"مذبحة كارثية تهدد الشعاب المرجانية قبالة السواحل الأسترالية"، ثماني كلمات كانت بمنزلة ناقوس خطر للتحذير من "موجة الابيضاض التاريخية" التي تهدد "الحاجز المرجاني العظيم"؛ والذي يُعدُّ أضخم نظام بيئي للشعاب المرجانية في العالم؛ إذ تَسبَّب ارتفاع درجات حرارة المياه في 2016، بسبب الاحتباس الحراري، في تدمير مساحة قدرها 700 كيلومتر من هذا الحاجز الذي طالما تغنى به الأستراليون باعتباره مصدرًا تاريخيًّا لفخر بلادهم؛ فضلًا عن كونه مصدرًا لـ3.9 مليارات دولار من الدخل القومي السنوي لـ"القارة العذراء".

ويشكل "الحاجز المرجاني العظيم" أكبر منطقة للشعاب المرجانية في العالم، ما أهّله لأن يُدرَج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ 37 عامًّا، وتحديدًا في عام 1981، باعتباره أجمل وأضخم نظام بيئي للشعاب المرجانية على سطح الكرة الأرضية.

لم يتوقف قطار التهديدات التي تطارد الشعاب المرجانية، والتي كانت محور اهتمام الأوساط العلمية على مدى الأسابيع القليلة الماضية، عند حدود "الحاجز المرجاني العظيم"، وإنما امتد ليشمل بقاع الأرض كافة، متضمنةً البلدان العربية؛ إذ سبق أن حذرت الهيئة العامة للبيئة في الكويت من أن "ابيضاض الشعاب المرجانية" بات ظاهرةً تهدد معظم مناطق الكويت، مُرجعةً ذلك إلى "ارتفاع درجات حرارة المياه التي وصلت الى 35 درجة مئوية، وفق قياسات أجراها فريق الغوص التابع للجمعية الكويتية لحماية البيئة".

والأمر نفسه بالنسبة لمصر؛ إذ تحولت شعاب المرجان الأحمر الممتدة بطول خليج العقبة بمنطقة البحر الأحمر إلى فريسة لسرطان بحري يسمى "الهابالوكارسنس مارسيبياليس"، وفق دراسة استقصائية "مصرية" تتبعتها حنان بدوي، واستهدفت إجراء مسح شامل للشعاب المرجانية في منطقة خليج العقبة-البحر الأحمر في مصر بطول 180 كم، وتمت في 9 أماكن بثلاث مدن تتنوع فيها الآثار البشرية والطبيعية على الشعاب المرجانية.

ويشير تقرير أعده محمد السعيد إلى دراسة نشرتها دورية "نيتشر" وأجراها فريق من الباحثين بعدد من الجامعات الأسترالية والأمريكية، إلى "حدوث تغيُّرات جذرية في التركيب والخصائص الوظيفية لتجمُّعات تضم مئات الشعاب المرجانية؛ إذ تحولت التجمعات الناضجة والمتنوعة إلى أنظمة بيئية أكثر تدهورًا".

ولا تتوقف المخاطر التي تهدد الشعاب المرجانية عند حدود التغيرات المناخية أو مطاردة بعض سرطانات البحر "الطفيلية" لها، إذ توجد أسباب أخرى، أهمها إنشاء القرى والمدن الساحلية بطريقة غير مسؤولة، والتسريبات النفطية، والتخلص المتعمد من النفايات في البحار والمحيطات، والصيد الجائر، والصيد باستخدام مواد سامة مثل السيانيد، أو باستخدام مواد متفجرة، وكلها عوامل تؤدي إلى تدمير مباشر للنظام البيئي الخاص بالشعاب المرجانية، وزيادة نمو الطحالب البحرية الضارة بها.

وبالرغم من كل ذلك، تبقى هناك بقعة ضوء في نهاية النفق، وفق ما تنقله هبة حسين عن دراسة أعدها باحثون بجامعة تكساس الأمريكية ونشرتها دورية "بلوس جينيتكس"، وأكدوا فيها أن بعض أنواع شعاب "الحاجز المرجاني العظيم" في شمال شرق أستراليا تستطيع الصمود أمام التغيرات المناخية ومقاومة الانقراض والحياة لمدة 100 عام قادمة.

وتنقل حسين عن "مايكل ماتز" -الأستاذ المساعد في علم الأحياء التكاملي بجامعة تكساس، ورئيس فريق البحث- قوله إنه "يمكن إكساب الشعاب المرجانية بدائل جينية تمكِّنها من تحمُّل ارتفاع درجة الحرارة، وذلك بمساعدة سلالات الشعاب -التي استطاعت التأقلم بالفعل مع الظروف المناخية الحارة- على الهجرة إلى الحاجز المرجاني العظيم، وبالتالي تعديل التنوع الجيني للشعاب المرجانية، وهو ما قد يرفع احتمالية بقائها لمدة أطول في المستقبل القريب".

لكنَّ هذا الأمل يصطدم على أرض الواقع بعراقيل لا حصر لها، وفق تقديرات الأمم المتحدة، موضحةً أن الشعاب المرجانية هي من أكثر النظم الإيكولوجية عرضةً للتهديد على وجه الأرض.

وتحذر الأمم المتحدة من أن الإجراءات التي يتم اتباعها حاليًّا لحماية الشعاب المرجانية، مثل وقف أنشطة الصيد وركوب القوارب والغوص المدمرة، وإدارة استغلال أسماك الشعاب المرجانية، أشبه بمسكنات لا يمكنها وقف الضرر، ما يستوجب اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، بعدما أصبح أكثر من 70% من الشعاب المرجانية عرضةً للفناء.