التراجُع الكبير في الغطاء المرجاني حول العالم، يرافقه تدهورٌ كبير في قدرة الشعاب المرجانية على توفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك الغذاء وسبل العيش لكثير من الكائنات الأخرى، وفق دراسة نشرتها دورية "وان إيرث".

وبينما تتعرض الشعاب المرجانية حول العالم لتهديدات بالغة، بسبب تغيُّر المناخ والصيد الجائر والتلوث وغير ذلك من مصادر التهديد المختلفة، يقدم الباحثون في الدراسة أول نظرة عالمية شاملة لما تعنيه هذه التأثيرات على النظم البيئية للشعاب المرجانية، وقدرتها على توفير منافع وخدمات أساسية للبشر.

يقول تايلر إيدي، الباحث المتخصص في مجال الحفاظ على البيئة البحرية في معهد الأسماك والبحوث في جامعة ميموريال في نيوفاوندلاند بكندا: "إنه من المعروف أن الشعاب المرجانية توفر موائل مهمة للتنوع البيولوجي، وتتميز بأنها حساسة للغاية وبشكل خاص لتغير المناخ، إذ يمكن أن يتسبب ارتفاع حرارة الأمواج البحرية في حدوث حالات ابيضاض المرجان".

بدأ "إيدي" وزملاؤه بحثهم لتقييم تأثير تغير المناخ، وغيره من التهديدات الأخرى، على الغطاء المرجاني الحي حول العالم، عندما كان زميلًا لما بعد الدكتوراة في معهد المحيطات ومصايد الأسماك، في جامعة كولومبيا البريطانية.

يقول "إيدي" في تصريحات لـ"للعلم": توفر الشعاب المرجانية كثيرًا من خدمات النظم البيئية المهمة للبشرية، من خلال مصايد الأسماك، والفرص الاقتصادية، فضلًا عن الحماية من العواصف، ولا يهدد تدهور الغطاء المرجاني رفاهية البشر فقط، بل قد يهدد التنمية المستدامة بشكل عام؛ لأنه يؤدي إلى تراجُع قدرة النظام البيئي على توفير خدمات مثل التنوع البيولوجي، وفرص كسب العيش من خلال الصيد والسياحة، والممارسات الثقافية والتقليدية التي قد تعتمد على بعض أنواع المرجانيات.

كما يؤدي تدهوُر الحواجز المرجانية إلى تراجُع قدرتها على الحماية من الفيضانات والعواصف، نتيجة تآكُل الشعاب السليمة، فضلًا عن تقلُّص قدرتها على إنتاج الغذاء؛ إذ تُعتبر الأسماك مصدرًا مهمًّا للغذاء في العديد من البلدان التي تتمتع بوجود نظم إيكولوجية للشعاب المرجانية.

في دراستهم الجديدة، أجرى الباحثون تحليلًا عالميًّا لتقييم اتجاهات الشعاب المرجانية وخدمات النظم البيئية المرتبطة بها، استنادًا إلى مجموعة من العوامل، منها الغطاء المرجاني الحي، ومصايد الأسماك المرتبطة بالشعب المرجانية وجهود تعزيزها، واختلاف أنواع الصيد عبر شبكة الغذاء، والتنوع البيولوجي المرتبط بالغطاء المرجاني، واستهلاك المأكولات البحرية من قِبل السكان الأصليين بالمناطق الساحلية.

ولتقييم هذه العوامل المرتبطة بالنظم البيئية للشعاب المرجانية، دمج فريق الدراسة مجموعةً من البيانات من مسوحٍ خاصة بتجمعات مرجانية في مناطق مختلفة من العالم، مع تقدير التنوع البيولوجي المرتبط بها، وعمليات صيد الأسماك في تلك التجمعات، وتأثير ذلك على هيكل شبكة الغذاء، ومعدلات استهلاك السكان الأصليين للأسماك التي تعيش ضمن هذه التجمعات؛ لتحليل اتجاهات خدمات النظام البيئي للتجمعات المرجانية على المستويات العالمية والمحلية.

وبعد دمج كل هذه البيانات معًا، أظهرت النتائج أن الغطاء المرجاني الحي على مستوى العالم تراجع بمقدار النصف منذ خمسينيات القرن الماضي، وتبيَّن كذلك انخفاض قدرة الشعاب المرجانية على توفير خدمات النظام البيئي.

كما وجد الباحثون أن عمليات صيد الأسماك في مناطق الشعاب المرجانية قد بلغت ذروتها منذ حوالي عقدين، ثم بدأت في التراجُع منذ ذلك الحين، رغم الجهود المبذولة لتحسين أعمال الصيد.

من جهته، يقول ويليام تشيونج -الأستاذ في معهد المحيطات ومصايد الأسماك بجامعة كولومبيا البريطانية، وكبير مؤلفي الدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: تُبرز النتائج أن التنوع البيولوجي للأنواع التي تعيش في نظم إيكولوجية تعتمد على الشعاب المرجانية، قد تراجع هو الآخر بأكثر من 60%، وتؤكد النتائج أهمية إدارتنا لتجمعات الشعاب المرجانية، ليس على المستوى الإقليمي فقط، بل أيضًا على المستوى العالمي، وسبل العيش في المجتمعات التي تعتمد عليها.

ولفت "إيدي" -في تصريحاته لـ"للعلم"- إلى أن البلدان التي شهدت أكبر تراجُع في غطاء الشعاب المرجانية الحية، وفق ما أظهرت الدراسة، تتضمن غينيا الجديدة في جنوب غرب المحيط الهادئ، وجاميكا في البحر الكاريبي، وبليز في أمريكا الوسطى.