لترى ما رآه عالِم المواد رولاند كروجر وزملاؤه مؤخرًا في مختبرهم بجامعة يورك، ربما تعيّن عليك إلقاء نظرة شديدة القرب على إحدى عظام الجسم البشري -أقرب من التكبير اللازم لرؤية الأنماط الإسفنجية لخيوط الكولاجين التي يُقال إنها ألهمت تصميم الدعامات المتقاطعة لبرج إيفل، وأقرب من التكبير اللازم لرؤية الخلايا نجمية الشكل التي تنتشر في تضاريس هياكلنا العظمية باهتة اللون. لتستطيع فعل ذلك، عليك اللجوء إلى أساليب بالغة الصعوبة، مع مجهر إلكتروني حديث للغاية يمكنه توضيح تفاصيل يقل حجمها عن 10 نانومترات، أي أصغر من 10 ذرات كربون مصطفة جنبًا إلى جنب، أو أدقّ بثلاثة آلاف مرة من خطٍّ مرسوم بقلم رصاص حاد.

بهذا المستوى من التكبير، استطاع الباحثون للمرة الأولى تمييز تفاصيل لَبِنَات البناء المكوِّنة لهيكل جسمنا البشري، وهي عظامنا التي تتكوّن من بلورات معدنية وجدائل ملتفة من بروتين الكولاجين (يُطلق عليها اسم اللُّيَيْفات). استطاع العلماء رؤية بلورات معدنية لا يتعدى قطر الواحدة منها خمسة نانومترات، وتلتف هذه البلورات على نحوٍ لم يكن متوقَّعًا داخل هذه الجدائل الكولاجينية وحولها فتكوِّن بنية لولبية. تقول إليزابيث بوتمان -الأستاذ المساعد في الهندسة بجامعة ويك فورست- وهي دارسة للعظام ولم تكن مشاركة في هذا البحث: "يضع هذا الكشف أمامنا فهمًا جديدًا لطريقة التنظيم الأساسي لمكوّنات عظامنا عند أصغر مقياس ممكن". وقد يساعد ما يظهر من مشاهدات على تفسير مصدر القوة والصلابة الجديرتين بالملاحظة، واللتين تميزان عظامنا، ولطالما كان التفسير وراءهما مبهمًا".

إلا أن هذا الاكتشاف، الذي نُشر الخميس في مجلة "ساينس" Science، يبقى عالقًا وسط جدل امتد عقودًا حول التعقيدات التركيبية للعظم على المستوى النانوي. منذ أن بدأ استخدام الجيل الأول من المجاهر الإلكترونية في فحص العظام أواخر الستينيات من القرن الماضي، عرف العلماء أنّ العظم مكوَّن بشكل أساسي من معادن العظم والكولاجين (وهو عبارة عن بروتين ليفي). لكن منذ ذلك الحين والعلماء في جدل بشأن كيفية انتظام هذين المكوِّنين بالنسبة لبعضهما البعض. وقد اعتقد بعض الباحثين أن المعدن غالبًا ما يكون مُتضمَّنًا داخل اللُّيَيْفات، بينما اعتقد آخرون أنّ المعدن يغلّف البروتين كأنه درع يحيط به.

يعتقد كروجر وفريقه أنهم ربما يكونون قد تمكّنوا من سبر غموض هذه المسألة باستخدام مجاهر إلكترونية حديثة للغاية تنتج صورًا عبر تحليل الكيفية التي تتشتت بها حزمة إلكترونات تمر عبر إحدى العينات. وكان الباحثون قد أعدُّوا عيّنات العظام بطريقة غير تقليدية بغية الحفاظ على البنى النانوية المعقّدة للعظم بحيث تبقى سليمةً تحت المجهر. ويقول هنري شفارتس، عالِم الجيوكيمياء الذي يدرس تركيب عظام الإنسان في جامعة ماكماستر، ولكنه لم يكن ضمن الفريق المشارك في هذه الدراسة الجديدة: "معظم الأبحاث التي نُشرت في السابق استخدمت تقنيةً لتقطيع العظم تؤدي إلى إتلاف المواد المكوّنة للعظم تمامًا". في بحثه الخاص، أثبت شفارتس أن الطريقة السائدة التي تستخدم أداةً تقليدية ذات شفرات للقطع من شأنها تحطيم خصائص العظم على مستوى النانو خلال التقطيع.

ولأغراض الدراسة الحالية استخدم الباحثون، بدلًا من هذا، شعاعًا أيونيًّا مُركَّزا لتقطيع العظم في صورة عيّنات يتم استخدامها للتحليل المجهري. ووفق شفارتس، يُمكن من خلال هذه الطريقة قطع شرائح عظمية شديدة الصغر والدقة دون هدم البنية العظمية على المستوى الذري متناهي الصغر. وقد نجح فريق العمل في التقاط ثلاث صور مُفَصلة لهذه الخيوط المقطوعة بعناية، والتي تظهر في شكل مركبات تُشكِّل معظم عظامنا وتتألف من لُيَيْفات الكولاجين المعدنية والبروتين والمعادن. وأظهرت اثنتان من هذه الصور نمطًا مألوفًا بالنسبة لمهندسي النانو وعلماء المواد الذين يعملون في مجال العظام، وهذا النمط عبارة عن تناسقات ليفية خيطية كان شفارتس قد افترض سابقًا أنها عبارة عن صورة جانبية (بروفيل)، أي لقطة طولية للعظم، وذلك بالإضافة إلى نمط شريطي غشائي يُعتَقد أن يكون مقطعًا عرضيًّا للُّيَيْفات.

إلّا أنّ الصورة الثالثة كشفت عن نمط لم يسبق لأحد الإبلاغ عن رؤيته: خطوط لونها رمادي داكن تلتف إلى داخل مركز أشكال سداسية كثيفة مُرصَّعة بنقاط سداسية وسوداء وأصغر حجمًا. ويُطلق كروجر -وهو الباحث الرئيسي لهذه الدراسة- على هذه النقاط اسم الـ"زُهيرات" Rosettes. في البداية ظنّ كروجر أن ما رآه ما هو إلا قطاع عرضي للُيَيْفات الكولاجين المعدنية الدقيقة، لكن ربما بتوجيه لم يسبق الحصول على عينات منه. يقول كروجر: "كل مرة تشاهد فيها شيئًا غير متوقع، تتملكك الدهشة والارتباك في الوقت ذاته. لقد قلنا لأنفسنا: ’ماذا يحدث هنا؟‘، هذا تناسق لولبي لم نَرَه من قبل".

والتقط الفريق صورًا بمجهر إلكتروني لواحدة من مقاطع العظم متناهية الدقة، وذلك من زوايا مختلفة، وقاموا بلف العينة درجةً واحدةً في كل مرة. ومن ثَم أدخلوا جميع الصور إلى برنامج محوسب لبناء نموذج ثلاثي الأبعاد للعيِّنة يُسمى بالصورة المقطعية.

أظهر هذا النموذج الجديد بلورات معدنية عظمية على هيئة إبر تلتف إلى داخل لُيَيْفات الكولاجين وحولها، بحيث تغزلها في صورة سِقَالة لولبية صلبة. ويشبه الشكل الناتج عددًا كبيرًا من الألياف المتشابكة والمتصلبة والمحبوكة في شكل حبل مرن. يقول كروجر: "لقد رأينا الكثير من هذه البلورات تتفلطح بتنوُّعات تبلغ حوالي 20 درجةً في اتجاهات مختلفة. ويُوضح ذلك نتوء هذه البلورات النانوية الملتفة وهي تدخل في الكولاجين وتخرج منه، ومن ثَم تدخل في لُيَيْفات الكولاجين المجاورة. والنتيجة هي شبكة معقدة النسج –أو وَشْج– من البلورات النانوية".

لكن بعض الباحثين الآخرين لديه مشكلة مع هذا النموذج. يقول شفارتس في بحثه الخاص إنّه لم يرَ ما يدل على أن معادن العظم تتراكب في شكل بلورات إبرية ملتوية. ويوضّح أن ثمّة عددًا من الدراسات التي اعتمدت على أسلوب تصوير مختلف يُسمى بـ"تشتت الأشعة السينية ذي الزاوية الصغيرة" تشير إلى أنّ بلورات العظم النانوية تأخذ شكل الصفائح. ويضيف شفارتس: "أنا مستعد لإرجاء إبداء رأيي؛ إذ ربما يكون هناك أمر قد فاتني هنا، ولكنّني أواجه صعوبة في فهم كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحًا".

ويبقى السؤال العالق هو كيف –ولماذا- تنتظم هذه الإبر البلورية في شكل لولبي؟ تُخمّن بوتمان قائلةً: "في أثناء إعداد العينات تنقبض لُييْفات الكولاجين بسبب الجفاف، وقد يكون هذا سبب تمدُّد البلورات بحيث تصبح ذات شكلٍ ملتوٍ، في حين أنها كانت مستقيمةً في حالتها الطبيعية داخل الجسم. هذا هو مصدر قلقي الأول".

لكن إذا تبيّن أن هذا النموذج صحيح، فإنه قد يساعد في توضيح السبب وراء القوة اللافتة للانتباه التي تتسم بها عظامنا. تقول إيوونا جيسوك -المختصة في الهندسة الميكانيكية والحيوية بجامعة إلينوي في إربانا-تشامبين، والتي لم تكن ضمن المشاركين في هذا البحث: "الطبيعة اللولبية، هذا شيء جديد. كما يحدث في حالة الزنبرك الحلزوني، يستطيع الهيكل اللولبي دعم أحمال أكبر قبل أن ينكسر، وذلك مقارنةً بالهياكل الخطِّية البسيطة. و[مثل هذا الهيكل] لا بد وأنه يعزِّز من صلابة العظم وقوته".

وتضيف جيسوك: "يومًا ما، قد يؤخذ بهذا المبدأ في عمليات التصنيع". ويقترح كروجر وزملاؤه -بشكل مستوحى من هذا النموذج الخاص بالعظام– أن المطوّرين يمكنهم البدء في تصميم جيل جديد من مواد البناء الأكثر قوةً وتحملًا والخفيفة الوزن والمُقوّاة بهيكل لولبي من الداخل.

صورة للعظام بتقنيات إعادة البناء والمعالجة الحاسوبية. Credit: N. Reznikov et al., Science (2018)