح.

أمطار موسمية

يقول "سيباستيان ستيرل"، خبير تخطيط الطاقة في جامعة بروكسل الحرة وجامعة لوفن، والباحث الرئيسي في الدراسة: إن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في إثيوبيا ولدى جيرانها تتسم بأنها موسمية ومعاكسة لتدفق مياه النيل الأزرق، وبالتالي، فإن تشغيل سد النهضة بالتوافق مع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح سيعيد تنظيم ضخ المياه من السد بما يشبه إلى حدٍّ ما التدفق الطبيعي للنهر، وبالتالي، ستتمتع إثيوبيا بجميع مزايا سد النهضة، ولكن من وجهة نظر السودان ومصر، فإن تشغيل سد النهضة سيبدو كما لو كان خزانًا صغيرًا نسبيًّا ولا يشكل خطرًا مائيًّا على البلدين.

ويوضح "ستيرل" في تصريح لـ"للعلم" أن الدراسة تقدم منظورًا جديدًا لتحقيق توافق ثلاثي محتمل بشأن تشغيل سد النهضة وتوفير تأكيدات وضمانات لمصر بأن السد لن يضر أمنها المائي، خاصةً في فترات الجفاف.

تصر مصر على ضرورة الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم حول عملية تعبئة خزان السد الضخم الذي تخشى أن يؤثر على حصتها المائية، إذ تُعد مصر من أكثر الدول جفافًا في العالم وتعاني حاليًّا من فجوة 90٪ في مواردها المائية، تتلقى البلاد حوالي 70٪ من المياه المتدفقة من نهري النيل الأزرق وعطبرة، وكلاهما ينبع من الهضبة الإثيوبية، ويندمجان ليصبحا نهر النيل الرئيسي في شمال السودان.

تبلغ حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب في السنة، ويُعتبر نهر النيل شريان الحياة في مصر، إذ تزود مياهه البلاد بحوالي 97٪ من احتياجاتها المائية الحالية، وبالرغم من ذلك، تبلغ حصة المياه السنوية للفرد في مصر 660 مترًا مكعبًا فقط، وهي واحدة من أدنى حصص المياه السنوية للفرد الواحد على مستوى العالم (1000 متر مكعب في السنة).

ووفقًا للدراسة التي أجرتها الجمعية الجيولوجية الأمريكية، فإن تزايُد النشاط البشري، والزيادة السكانية الكبيرة في مصر إضافةً إلى إنشاء سد النهضة الإثيوبي، من شأنه أن يُحدث أزمة في مياه الشرب بحلول عام 2025، يمتد مشروع السد على مساحة تبلغ 1800 كيلومتر مربع، ويبلغ ارتفاع السد 170 مترًا ليكون أكبر سد للطاقة الكهرومائية في أفريقيا.

"توفر دراستنا طريقةً للخروج من هذا المأزق، مما يمهد الطريق للتوافق وزيادة مستويات الثقة المتبادلة بين الدول الأطراف، من خلال الموافقة على تشغيل سد النهضة بالتزامن مع تشغيل مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ستضمن مصر والسودان أن سد النهضة لا يضر بمصالحهما، ولا يجلب سوى الفوائد حتى في فترات الجفاف" يقول "ستيرل"، لكن الباحث يشدد على أن هذا النهج يفصل بين قضيتي توليد الطاقة، والاستثمار في المياه.

حصل الباحثون على نتائجهم باستخدام نموذج حاسوبي لمحاكاة تشغيل سدود الطاقة الكهرومائية إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة الأخرى، "قمنا بتطبيقه على سد النهضة لاستشراف المستقبل لمدة 26 عامًا، باستخدام بيانات المشروع المتاحة (مثل سعة التوربينات، وحجم الخزان، وشكل الخزان) بناءً على سلسلة زمنية نموذجية وموثقة لتدفق النهر والتبخر والأمطار في منطقة حوض النيل الأزرق، ويشمل فترات الجفاف والرطوبة"، يوضح الباحث. 

وجرى تقييم إمكانيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بناءً على أحدث قواعد البيانات من البنك الدولي بدقة كل ساعة، ثم بعد ذلك تم استخدام مخرجات هذا النموذج (الطاقة الشمسية/طاقة الرياح اللازمة، وتدفق السد) ومعالجتها لاحقًا للحصول على المزيد من التحليل. 

تعاوُن تفرضه الضرورة

لدى مصر قدرات ضخمة في إنتاج الطاقة الشمسية، ففي عام 2018 بدأت مصر التشغيل التجريبي لمجمع بنبان للطاقة الشمسية، الأكبر في مصر، وهو من أكبر المشروعات في العالم أيضًا، بقدرة تشغيل تصل إلى 1465 ميجاوات، إذ يضم المجمع 32 محطة شمسية، يعزِّز المشروع الضخم قدرات مصر في إنتاج الطاقة، لكن هذه القدرات مهددة بفعل تأثيرات تغير المناخ على توليد الطاقة الشمسية؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وفق دراسة نُشرت في سبتمبر الماضي في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز". 

في الدراسة السابقة، حذر باحثون من أن ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، وزيادة كمية الرطوبة والهباء الجوي والجسيمات العالقة قد تؤدي إلى انخفاض إجمالي في متوسط الإشعاع الشمسي، وزيادة في عدد الأيام التي يقل فيها سطوع الشمس وتزداد السحب.

ووفق الدراسة الجديدة، يمكن أن يتم نشر مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المقترحة بشكل تدريجي، خلال الوقت المتوقع لملء سد النهضة (4-7 سنوات) وهو ما سيكون وقتًا ممتازًا للبدء في بناء مجمعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع وتعزيز شبكات الطاقة.

وتتفاوت درجات السطوع الشمسي ونشاط الرياح في البلدان الثلاثة بما يكفي للاستغلال التجاري على نطاق واسع، ومع ذلك، فإن الإمكانيات الإجمالية للطاقة الشمسية وطاقة الرياح أعلى بكثير في السودان ومصر منها في إثيوبيا، كما يقول "ستيرل"، الذي يوضح أن المقترح الذي تطرحه الدراسة سيكون أكثر فاعليةً من حيث التكلفة إذا تم بناء مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الدول الثلاث وليس في إثيوبيا فقط، بل وربما أيضًا في دول شرق إفريقيا الأخرى مثل جيبوتي. 

ويوضح المؤلف الرئيسي في الدراسة الجديدة أنه في وقت البدء في إنشاء السد الإثيوبي في عام 2011، كانت تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا تزال مرتفعةً نسبيًّا ولم تكن فوائدها المالية واضحة، الآن أصبح العلماء في وضع أفضل للقول بأن التنويع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ستكون له فوائد مالية للبلدان المعنية، وخاصةً إثيوبيا والسودان.

يتفق بانايوتس كوزموبوليس -خبير الطاقة المتجددة في المرصد الوطني في أثينا باليونان- مع منهجية الدراسة ونتائجها، التي يصفها بأنها صحيحة تقنيًّا ومعقولة (حتى لو كانت تستند إلى المحاكاة)، وتعتبر نتائج الدراسة مهمة لأنها تقترح حلًّا صديقًا للبيئة للتعامل مع قضية سد النهضة والتدفق غير المتقطع للنيل الأزرق، لكن "كوزموبوليس" يرى أنه حتى وإن بدت الفوائد من الحل الهجين المقترح (طاقة هيدروليكية + طاقة شمسية + طاقة رياح) مغرية، فإنها قد لا تتوافق مع إمكانيات دولة نامية ذات مصادر تمويل محدودة. 

ويوضح في تصريح لـ"للعلم" أن سد النهضة قادر على توفير التنمية المستدامة في إثيوبيا، ولكن إدارة السد لا يمكن اختصارها في مجرد توليد الطاقة، إذ من شأن ذلك أن يعيد تشكيل التوازن الجيوستراتيجي في المنطقة، هذه الحقيقة تجعل إتفاقية إدارة السد وتشغيله "صعبة وهشة"، وفق وصفه.

ويرى الباحث المشارك في إعداد أطلس مصر الشمسي، أن النشاط الشمسي وطاقة الرياح في مصر أعلى بكثير منها في السودان وإثيوبيا، وأن الاتفاقية النهائية بين إثيوبيا والسودان ومصر يجب أن تضمن أمن الطاقة لهذه البلدان الثلاثة، وتقاسم فوائد سد النهضة والتزاماته، "وإلا فسيكون السلام في المنطقة على المحك".

منافع مشتركة

تؤكد الدراسة أن كمية المياه التي تحصل عليها مصر في المتوسط ​​لن تتأثر سلبًا بسد النهضة إذا تم تطبيق المقترح، بل قد تزيد في موسم الجفاف، وجدت الدراسة أنه إذا تم تشغيل السد بالتزامن مع دعم الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على مدار العام، فإن هذا يعني تلقائيًّا الحاجة إلى إنتاج طاقة مائية أقل خلال موسم الجفاف وأكثر خلال موسم الأمطار، دون التأثير سلبًا على المتوسط ​​السنوي لتدفق مياه النهر، عندئذٍ سيشبه معدل تدفق المياه في المواسم المختلفة إلى حدٍّ ما تدفق النهر الطبيعي، مع ذروة واضحة في موسم الأمطار.

يُثني بيتر رياض -الأستاذ بقسم الري والهيدروليكا في كلية الهندسة بجامعة عين شمس- على نتائج الدراسة التي يراها متوافقة مع الرؤية المصرية لقضية السد الإثيوبي؛ إذ كررت مصر عروضها على إثيوبيا بالمساعدة في تشغيل السد وإمداد إثيوبيا بما تحتاجه من طاقة لازمة للتنمية. 

ويقول "رياض" في تصريح لـ"للعلم": إن فكرة الدراسة مُجدية من الناحية الهندسية، بحيث يمكن تقليل سعة الخزان وتعويض الفارق من خلال مشروعات الطاقة المتجددة التي تتوافر بكثرة في إثيوبيا. 

ويوضح المؤلف الرئيسي لـ"للعلم" أن النهج المقترح له فوائد مشتركة متعددة، بحيث ستستفيد إثيوبيا من توليد مستدام للكهرباء على مدار العام من مزيج من أشكال الطاقة المختلفة، والتي ستكون أرخص من الطاقة الكهرومائية على المدى الطويل، كما ستضع نفسها كأكبر مصدر للطاقة في شرق إفريقيا. 

وكما أوضح في البيان الصحفي المصاحب للدراسة، ستتمتع إثيوبيا بجميع الفوائد المتوقعة من سدٍّ كبير، وبالنسبة للسودان ومصر، سيبدو الأمر كما لو أن الإثيوبيين قد بنوا خزانًا متواضعًا وصغيرًا نسبيًّا، توجد العديد من هذه الخزانات الموجودة بالفعل على نهر النيل، لذلك لا يمكن لأي دولة في اتجاه مجرى النهر أن تعترض على ذلك، وفق رأيه.

كما ستستفيد إثيوبيا بشكل أفضل من البنية التحتية لسد النهضة، مقارنةً بالوضع الذي لا توجد فيه الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، بمعنى استدامة أطول لعمر السد، وسيكون السودان قادرًا على إحلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح محل الوقود الأحفوري الملوث للبيئة بدعم من سد النهضة، بالإضافة إلى التخفيف من آثار الفيضانات التي يتخوف السودان من أن يتسبب فيها السد. 

أما مصر، أكثر الأطراف تخوُّفًا على أمنها المائي، فستطمئن، وفق رأي الباحث الرئيسي للدراسة، إلى أن السد العالي لن يتأثر من خلال استمرار تدفُّق المياه في معدلاتها المأمونة، وقد تتلقى المزيد من المياه خلال سنوات الجفاف أكثر من ذي قبل في حال اعتمدت إثيوبيا مصادر للطاقة بخلاف مصادر الطاقة الكهرومائية.

وعن حجم الاستثمارات اللازمة لتمويل مجمعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لا تقدم الدراسة تقييمًا اقتصاديًّا مفصلًا لحجم الاستثمارات، لكن "ستيرل" يوضح أنها لن تقارَن بحجم الاستثمار في سد النهضة أو مشروعات الطاقة الأخرى، بل ستحدث عملية "إعادة تخصيص" للموارد المالية وتوجيهها إلى قطاعات الطاقة النظيفة، التي يتوقع الباحث أن يشارك فيها المجتمع الدولي بالدعم والتمويل. 

يأمل معدُّو الدراسة أن تقبل الدول الثلاث مقترحهم الذي يقولون إنهم تواصلوا مع أطراف المفاوضات من خلال قنوات دبلوماسية مختلفة لطرحه في المناقشات.