كان الوضع مستقرًّا إلى حدٍّ ما في مستشفى "جريت أورموند ستريت" للأطفال. يُعد ذلك المستشفى أكبر مركز لجراحات قلب الأطفال في المملكة المتحدة، وهو متخصص في التعامل مع الأمراض النادرة والمعقدة، غير أن الجائحة الحالية أضافت عبئًا جديدًا عليه. فبسبب الانتشار الواسع لعدوى "كوفيد-19"، بدأ المستشفى في استقبال حالات الأطفال الإيجابية والتعامل معها.

من ضمن تلك الحالات حالة طفلة إنجليزية من أصول آسيوية تبلغ من العمر 16 عامًا، حُجزت بالمستشفى بعد أن ثبتت إصابتها بعدوى كورونا المستجد. كانت حالتها مستقرة تمامًا، غير أن الأطباء حجزوها في غرفة رعاية مركزة كما يقتضي البروتوكول المعمول به في بريطانيا. بعد يومين، خرجت الطفلة إلى غرفة عادية، وفجأة انقلب الحال رأسًا على عقب.

أصيبت الطفلة بصدمة إنتانية Septic shock، وهي حالة خطيرة قد ينتج عنها تلفٌ شامل في جميع الأعضاء. نقلها الأطباء على الفور مرةً أخرى إلى العناية المركزة، ووضعوها على جهاز التنفس الاصطناعي 7 أيام متصلة؛ فرغم أنها لم تكن تعاني من أعراض تنفسية، إلا أنها كانت تُعاني انخفاضًا حادًّا في ضغط الدم واختلالًا في الوظائف الحيوية.

لحسن الحظ، وبعد أن استخدم الأطباء مجموعةً واسعةً من الأدوية تشمل الستيرويدات ومذيبات الجلطات، تعافت الطفلة. وبعد نحو شهرين ونصف الشهر، غادرت المستشفى إلى منزلها، تاركةً وراءها لغزًا كبيرًا؛ فكيف تطورت أعراض الإصابة بكورونا المستجد بذلك الشكل؟ ولماذا ساءت حالتها رغم أنها لم تعانِ من أيّ أعراض تنفسية؟

تمكَّن الباحثون في المستشفى من حل اللغز؛ فالأطفال يمكن أن يعانوا من تطورات خطيرة نتيجة إصابتهم بعدوى كورونا المستجد. بأعراض لم يكن يعرف العلماء عنها شيئًا على الإطلاق.

فعدوى كوفيد-19 يُمكن أن تؤدي إلى متلازمة التهابية نادرة في أجهزة الأطفال العصبية، حسبما قال الباحثون في دراسة نُشرت نتائجها في دورية “جاما نيورولوجي” JAMA Neurology العلمية.

وكانت عدة دراسات علمية سابقة قد أشارت إلى أن عدوى "كورونا المستجد" لا تُسبب مشكلات خطيرة للأطفال دون سن الحادية عشرة، مقترحين العديد من الأسباب التي لم يجرِ التثبت منها حتى الآن. غير أن الدراسة الجديدة تجعل ذلك الاعتقاد محل شك كبير.

فالبحث الذي أُجري على 27 طفلًا يُعانون من الإصابة بفيروس "كورونا المستجد" أثبت أن أربعة أطفال منهم -أي بما يعادل 14.8٪- طوروا أعراضًا عصبية خطيرة، تضمنت الاعتلال الدماغي والصداع وضعف العضلات وانخفاض ردود الفعل، كما طالت جذع الدماغ والمخيخ. وهذا يعني أن الأطفال المصابين بكوفيد-19 يُمكن أن يعانوا من أعراض عصبية جديدة تشمل كلًّا من الجهاز العصبي المركزي والمحيطي، حتى في غياب الأعراض التنفسية.

وقالت الدراسة التي نفذها باحثون من مستشفى جريت أورموند ستريت للأطفال: إن تلك الأعراض ظهرت في صور الرنين المغناطيسي لدماغ الأطفال، مشددةً على أن هؤلاء الأطفال يجب أن يُحتجزوا في وحدات العناية المركزة لحين علاج تلك الأعراض. وتؤكد تلك النتائج مجموعة من المشاهدات التي لاحظها الأطباء في المرضى من الأطفال في جميع أنحاء العالم.

دليل علمي دامغ

وكانت دراسة صينية قد كشفت عن أن البالغين من المحتمل أن يُعانوا من أعراض عصبية حال إصابتهم بعدوى كورونا المستجد، وقد وثقت الدراسة تلك النسبة التي بلغت 36.4٪ من المرضى عبر فحص 214 مريضًا. وجاء في تلك الورقة البحثية أن المرضى عانوا من أعراض ضعف الوعي والترنح ونوبات عصبية مجهولة السبب.

إلا أن الدراسة الجديدة تُعد هي الأولى من نوعها في توصيف الأعراض العصبية عند الأطفال باستخدام دليل علمي دامغ، وهو تصوير الدماغ بواسطة الرنين المغناطيسي؛ إذ يقول عمر عبد المنان، المؤلف الأول للدراسة والباحث في قسم الأعصاب بمستشفى جريت أورموند ستريت للأطفال بالمملكة المتحدة: إن هذه الورقة هي الأولى التي تنظر إلى المشكلات العصبية لدى الأطفال المصابين بعدوى كورونا المستجد.

وأظهر تصوير أدمغة الأطفال تغيُّرات في الإشارات الدماغية بمنطقة الجسم الثفني corpus callosum، وهي حزمة واسعة من الألياف العصبية تتكون من أكثر من 200 مليون محور عصبي يوفر اتصالًا بين المناطق الدماغية المختلفة، وتقع تحت القشرة المخية في الشق الطولي للدماغ، وتُعد أكبر هيكل للمادة البيضاء في تلك المنطقة، الناقل الأهم للإشارات العصبية في الدماغ.

وفي حين شوهدت نتائج مشابهة مع أنواع أخرى من العدوى الفيروسية، فتلك هي المرة الأولى التي يشاهد فيها الأطباء ذلك النوع من التغيرات في أدمغة الأطفال المصابين بعدوى كورونا المستجد.

وعلى الرغم من ظهور أعراض الالتهاب العصبي حال إصابة الأطفال بفيروسات أخرى مثل فيروس الإنفلونزا H1N1، إلا أنها اقتصرت فقط على الجهاز العصبي المركزي، على حد قول "عبد المنان"، الذي يُشير إلى أن عدوى كورونا لدى هؤلاء الأطفال تُسبب خللًا متعددًا في كل وظائف الجسم، يبدأ بالجهاز العصبي المركزي ولا ينتهي به على الإطلاق.

لا يعرف "عبد المنان" هل ستؤثر الحالة المرضية في سلوك الأطفال الاجتماعي أو تُقلل مستويات الذكاء الفطري عندهم، خاصةً أن جميع الأطفال الذين عانوا من تلك الأعراض شُفوا بشكل كامل، إلا أنه لا يزال من غير الواضح الآثار متوسطة الأجل وطويلة الأجل على هؤلاء المرضى، "هذا يعني وجود حاجة مُلحَّة إلى متابعة طويلة الأمد؛ لمعرفة ما إذا كانت هناك آثار مستمرة للعدوى بكورونا المستجد على الأطفال".. يقول "عبد المنان".

خلص الباحثون إلى أن النمط الظاهري لتلك الإصابات يثير إمكانية حدوث متلازمة مناعية خاصة بالفيروسات، تُسبب خللًا في الأعصاب عند الأطفال؛ نتيجة تعرُّض الجهاز المناعي لمستضدات الجهاز العصبي المركزي.

ويشير "عبد المنان" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن قسم الأعصاب في مستشفى جريت أورموند للأطفال صادف عددًا كبيرًا من حالات الأطفال المصابين بمتلازمة التهابية جديدة ترتبط بالجائحة الحالية.

ويقول: "إن الورقة العلمية تحاول تسليط الضوء على أن الأطفال يمكن أن يتأثروا بالإصابة بفيروس "كورونا المستجد" تمامًا مثل البالغين، "حتى وإن كانت نسبة التأثر أقل". كما يُمكن أن "يمرضوا أيضًا بشدة؛ نتيجة إصابتهم بمتلازمة الالتهاب المفرط"، علاوةً على احتمالية تطويرهم لأعراض عصبية وتغيُّرات في الدماغ يُمكن ملاحظتها بالرنين المغناطيسي.

السجلات الإلكترونية للمرضى

"كنا نعالج هؤلاء الأطفال المصابين بمتلازمة الالتهاب المفرط المرتبطة بعدوى كورونا المستجد؛ إذ زادت أعدادهم في الفترة من أبريل إلى مايو مع ارتفاع أعداد حالات الإصابة في لندن، وبعد ملاحظة هذا الاتجاه من الأعراض العصبية الجديدة وظهور نتائج التصوير الدماغي، قررنا نشر الورقة العلمية لكي يكون المجتمع العلمي على دراية"، كما يقول "عبد المنان"، الذي أشار إلى أن الفريق استخدم سجلات المرضى الإلكترونية المتاحة في مستشفى جريت أورموند ستريت؛ للنظر في جميع البيانات الخاصة بهؤلاء الأطفال، وأيضًا للتحقق من جميع الحالات الأخرى التي زارت المستشفى دون مشكلات عصبية في الفترة من مارس إلى مايو 2020.

كان التحدي الرئيسي خلال هذه الدراسة هو إجراء الأبحاث في خضم الجائحة، يقول "عبد المنان"، مشيرًا إلى أن إعادة هيكلة المستشفى والخدمات التي يقدمها تعني أن الحصول على تحقيقات مفصلة -مثل عمليات التصوير بالرنين المغناطيسي- لم يكن سهلًا كما هو معتاد.

ففي ووهان الصينية، مُنع العديد من المرضى -سواء كانوا أطفال أم بالغين- من إجراء فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي وغيرها من الاختبارات الروتينية؛ بسبب الخوف من خطر انتقال العدوى مع وجود حاجة مُلحة إلى عزلهم على الفور، ما منع الباحثين من النظر في الآثار العصبية لتلك الجائحة.

يقول "عبد المنان": إن الباحثين "لا يعرفون سوى القليل عن الجائحة الحالية"؛ فعلى الرغم من وجود ارتباط واضح بين الأعراض العصبية التي تظهر في الأطفال والإصابة بفيروس كورونا المستجد، إلا أن تلك الورقة استهلكت الكثير من الوقت لاستبعاد الأسباب المحتملة الأخرى، "وهو الأمر الذي تطلَّب تعاونًا بين العديد من الفرق المتخصصة لجمع البيانات وتحليلها بدقة من أجل الوصول إلى تلك النتيجة".

نتيجة صادمة

"نتيجة صادمة وإن كانت متوقعة"، بتلك العبارة تُعبر أستاذ طب الأطفال بمستشفى "سينسيناتي"، ألكسندرا فيليبوفيتش، عن أسفها من الوصول إلى تلك النتائج.

وتشير "فيليبوفيتش" -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- إلى أن الفيروسات يُمكن أن تسبب ردود أفعال شديدة الضرر في الجهاز العصبي المركزي. إلا أن الجديد في تلك الدراسة هو إثبات امتداد ذلك الخلل إلى الجهاز العصبي المحيطي، والأعضاء الداخلية كالطحال.

تسببت تلك الأعراض العصبية في خلل العضلات في الحالة رقم ثلاثة -الطفلة الهندية التي تبلغ من العمر16 عامًا- وهو ما أجبرها على استخدام كُرسي مُدولب لعدة أسابيع. تقول "فيليبوفيتش": إن السبب وراء ذلك هو التهابات الجهاز العصبي المحيطي، "وهو أمرٌ يجب أن يؤخذ في الاعتبار".

يُثير "عبد المنان" نقطة جوهرية في تلك الدراسة؛ فالأطفال الذين احتاجوا إلى دخول العناية المركزة كانوا جميعهم من أصول آسيوية "الهند وباكستان وبنجلاديش"، وهو ما قد يعني أن اختلاف "العرق" قد يؤدي إلى اختلاف في أعراض الإصابة بكورونا.

ويعتقد الباحث المصري أن هناك أسبابًا جينية قوية تتعلق بالعرق، وتسهم بقدر وافر في تطور المرض أو منع مضاعفاته، "إلا أن ذلك الاعتقاد غير مدعم بدليل علمي حتى الآن"، على حد قوله.

لكن.. كيف يُمكن أن تغير تلك النتائج من التعامل مع الأطفال المصابين بعدوى كورونا المستجد؟

تقول "فيليبوفيتش": إن الدراسة "تقلب الطاولة رأسًا على عقب". فعلى الرغم من أن "البحث لا يقدم دلالة إحصائية رغم أهميته"، فإن عدد الأطفال الذي جرى فحصهم صغير للغاية، وبالتالي لا يُمكن الاعتماد عليها إلا في إطار مُحدد، واعتبارها خريطة طريق أو حجر زاوية لدراسات أكبر، إلا أنها ستتسبب في حدوث هزة كبيرة داخل معتقدات الأوساط العلمية.

فالاعتقاد الشائع بين الأطباء الذين يُعالجون المُصابين بعدوى كورونا المستجد أن المخاطر تتعلق بالإصابة بالأعراض التنفسية فقط، "دون صعوبات التنفس يعتبر الأطباء المريض مستقرًّا"، تقول "فليبوفيتش"، مشيرةً إلى أن تلك الدراسة "تنسف ذلك الاعتقاد من الأساس".

فالأطفال الذين طوروا متلازمة الالتهاب المتعدد لم يعانوا من أيّ أعراض تنفسية، وبالتالي "سيحتاج العلماء إلى وضع بروتوكول تشخيصي جديد، يرتكن في الأساس إلى فحص أدمغة الحالات جميعها -أطفالًا كانوا أم كبارًا- بالرنين المغناطيسي"؛ لمعرفة إذا ما كانت "ثمة عاصفة تضرب أدمغتهم حتى دون أيّ عرَض تنفسي".

يتفق "عبد المنان" مع "فيليبوفيتش"، ويقول: إن الخطوة التالية هي "التعاون" مع المراكز الكبيرة والمستشفيات المتخصصة لبحث ظهور تلك الأعراض في أعداد أكبر من الأطفال؛ من أجل التحقق من النتائج.