ملابس زاهية.. وأجنحة ممزقة.. وأغطية رأس مصنوعة من ريش.. وطرقات طبول نحاسية تتصاعد في موسيقى موحية تعكس تلك المساحة الرمادية بين الخير والشر.. والخوف والأمل.. ورحابة الصعود إلى السماء وعمق الارتباط بالأرض.

ربما كان ذلك جزءًا من مشاهد الكوميديا السوداء التي تحياها "الشعوب الأصلية".. كوميديا مبهجة لا تخلو من تراجيديا قاتمة، وابتسامات تعلو الوجوه يكدر صفوها خوفٌ دفينٌ من تمييز لا ينتهي (لا تعليم، لا رعاية صحية، لا مساكن لائقة، لا خدمات مواصلات)، تمييز يضرب عرض الحائط بـ"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، الذي تنص مادته الثانية على أن "لكلِّ إنسان حق التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر".

ومن هنا تأتي أهمية اليوم العالمي للشعوب الأصلية، الذي تحل ذكراه الـ26 اليوم "الأحد"، 9 أغسطس، وهي الذكرى التي تزامنت مع تحذيرات أطلقتها منظمة الأمم المتحدة حول المخاطر التي تهدد الشعوب الأصلية من جَرَّاء تفشِّي جائحة "كورونا المستجد".

تقول المنظمة الأممية إن "أنماط الحياة التقليدية للسكان الأصليين تُعَد سببًا لمرونتها، إلا أنها يمكن أن تكون كذلك مصدرًا للتهديد في وقت انتشار جائحة كوفيد - 19. فعلى سبيل المثال، تنظم معظم مجتمعات السكان الأصليين بانتظام تجمعاتٍ تقليديةً كبيرة للاحتفال بالمناسبات الخاصة مثل الحصاد، والقدوم من الاحتفالات الخاصة بالبلوغ، وما إلى ذلك. وفضلًا عن ذلك، تعيش بعض مجتمعات السكان الأصليين كذلك في مساكن تتناوب عليها الأجيال، مما يعرض الشعوب الأصلية وأسرهم، وبخاصة المسنين، للخطر".

وتضيف أن "مجتمعات السكان الأصليين يعانون من ضعف وسائل الحصول على الرعاية الصحية، فضلًا عن وجود معدلات أعلى بكثير من الأمراض، ونقص وسائل الحصول على الخدمات الأساسية، ومرافق الصرف الصحي، وغيرها من التدابير الوقائية الرئيسية مثل المياه النظيفة والصابون والمطهرات وغيرها. كما تعاني المرافق الطبية المحلية المتاحة من ضعف التجهيز وقلة الموظفين. وحتى عندما يتمكن السكان الأصليون من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، فإنهم غالبًا يواجهون التعرُّض للتمييز والإهانة. ولذا، فالعامل الرئيسي هو ضمان إتاحة الخدمات والمرافق بلغات السكان الأصليين وفق مقتضى الحال".

كما نشرت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية مؤخرًا تقريرًا تحت عنوان "اعتبارات بشأن السكان الأصليين وكذلك المنحدرين من أصل أفريقي، والمجموعات الإثنية الأخرى خلال جائحة كوفيد – 19"، تضمَّن في طياته توصيات للسكان الأصليين ولقادة المجتمع وللعاملين في مجال الصحة وللحكومات، مشيرةً إلى معاناة السكان الأصليين من "غياب الأمن الغذائي بسبب فقدان أراضيهم وأقاليمها التقليدية، أو بسبب آثار تغيُّر المناخ، ما يجعلهم يواجهون تحديات أكبر في الحصول على الطعام. وبفقدان سبل عيشهم التقليدية، التي غالبًا ما تكون برية، فإن عديد شعوب السكان الأصليين، الذين يعملون في المهن التقليدية واقتصاديات الكفاف أو في القطاع غير الرسمي، سيتضررون من وباء كورونا المستجد، وسيزداد الأمر خطورةً بالنسبة للنساء من السكان الأصليين، اللاتي غالبًا ما يقدمن الغذاء لأسرهن".

والشعوب الأصلية هي مجتمعات محلية وتجمعات سكانية ذات ثقافة متميزة. وترتبط الأرض التي تعيش عليها تلك الشعوب، والموارد الطبيعية التي تعتمد عليها، ارتباطًا وثيقًا بهوياتها وثقافاتها وأنماط معيشتها، وكذلك رفاهيتها المادية والروحية، ومن أهم الشعوب الأصلية التي تعيش في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط الأمازيغ في شمال أفريقيا، والآشوريون في العراق وتركيا وسوريا وإيران، في حين يُعَدُّ الهنود الحمر في قارة أمريكا الشمالية وسكان أستراليا الأصليون من أهم الشعوب الأصلية حول العالم.

ويقدر عدد السكان الأصليين في العالم بنحو 370 مليون نسمة يعيشون في 90 بلدًا. ويمثل هذا العدد أقل من 5% من سكان العالم ولكنه يُشكل 15% من أفقر السكان. وهم يتحدثون بأغلب لغات العالم المقدرة بنحو 7 آلاف لغة، ويمثلون 5 آلاف ثقافة مختلفة، ويعمل أكثر من 86% من السكان الأصليين على مستوى العالم في الاقتصاد غير الرسمي، مقارنةً بـ66% لنظرائهم، ولا يحصل 47% من جميع السكان الأصليين العاملين على تعليم، مقارنةً بنسبة 17% من نظرائهم من غير السكان الأصليين.

والعجيب أن معاناة الشعوب الأصلية مع التمييز تتناقض مع ما قدموه –وما زالوا يقدمونه- للبشرية، وفق تقارير عدة نشرتها مجلة "للعلم".

فتحت عنوان "صقور النار الأسترالية.. هل هي أسطورة بروميثيوسية جديدة؟"، كتب الدكتور محمد المخزنجي مقالًا انتقد خلاله دراسة ربطت بين انتشار حرائق الغابات الأسترالية ونوع من الطيور الجارحة عرفه سكان أستراليا الأصليون بـ"صقور النار".

يقول "المخزنجي": عندما نعود بالتاريخ آلاف السنين لنتأمل انطباعات سكان أستراليا الأصليين التي أورثوها أحفادهم، وروايات هؤلاء الأحفاد عن صقور النار التي استثمرتها -بل استغلتها- تلك الدراسة محل الانتقاد، دون قرينة ملموسة على تجلِّيها في الواقع، ولا منطق علمي يُرجِّح حدوثها، فإننا -من ناحية أدبية- نعطف على هذه الشهادات، ونتعاطف معها كتفكير إبداعي مدهش وساحر، أنتجته القريحة البشرية البكر، التي نُثمِّن أنها –في حين كانت تفتقر إلى المعرفة العلمية المتوافرة الآن- لم تستسلم للعجز والحيرة أمام ألغاز الوجود من حولها، فحلَّتها بالأساطير، ومنها "أسطورة صقور النار"، التي تستدعي إلى خواطرنا من فورها، أسطورة النار الأشهر والأكبر، حاملةً اسم بروميثيوس، مُحب البشر الذي سرق النار من بيت آلهة الأوليمب ليتدفأ بها جنسنا البشري في برد الشتاء، ويأتنس بضوئها في ظلمة الليل، ويجد فيها منافع وروائع أخرى، وآلامًا لا تُنكَر.

ووفق الدراسة، فإنه "عندما يندلع حريق في غابة، تسارع صقور النار، التي تضم الحِدأة السوداء، والحِدأة الصافرة، والصقر البني، باقتحام الحريق، وتلتقط -بمناقيرها أو بين مخالبها- فرعًا مشتعلًا، وتطير به مسافةً تبلغ كيلومترًا، ثم تُسقطه على أرض عشبية لم يبلغها الحريق لتؤج فيها النار، وما إن تعلو فيها ألسنة اللهب، ويتصاعد الدخان، حتى تتنادى جماعات من هذه الطيور الجارحة وتحوم على أطراف الحريق الجديد، ومع بدء فرار ما كان مختبئًا في العشب قبيل اشتعاله، من قوارض وزواحف صغيرة وحشرات كبيرة، ينتاب تلك الطيور الجوارح نوعٌ من هياج الانقضاض والصيد وسعار الالتهام"، فيما وُصِف بأنه "جنون قتل، وجنون أكل".

من جهته، كتب الزميل محمد منصور تقريرًا تحت عنوان "جينات الأفارقة تكشف أسباب الفصام"، ذكر فيه أن فريقًا من الباحثين أجروا اختبارات جينية على أصول الجينات؛ إذ درسوا الأساس البيولوجي للمرض العقلي في أول تحليل جيني لمرض انفصام الشخصية بين سكان أفريقيا، وتحديدًا من قبيلة "خوسا" Xhosa بدولة جنوب أفريقيا. وتمكَّن الباحثون عبر دراسة جينات تلك القبيلة من تحديد طفرات نادرة تحدث بشكل متكرر لدى الأشخاص المصابين بتلك الحالة المرضية".

ونقل "منصور" عن "جون مكليلان" -أستاذ علوم الجينوم بجامعة واشنطن، والمؤلف الرئيسي لتلك الدراسة- قوله: من العدل ومن ضروريات البحث العلمي أيضًا فحص جينات الأفارقة.. فهم الأجداد، أجداد كل البشر الأصليين.

إضافة إلى ذلك، نشرت مجلة "للعلم" تقريرًا أعده الزميل محمد السعيد بعنوان "سكان غرب أفريقيا الحاليون ليسوا أحفاد شعوب البانتو القدماء"، مشيرًا إلى أنه "على الرغم مما تحتويه من تنوُّع جيني بشري أكبر من أي جزء آخر من الكوكب، إلا أن دراسات الحمض النووي لسكان القارة السمراء القدماء لا تزال قليلةً جدًّا، وهو ما يُرجعه الباحثون إلى التحديات التي تواجه استخراج الحمض النووي من الهياكل العظمية المتدهورة في المناطق الاستوائية".

وذكر التقرير أن "فريقًا بحثيًّا دوليًّا تقوده كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية تتبَّع الحمض النووي لأربعة هياكل عظمية، تَبيَّن بعد الفحص أنها تعود إلى أطفال، اثنان منهم دُفنا قبل حوالي ٨٠٠٠ عام، في حين دُفن الآخران قبل ٣٠٠٠ عام في موقع "شوم لاكا" الأثري في غرب الكاميرون".

وأضاف أن "نتائج الدراسة تشير إلى وجود ما لا يقل عن أربع سلالات بشرية رئيسية قديمة، ينحدر منها سكان غرب أفريقيا اليوم. وأن هذه السلالات تباعدَ بعضها عن بعض بين حوالي ٣٠٠ ألف إلى ٢٠٠ ألف سنة مضت".