"هل أبدو لك حقًّا كواضع خطط؟! هل تعرف ماذا أكون في الحقيقة؟ أنا كلب مسعور يطارد السيارات، لا يعرف مطلقًا ماذا سيفعل إذا أمسك بواحدة! أنا -فقط- أفعل ما أفعله. للعصابات خطط، وللشرطة خطط، ولجوردون خطط. هم جميعًا أصحاب خطط، يخططون للسيطرة على عوالمهم الصغيرة. أما أنا فلا. أنا لا أفعل شيئًا غير أن أُظهر لهم حقيقة ضعفهم! أنتَ نفسك كنتَ من أصحاب الخطط، فانظر ماذا فعلت بك خططك! أنا -فقط- أخذتُ خططك أنتَ وقلبتُها رأسًا على عقب! بالقليل فقط من خلخلة النظام، تسود الفوضى. أنا أعمل لحساب الفوضى. هل تعرف أكثر ما يميز الفوضى؟ إنها... عادلة". هيث ليدجر، على لسان "جوكر"، من فيلم فارس الظلام The Dark Knight.

لم أملك سوى أن أتذكر هذه العبارة وأنا أشاهد الفيلم الكوري "الطفيلي Parasite"، الذي حصد العام الماضي -عن جدارة- أهم جوائز الأوسكار، وأتذكرها بشكل خاص حين تأتي عبارة مشابهة جدًّا على لسان رب الأسرة الفقيرة حين يخاطب ابنه فيقول: "أتدري ما هي الخطة التي لا تفشل أبدًا؟ أن تكون بلا أية خطط على الإطلاق! لأن الحياة -ببساطة- لا يمكن إخضاعها للتخطيط. فإذا لم تكن لديك خطة ما، فعندها فقط لن تجري الأمور خلاف ما أردتَ".

ربما لا يجرؤ المتخصصون في العلوم الطبيعية اليوم على استخدام أوصاف لغوية مثل التي استخدمها الفيلسوف السلوفيني المعاصر "سلافوي جيجيك" حين نعت الفيروسات بالغباء، لكنهم أيضًا لا يستطيعون في المقابل وصفها بالذكاء، فضلًا عن مجرد وصفها بأنها من الكائنات الحية. فكيف لكيانات لا تمتلك أدنى خطط أن تفعل بالبشرية كلها ما يفعله فينا الآن فيروس مثل كورونا المستجد (سارس-كوف-2) الذي لا يملك حتى الآن -وسط أقرانه من الفيروسات- أرقامًا خارقة في مصطلحات علم الوبائيات، مثل عدد التكاثر الأساسي Basic Reproduction Number R0 (وهو متوسط عدد الأفراد الذين سيتعرضون للعدوى من مصاب واحد)، ومعدل الإماتة Case Fatality Rate (وهو متوسط النسبة المئوية لمَن سيموتون بالعدوى بين المصابين بها).

سؤال العنوان

يحاول فيلم "الطفيلي" طرح هذا التساؤل حين يقدم لنا أسرة "كيم" الفقيرة، التي يقع نصف بيتها المتواضع تحت الأرض (بالمعنى المجازي والحرفي أيضًا، وهي منازل حقيقية تمامًا بالمناسبة، في قلب العاصمة الكورية "سيول"، يعيش فيها أكثر من 360 ألف إنسان لا يكادون يعرفون الفرق بين ليل ونهار)، والتي يتمكن الابن الذكر فيها -بمصادفة غير متوقعة- من الحصول على وظيفة لدى أسرة "بارك" الثرية كمدرس خصوصي لابنتهم، قبل أن يتمكن -مع سبق الإصرار والترصد هذه المرة- من توفير وظائف أخرى لأفراد أسرته بالكامل في خدمة أسرة "بارك"، حتى لو كان هذا يعني التحايُل لإبدال موظفيهم القدامى فردًا فردًا، في عمليات جريئة ماكرة تذكرنا بما قد تفعله تلك الكائنات المجهرية المغيرة في الأجهزة المناعية لأجساد العوائل من الحيوانات أو البشر. ويتسمر المُشاهِد مأخوذًا بالبراعة والدهاء والتلقائية التي يتصرف بها أعضاء أسرة "كيم" لإتمام مهمة التطفل على أسرة "بارك" والأخذ بزمام كل كبيرة وصغيرة في شؤون بيتهم وحياتهم. وبينما يقود "بونج جون-هو" -صانع الفيلم- المشاهدين ببراعة ومكر أيضًا إلى الاعتقاد بأن عنوان الفيلم يشير إلى أسرة "كيم" المتطفلة، يسرِّب بدوره إلى مناعتنا بالتدريج مَشاهِد وكلمات -وأحيانًا مجرد إيماءات صامتة تمامًا- تحمل عقولنا فجأةً على التوقف في لحظةٍ ما للتساؤل: مَن هنا يتطفل على مَن؟ مَن هو المقصود حقًّا بعنوان الفيلم؟!

دروس في بُعد النظر

في كلمة لم تتجاوز تسع دقائق ألقاها في مارس 2015، حذَّر بيل جيتس من أن الكارثة التي يمكن أن تُلحِق أعلى خسائر بالبشرية لن تكون حربًا نووية، وإنما على الأرجح ستكون وباءً فيروسيًّا واسع الانتشار. بيل جيتس الذي كان يُفترض بمثله أن يخشى من الفيروسات الإلكترونية المجازية، لكن وباء فيروس الإيبولا -الذي ظهر أول مرة في كلٍّ من السودان والكونغو عام 1976، ثم عاد واندلع مؤخرًا في غينيا في ديسمبر 2013، وتفشى في بلدان غرب أفريقيا حتى عام 2016 ليصيب أكثر من 28 ألف إنسان، ويقتل منهم أكثر من 11 ألف نَفس- نجح تمامًا في تنبيه عقل الرجل الذكي إلى أن الرعب الأكبر للبشر جميعًا يجب أن يكون مصدره تلك الفيروسات الحقيقية. يقول "جيتس" في كلمته إن العالم أنفق -ولا يزال- أموالًا طائلة على تجهيز دفاعات ضد الهجمات النووية المحتملة، في حين لم يفعل شيئًا يُذكَر في المقابل للاستعداد للوباء القادم، أو كما قال: "المشكلة ليست في أننا لم نكن نمتلك أنظمة وقاية فعالة ضد تفشِّي الوباء، بل في غياب أنظمة الوقاية من الأساس!".

وفي حين أثبتت الأيام سريعًا -للبشر الأقل ذكاءً- بُعدَ نظر "جيتس" بشأن حجم خطورة الفيروسات، إلا أن السؤال الذي يطرحه عنوان فيلم "الطفيلي" ما زالت إجابته لم تنكشف تمامًا للكثير من الأعين. يأتي اسم "الفيروس" أصلًا من كلمة لاتينية تعني السم، وربما يكون السبب في التسمية حقيقةَ أن الفيروسات -مثل السموم تمامًا- تتسرب إليك دون أن تدري، وتبدأ تفاعلاتها المؤذية في خفاء كامل، وحين تبدأ في الإعلان عن وجودها بالآثار الظاهرة يكون الوقت قد تأخر أكثر من اللازم. وبينما تبدأ أحداث فيلم "الطفيلي" قبيل لحظة تسرُّب أسرة "كيم" من مأواها تحت الأرض إلى منزل أسرة "بارك" الفاخر في احتلال سريع بدأ بالصدفة واكتمل بالتدبير، لا يخبرنا الفيلم عن قصة أسرة "بارك" -سوى تلميحات عابرة لاحقة- وكيفية حصولها على هذا المنزل من الأساس، ولا يخبرنا عما أصاب مدينة "سيول" كلها، فجعل بعض أهلها يسكنون في الأعالي بينما يجاهد البعض للصعود فقط إلى مستوى سطح الأرض.

قصص قديمة

لكن الأرض أخبرتنا -ولا تزال- بآلاف القصص التي كان من المفترض أن ترشدنا منذ وقت بعيد جدًّا إلى أكثر سكانها جدارةً بلقب "الطفيلي". ربما تكون قصة فيروس كورونا المستجد (سارس-كوف-2) هي الأخيرة في التسلسل الزمني والأولى في حجم التأثير، ورغم غموض الكثير من تفاصيلها حتى الآن، إلا أن الأرجح أن الفيروس كان متخصصًا في استهداف الوطاويط، ثم انتقل إلى عائل وسيط قبل أن ينجح -في مصادفة شبيهة بما أدى إلى لقاء الأسرتين في الفيلم- في الانتقال إلى البشر وبين البشر، وهو ما يكاد يتطابق مع قصة فيروس سارس الأول، الذي اندلعت العدوى به بين البشر في بلدان جنوب شرق آسيا عام 2002. في فيروس سارس الأول كان العائل الوسيط هو قط الزباد civet cat، الذي ليس قطًّا أصلًا، وإنما قرر البشر أنه سيدعى بالقط، تمامًا مثلما قرروا الاحتفاظ بتلك المخلوقات البرية الليلية في أقفاص مزدحمة، حيث تُعلَف ثمار البن ليلًا ونهارًا؛ من أجل جمع روثها واستخلاص البذور منه، بعد اكتسابها مذاقًا خاصًّا بسبب مرورها في الجهاز الهضمي لقط الزباد وتعرُّضها لعصاراته وإنزيماته، ليستخرجوا منها أغلى أنواع القهوة في العالم، بأسعار قد تصل إلى 100 دولار أمريكي -ما يعادل 1500جنيه مصري- للفنجان.

أما في حالة فيروس كورونا المستجد، فالعائل الوسيط الأكثر "اتهامًا" حتى الآن في ظنون العلماء هو حيوان "أم قرفة" أو آكل النمل الحرشفي، وهو حيوان بري أيضًا عجيب الخلقة، حتى إن معظم مَن سيراه للمرة الأولى سيشك كثيرًا في أنه من تصميم بعض فناني المؤثرات الخاصة العاملين في سينما الخيال العلمي، لكنه للكثيرين من المعتقدين بالطب الشعبي الصيني لا يبدو سوى علاج سحري ينتظر مَن يأتي ليحصد حراشفه ويجففها ويبيعها بأثمان تسوِّغ -في اعتقادهم- تلك القسوة العجيبة التي عاملوا بها هذه الحيوانات حتى دفعوها إلى حافة الانقراض. لكن البشر لم يتعلموا الدرس فيما يبدو، لا من فيروس سارس SARS ولا من فيروس MERS (وهما أيضًا من عائلة فيروسات كورونا نفسها) ولا حتى من الفيلم المخيف "عدوى Contagion" الذي صدر عام 2011 وحمل الكثير من التفاصيل الدقيقة -والمرعبة- التي سوف تذكِّرنا على الفور بالأحداث التي نعيشها الآن، وبالأسباب الوجيهة التي تدعونا إلى تجنُّب التدخل في أنماط حياة الحيوانات، لصالحنا نحن قبل صالحهم.

قصص أقدم

ولم يكن الاعتداء المادي المباشر مسلكنا الوحيد للتدخل في نظام الطبيعة الدقيق، وإنما أدى ما يسمى بأثر الفراشة دورًا هائلًا في التعدي على جيراننا في الأرض. كان لا بد أن يدفعنا طموح الثروة إلى التفنن في تصنيع السفن البحرية التجارية التي تحوي الواحدة منها أطنانًا من البضائع، ومن المواد الغذائية التي كانت ستجذب أنوف الجرذان لا محالة وتدفعهم إلى التسلل إلى السفن كركاب أخفياء. وتجوب السفن بحار العالم وتستكشف جزره المنعزلة وتربطها بحبال التجارة، وتنجح الجرذان في غزو 80 إلى 90% من مجموعات الجزر المتقاربة حول العالم منذ عصور الاستكشاف والاستعمار الأوروبي، وتعيث في نظام سلاسلها الغذائية فسادًا كأنواعٍ دخيلة -هي والقطط التي جلبها المسافرون معهم ثم قرروا التخلي عنها أو عن ذرياتها- لتشهد الجزر -على مساحاتها الضئيلة التي لا تتجاوز 6% من مجموع مساحة اليابسة- ثلاثة أرباع انقراضات الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات في العصر الحديث!

ولم تكتفِ البشرية بارتكاب الفظائع المباشرة في حق جيرانها من كائنات الأرض من أجل تحقيق أقصى ربح مادي ممكن فقط، بل امتدت أياديهم إلى مسخ البيئات الطبيعية لاستنزاف مواردها. لم يُستثنَ من هذا الإفساد الممنهج أماكن في حجم وأهمية غابات الأمازون، التي تواترت الدراسات البيئية والنباتية والأحفورية والأثرية لتأكيد أن الإنسان قد مارس -بتوسُّع- تدجين واستزراع الأشجار فيها منذ عصور ما قبل كولومبوس، قبل أن يبدأ الاستعمار الأوروبي للقارة في تحويل غابات الأمازون المهيبة العظيمة إلى مجرد مزارع تهيمن عليها الأشجار التي رأى البشر أن أهميتها الاقتصادية كانت أكبر من غيرها.

أسئلة الختام

ونستمر في التمادي إلى ما بعد حدود السخافة، فتظهر في مراكز التجميل موضات مثل جلسات التدليك بالأفاعي! كأن البشر لم يكفهم التعدي على أرواح الحيوانات وبيئاتها بلا ضرورة، ففكروا أيضًا في امتهانها إلى أقصى حد ممكن من أجل حفنات إضافية من الدولارات. أقمنا عروشنا على جثة الطبيعة وتنافسنا -كملوك العصور الوسطى- على ارتداء أكبر التيجان وأثقلها بالجواهر، فظهر لنا -بما كسبت أيدينا- ما يرتدي تاجًا حقيقيًّا -وإن كان مجهريًّا- من البروتين، وما يحملنا على التساؤل: مَن هو الطفيلي الحقيقي على هذه الأرض؟ ومَن الذي أبدع في تسميمها؟ وما يدفعنا لرعب بلا حدود ونحن نرى ذرات الغبار المعلقة في الهواء حولنا طوال الوقت لا يفضح وجودها ربما سوى شعاع شمس مباشر، فنتساءل عما لا نراه رغم يقيننا بوجوده، وباستعداده في أية لحظة للاقتراب أكثر من اللازم -دون أية خطة مسبقة- من أنوفنا وأفواهنا المُشرَعة، لينتهي دور الصدفة وتبدأ الآليات الفيروسية العتيقة في العمل الدؤوب من أجل إتمام المهمة المكتوبة في سطور شفراتها الوراثية، ونتساءل أيضًا -مع تصاعُد الإحساس بمكانتنا الحقيقية في هذا العالم- عما إذا كان السعال والعطاس من آليات حمايتنا وطرد ما يؤذينا أم من الآليات الضرورية لتكاثر تلك الأحياء المجهرية التي طالما استخففنا بخطورتها إلى الحد الذي جعلنا نَصِف -على سبيل الدعابة- انتشار منشوراتنا على الإنترنت بأنها بلغت المرحلة الفيروسية viral؟

في روايته الخالدة "مزرعة الحيوان"، يحكي جورج أورويل قصة الانمساخ التدريجي الذي ألحقه تولِّي الخنازير للسُّلطة -بعد ثورة حيوانات المزرعة وطردها للبشر وتشكيل حكومة حيوانية خالصة- ويخبرنا بما لحق من تعديلات على دستور المزرعة، من "جميع الحيوانات متساوية" إلى "جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواةً من الآخرين"، وهو ما طبقناه تمامًا في الواقع بين البشر وغيرهم من المخلوقات، وبين البشر وبعضهم من أكبر دوائرهم إلى أصغرها، حتى امتلأت الأرض جورًا، فصار من المنطقي أن يظن أحدهم أن أكثر ما يميز الفوضى أنها عادلة. خاصةً مع وصول البشرية إلى المرحلة التي بشَّر بها "أورويل" في المشهد الختامي لمزرعة الحيوان، حين وصف الجلسة الصاخبة للخنازير التي قررت السهر كل ليلة في القصر الذي عاد إليه البشر، لتشرب معهم الخمور وتلعب معهم الورق، وتعلو الأصوات وتتشنج الوجوه في شجار تتطلع إليه بقية الحيوانات من خارج القصر، وتنقل أنظارها من خنزير إلى إنسان ومن إنسان إلى خنزير، حتى يختلط الأمر عليها تمامًا ولا تدري مَن هو الإنسان ومَن هو الخنزير. لكننا اليوم، مع انكشاف الغطاء، نرى الأرض كلها بعيون جديدة تمامًا، تخبرنا بوضوح تام: مَن كان الساكن القديم، ومَن كان الطفيلي السام. بينما نراقب تفاصيل معركة البقاء الحالية ونأمل في مستقبل نستفيد فيه من كل تلك الدروس، ونُدخل بحساباتنا فيه أطراف المعادلة كلها، ونتذكر فيه ما حدث على سبيل الاعتبار، بدلًا من أن يذكره مَن يرث الأرض بعدنا على سبيل العبرة.