منذ الإعلان عن جائحة كورونا في 30 ديسمبر من عام 2020، قدمت الفرق البحثية المصرية جهدًا مميزًا في المتابعة العلمية لتلك الجائحة، وكان الحصاد حتى الآن 148 ورقة بحثية تسعى لفهم الجائحة وتوثيق مراحلها، ودراسة اللقاحات المقاربة التي حصل عليها المصريون في مراحل الطفولة ومدى إمكانية مساعدتها في خلق مقاومة جزئية للفيروس، واحتمالات تكوُّن مناعة جماعية لدى المصريين، وتجربة مهمة لم تر النور بعد داخل المركز القومي للبحوث حول إمكانية التوصل إلى لقاح مصري لـ"كوفيد-19".

ورغم غزارة العدد وما هو مرصود من كفاءة العنصر البشري والمعلن عنه من مساعٍ تتعلق بتوفير الدعم الإداري للفرق البحثية، لا يمكن الجزم بأن هذا الجهد استطاع بشكلٍ كافٍ مواكبة المشهد العالمي الذي يأخذ في الإعلان على نحوٍ متوالٍ عن إنتاج مشترك بين عدد من الجامعات والشركات الدولية لطرح لقاحات فعالة.

قراءة رقمية

وفق تقديرات المكتبة الطبية الوطنية الأمريكية، يبلغ عدد الأبحاث الإكلينيكة والتجارب السريرية التي تم إجراؤها حول العالم 358 ألفًا و508 دراسات بحثية في 219 دولة، وفي العام الحالي وحده تم إجراء 4092 تجربة تتعلق بفيروس "كورونا المستجد"، أسهمت مصر فيها بـ148 دراسة (أي بنسبة بلغت نحو 3.6%)، إلا أن أغلبها مصنَّف على أنه تم تسجيله والشروع في إجرائه لكنه لم يكتمل أو تُنشر نتائجه بعد، ومثلت الدراسات المصرية المتعلقة بـ"كورونا المستجد" 2.8% من إجمالي عدد التجارب المسجلة باسم مصر دوليًّا –في إجمالي المجالات- والتي بلغ عددها 4998 دراسة.

تلك الأرقام لا يمكن تناولها دون مناظرتها بغيرها في نطاقات جغرافية واجتماعية قريبة؛ فعلى المستوى العربي جاءت السعودية في المركز الثاني بـ 53دراسة بحثية، وفي المركز الثالث تونس بعدد 10 دراسات، وتشاركت الأردن وقطر والإمارات المرتبة الرابعة بعدد 6 دراسات لكل دولة على حدة.

وعلى مستوى الشرق الأوسط، ظهر تبايُن ملحوظ، فقد سجلت تركيا 129 دراسة فقط حول كورونا المستجد، في حين سجلت إيران 24 دراسة، ويمثل الشرق الأوسط 4.2% من الإجمالي الدولي، وفق أرقام المكتبة الطبية الوطنية الأمريكية.

وعلى المستوى الأفريقي، جاءت جنوب أفريقيا في المركز الثاني بعد مصر بعدد 2478 تجربة من مجمل الإنتاج الأفريقي في المجالات البحثية كافة –البالغ 11400 تجربة- والذي يمثل 2.9%  من الإجمالي الدولي، لكن الإنتاج البحثي المتناول لـ"كوفيد-19" لم يزد عن 25 تجربة إكلينيكية وسريرية.

التنوع والكيف

أمام هذا الزخم الكمي يأتي السؤال الثاني -ولعله الأكثر أهمية- حول التنوع والكيف، فبالنظر إلى الأبحاث المصرية الخاصة بـ"كوفيد-19"، نجد أنها غطت العديد من الجامعات المصرية، وحصدت جامعة القاهرة مكان الصدارة بنسبة 29%، تليها جامعات عين شمس وأسيوط والإسكندرية وطنطا وقناة السويس والزقازيق وأسيوط وكذلك الجامعة الأمريكية ومدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، إضافةً إلى أعمال "مركز التميز العلمي للفيروسات" التابع للمركز القومي للبحوث".

وركزت أغلب الأوراق البحثية المصرية على أربعة محاور رئيسية، هي: تأثير الأدوية والمضادات الحيوية على علاج الحالات المصابة بالفيروس، والتطور الجيني للفيروس في مصر واحتمالية ظهوره قبل الإعلان الرسمي الدولي عنه، ورصد مدى احتمالات تكوُّن المناعة الجماعية لدى المصريين وحركة الأجسام المضادة بأجسادهم، ومدى فاعلية اللقاحات السابقة التي حصل عليها المصريون في مراحل الطفولة في خلق مقاومة جزئية للفيروس.

وعبر هذه المحاور الأربعة، إضافةً إلى محور "محاولة تصنيع لقاح جديد"، أدى حجم التمويل الذي تتلقاه تلك الأبحاث محليًّا أو مستوى الدعم والشراكة مع جامعات دولية كبرى ومؤسسات غير حكومية دورًا بارزًا في المشاركات العلمية لأغلب الدول العربية والأفريقية وشرق الأوسطية؛ فعلى سبيل المثال تنوعت الشراكة بين الجامعات السعودية ودول مختلفة، منها كندا والبرازيل؛ إذ ركزت هذه الأبحاث (المشتركة) على استخدام المضادات الحيوية لعلاج مرضى كورونا وقياس تطور أكسدة الدم عبر تجارب سريرية عشوائية بين مستشفى عبد العزيز آل سعود ومستشفى هاميلتون الكندية.

وفي إيران كان التركيز واضحًا على محاولة تفعيل بروتوكولات علاجية واختبار حزمة أدوية أساسية، مثل دواء "هيدروكسي كلوروكين"، الذي أثار استخدامه حالة جدلية واسعة على مستوى العالم، ومراقبة مدى فاعليتها في علاج الحالات المتوسطة، في حين قدمت جنوب أفريقيا تجربة مهمة، فعلى الرغم من أن "جنوب أفريقيا" لم تنتج أكثر من 25 دراسة خاصة بكورونا المستجد، إلا أن أغلب هذه الدراسات جاء وفق عمل جماعي ممنهج بالشراكة مع جامعات أمريكية وأوروبية، وهكذا حصلت صاحبة المركز الثاني أفريقيًّا على دعم واسع مقارنةً بصاحبة المركز الأول "مصر".

المناعة الجماعية

وبالرغم من المعوِّقات والتحديات الكبيرة التي واجهت دوائر البحث المصرية، إلا أن الأبحاث المصرية حول "كورونا المستجد" شهدت تنوعًا ظاهرًا؛ إذ اهتمت العديد من الدراسات المصرية بالبحث وراء الأجسام المضادة واحتمالات تكوُّن مناعة جماعية ضد "كوفيد-19"، فقد أعلنت جامعة القاهرة عن تشكيل 5 فرق بحثية رئيسية تضم 25 من أعضاء هيئات التدريس وعددًا من شباب الباحثين من كليات العلوم والطب والصيدلة والمعهد القومي للأورام والطب البيطري، لإجراء أبحاث تتعلق بـ"المناعة الجماعية" بتمويل إجمالي 10 ملايين جنيه، فضلًا عن مضاعفة مكافآت النشر الدولي.

تقول مها جعفر -أستاذ الباثولوجي بطب قصر العيني- إنها اعتمدت هي وفريقها في تجربتها على إجراءات لقياس مدى تكوُّن الأجسام المضادة لدى عينة لم تزد عن 55 من المتعافين وتتبُّع المدى الزمني لسريانها في أجسامهم واحتمالات تعرُّضهم للعدوى مرةً أخرى، وذلك بسبب ضعف إمكانية التوسُّع في القياس ومخاوف عدم اكتمال التجربة.

تضيف "جعفر" في تصريحات لـ"للعلم": حصلنا على التمويل والدعم من الجامعة، لكنه يبقى أقل من مستويات الدعم المتعارف عليها، إضافةً إلى طول المدى الزمني الذي يستغرقه الحصول على موافقة اللجان العلمية المتعددة داخل الجامعة.

الأمصال القديمة

وفي جامعة عين شمس وحدها تم إجراء 12 تجربةً لقياس أثر الأمصال التي يتلقاها الأطفال على نشاط فيروس كورونا، وهو ما شهدته أيضًا جامعة القاهرة، لكن للأسف لم ينته أيٌّ منها ليشارك في مشروعات دولية رائدة.

يقول أحمد مختار، أستاذ الرعاية المركزة بطب قصر العيني، وهو رئيس فريق بحثي عمل على دراسة فاعلية التطعيم الثلاثي (الحصبة، النكاف، الحصبة الألمانية) في حماية العاملين بالرعاية الصحية من "كوفيد-19": بدأنا العمل منذ إبريل الماضي، واستهدفت الدراسة عددًا محدودًا من المبحوثين بلغ 200 شخص، وتم الانتهاء من الجزء النظري وتسجيل التجربة رسميًّا، وحصلنا على دعم مالي لم يزد عن 300 ألف جنيه ذهب أغلبها لتوفير مواد التحليل المعملي المطلوبة مثل فحوصات تحليل PCR الخاصة بكورونا التي عانت أغلب الفرق البحثية من عدم توافُرها في الشهور الستة الأولى من عام 2020، وكانت العقبة الرئيسية التي واجهتنا هي عدم توافُر المبحوثين، فلم يتطوَّع حتى الآن لتلقِّي جرعات من التطعيم الثلاثي واختبار درجة تكون أجسام مضادة ضد فيروس كورونا إلا 50 من الفرق الطبية العاملة بمستشفيات القصر العيني.

يضيف "مختار" في تصريحات لـ"للعلم": لا توجد أزمة في توافُر الأمصال الخاصة بالتطعيم الثلاثي، ولكن الأمر يتعلق بقياس فاعليتها وكذلك درجة أمانها (أي قياس الآثار الجانبية التي يتم تسجيلها عبر ملاحظة حال المتطوعين)، وأدى ضعف عدد المتطوعين إلى عدم القدرة -حتى الآن- على استكمال التجربة، رغم عدم تسجيل أي آثار جانبية قوية على مَن تعاطوا المصل، ونستهدف في مرحلة القياس الأخيرة من الدراسة قياس درجة تطور المناعة بالخلايا الليمفاوية، غير أن هذا أيضًا يرتبط بالحصول على مواد معملية خاصة لم تتوافر لنا حتى الآن، كما أننا -كفريق بحثي- لم نسعَ للحصول على شراكة دولية، أو لم تتح لنا الفرصة لذلك حتى الآن.

"زويل" ونماذج لم ترَ النور

وفق بيان رسمي صدر عن "مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا" في إبريل الماضي، عملت الفرق البحثية التابعة لمدينة زويل على عدة محاور مختلفة، ومنها سعيها لتصميم نماذج أولية لأجهزة التنفس الصناعي، وقد شملت ثلاثة نماذج: الأول يعمل في مرحلة ما قبل العناية المركزة، والتي عادةً ما يستخدم فيها الأخصائيون الطبيون بالون تنفس صناعي يدوي، فيقوم الجهاز بالعمل آليًّا، ما يوفر الوقت الذي يستغرقه الأخصائيون الطبيون في إجراء الإسعافات الحرجة، كما يُستخدم الجهاز في إسعاف المريض لحين نقله إلى العناية المركزة، وتظهر فاعلية هذا الجهاز في حالة وجود فترات انتظار طويلة لدخول العناية المركزة، وبذلك يخفف من حدة المعاناة البدنية والنفسية والضغط على الفرق الطبية، وقد تم بالفعل تصميم وتصنيع نموذج أولي من الجهاز يمكنه التحكم في كمية الهواء في النفَس الواحد والتحكم في عدد مرات التنفس في الدقيقة والتحكم في وقت الشهيق والزفير وقياس الضغط على الرئة والفصل الآلي عند ارتفاعه إلى درجة خطرة.

ويعتمد النموذج الثاني، الذي يُطلق عليه (Venta-Max)، على تصميم جهاز تنفس صناعي كامل يعمل بالطاقة الكهربائية، أما النموذج الثالث -والمعروف باسم (Venta-Max Ventilator)- فهو عبارة عن جهاز تحكُّم ميكانيكي في الضغط يمكن أن يعمل بالكهرباء مع إمكانية وصله بألواح شمسية في الأماكن محدودة الموارد، مثل المستشفيات المؤقتة الميدانية والأماكن النائية.

يقول مصطفى محمد، أستاذ ورئيس قسم هندسة الفضاء، والمشرف على الفرق البحثية التي قامت بتصميم تلك النماذج: هذه النماذج عمل عليها فريقٌ يضم ثمانيةً من الباحثين ومجموعةً من الطلبة المتفوقين بقسم هندسة الفضاء بمدينة زويل، واهتمت الجامعة بأن تكون النماذج كلها مصنوعة من مواد تجميعية من السوق المصري وبتكلفة لا تزيد على ثلاثة آلاف جنيه للنموذج الأول، وعشرة آلاف جنيه للنموذجين الثاني والثالث، وتم الإعلان عن المشاركة بهذه النماذج في مسابقة (Code Life Ventilator Challenge)، ومنذ هذا التاريخ لم تعلن الجامعة عن شراكة مع أيٍّ من الشركات الطبية العاملة في مصر على خط إنتاج يمد السوق المصري بتلك المنتجات.

كما قام الفريق البحثي بتجميع العديد من صور الأشعة السينية وعمل نظام أوَّلي للتعرُّف على حالات الإصابة بـ"كوفيد-19" بدقة، وتقدمت المدينة بمقترح بحثي لأكاديمية البحث العلمي من أجل تطوير هذا النظام وتجربته على قاعدة كبيرة من صور الأشعة السينية الموجودة في قواعد البيانات المصرية المعتمدة.

ويستخدم النظام المطور تقنية الذكاء الاصطناعي لكشف وتقييم إصابات الرئة الناجمة عن "كوفيد-19" من خلال صور الأشعة السينية، وجرت تجربة هذا النظام واختباره على مئات الصور من الأشعة السينية لمرضى "كوفيد-19"، وأنشأ الفريق البحثي موقعًا إلكترونيًّا، حيث يمكن للأطباء تحميل صور الأشعة السينية للمرضى وتلقِّي تقييم نظام الذكاء الاصطناعي في بضع ثوانٍ.

وعلى الرغم من أن البيان الرسمي الصادر في إبريل الماضي ذكر أنه من المتوقع إتاحة هذا النموذج مجانًا لكل الفرق الطبية خلال شهور، إلا أن هذا لم يحدث حتى الآن.

تجارب إكلينيكية

أعلنت الجامعة الأمريكية بالقاهرة في مارس الماضي عن 10 مشروعات بحثية في تخصصات مختلفة مثل الفيزياء، والأحياء، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتعليم، وإدارة الأعمال، بميزانية 25 مليون جنيه مصري (1.6 مليون دولار أمريكي)، وبمشاركة عدد كبير من الباحثين وأعضاء هيئة التدريس، وبرئاسة حسن الفوال، المدير المؤسس لمعهد الصحة العالمية والبيئة البشرية.

وفي تواصل مباشر مع مسؤولي الجامعة، حصلت "للعلم" على إفادة حول 4 تجارب إكلينيكية وسريرية يتم العمل عليها، بل وتم الانتهاء من إحداها ونشر ورقة علمية حولها، وهذه التجارب هي: استخدام اللعاب كعينة أكثر دقةً في تشخيص مرض كورونا المستجد مقارنةً بالمسحة الأنفية البلعومية بهدف تقليل النتائج السلبية الخطأ، وسد الفجوة الزمنية بين العدوى الحقیقیة للأفراد واكتشاف الحالات الجديدة من خلال مراقبة مياه الصرف الصحي، وتطویر مجموعة أدوات الكشف المبكر عن "كوفيد-19"، التي یمكن استخدامھا إما في بیئة سريرية أو في المنزل مع تعليمات واضحة، مع إمكانية ترقية ھذه الأداة إلى أداة علاجیة ضد المرض، وتطوير طرق الكشف المبكر عن أمراض الجهاز العصبي المتمثلة في مرض الشلل الرعاش (باركنسون) ومرض ألزهايمر عند المصابين بمرض كورونا المستجد؛ بهدف منع تطور هذه الأمراض إلى مستوى لا يمكن إصلاحه.

من جهته، قال أنور عبد الناصر -الأستاذ المساعد في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة- في تصريحات لـ"للعلم": تم العمل على الأبحاث بشكلٍ متوازٍ، وكان الرابط الرئيسي بين التجارب هو علاقتها الوثيقة بالمجتمع المحلي.

وأضاف أن "الدراسة التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن فارماكولوجي" تناولت عوامل الخطر الوراثية والبيئية داخل المجتمع المصري بشكل خاص، والتي تؤدي إلى انتشار الإصابة بكوفيد-19، وانتهت إلى وجود اختلاف في درجة التأثر وفق الأعراق، وأن السياسات التي تتبعها مصر في تطعيم أطفالها بلقاحات محددة مثل لقاح "بي سي جي" (BCG) المضاد لمرض السل لها تأثير إيجابي في تقليل حدة انتشار كوفيد-19".

الحلم المنتظر

أما أهم المحطات العلمية التي سعت الفرق البحثية المصرية للوصول إليها فكانت من نصيب "مركز التميز العلمي للفيروسات"؛ إذ حاول فريق بحثي -برئاسة أحمد قنديل وأحمد مصطفى السيد- التوصل إلى لقاح مصري في مواجهة "كورونا المستجد".

وفي لقاءات صحفية مبكرة، أعلن ممثلو الفريق المكون من 19 باحثًا أن جميع التسهيلات متوافرة لهم وكذلك التمويل، وأن الأمر يحتاج إلى وقت قد يصل إلى عام ونصف لتصنيع لقاح مصري فعال لكورونا المستجد، وتواصلت "للعلم" مع عدد من أعضاء الفريق البحثي، فذكروا أن أعمالهم البحثية لا تزال مستمرة ولم تتوقف، لكنهم يفضلون عدم إعطاء تصريحات رسمية حتى الانتهاء من التجربة، في إشارة إلى أن "الحلم لم يرَ النور بعد".