حذّرت دراسة حديثة من أن القطيرات الدقيقة المعروفة باسم "الهباء الجوي"، وهي النسخ المجهرية من قطرات الجهاز التنفسي المحمَّلة بالفيروسات، تؤدي دورًا رئيسيًّا في انتشار العديد من مسبِّبات الأمراض التنفسية، بما في ذلك فيروس "سارس-كوف-2" المسبب لوباء "كوفيد-19".

وأوضح الباحثون أن جائحة "كوفيد-19" كشفت عن فجوات معرفية مهمة بشأن كيفية انتشار فيروسات الجهاز التنفسي بين المضيفين؛ إذ كان يُعتقد أن تلك الفيروسات تنتشر بشكل رئيسي من خلال الرذاذ التنفسي الكبير الناتج عن سعال وعطس الأفراد المرضى.

وناقش الفريق البحثي -الذي ضم باحثين من تايوان والولايات المتحدة الأمريكية- في دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science) مسبّبات انتقال فيروسات الجهاز التنفسي عن طريق الجو، وكيف أن الفهم الجيد لانتقال الهباء الجوي سيتيح وضع ضوابط مستنيرة لتقليل انتقال الفيروس عبر الهواء.

يقول شيا وانج، مدير مركز أبحاث علوم الهباء الجوي بجامعة "صن يات صن الوطنية" في تايوان، وقائد فريق البحث: حتى وقت قريب، كان يُفترض أن معظم مسبِّبات الأمراض التنفسية تنتشر فقط من خلال قطرات كبيرة من شخصٍ مُعدٍ أو تنتقل من الأسطح الملوثة، لكن وفقًا لمجموعة متزايدة من الأدلة، والتي ظهرت عبر دراسة انتشار "كوفيد-19"، قد يكون الهباء الجوي هو مسار انتقال رئيسي ليس فقط لفيروس "سارس-كوف-2"، ولكن أيضًا للعديد من فيروسات الجهاز التنفسي الأخرى.

يضيف "وانج" في تصريحات لـ"للعلم": يُعد انتقال العدوى عبر الهباء الجوي أكثر انتشارًا وأهميةً مما كان يُعتقد سابقًا، لكن هذا المسار لم يحظَ بالتقدير منذ فترة طويلة، ومع تحسُّن فهم انتقال العدوى عن طريق الهواء، فقد حان الوقت لأخذ مسار الانتقال هذا في الاعتبار الجاد وإضافة تدابير وقائية للهباء الجوي لمنع تفشِّي فيروسات الجهاز التنفسي.

وتابع أن "تلك النتائج تستند إلى مجموعة كبيرة من الأدلة التي تم جمعها من عينات الهواء، ودراسات تفاعُل البوليميراز المتسلسل (PCR)، والتحليل الوبائي، والدراسات المختبرية، ونمذجة العديد من فيروسات الجهاز التنفسي، والتي تشير بشكل لا لبس فيه إلى أن الهباء الجوي يُعد لاعبًا رئيسيًّا لانتشار معظم أمراض الجهاز التنفسي".

وتشير الدراسة إلى أن "الهباء الجوي هو عبارة عن قطرات سائلة مجهرية أو جسيمات صلبة أو شبه صلبة معلَّقة في الهواء، تتشكل عندما يقوم الناس بأنشطة الزفير، مثل التنفس والحديث والغناء والصراخ والسعال والعطس، وقد يحتوي الهباء الجوي المنبعث من الأفراد المصابين على فيروسات معدية، وتم تحديد الحد الأقصى للحجم التقليدي للهباء الجوي عند 5 ميكرومترات، ومع ذلك، فقد تم اقتراح حجم 100 ميكرومتر ليكون تمييزًا أكثر ملاءمةً للحجم؛ لأنه يمثل أكبر الجسيمات التي يمكن أن تظل معلَّقةً في الهواء الثابت لأكثر من 5 ثوانٍ (مع ارتفاع 1.5 متر)، والسفر لمسافة تزيد عن متر واحد من الشخص المصاب".

يقول "وانج": من المهم للغاية التمييز بين خصائص الهباء الجوي والقطرات، التي يمكنها الوصول في غضون 5 ثوانٍ، إلى مسافة في نطاق متر واحد فقط من الشخص المصاب، ولا يمكن استنشاقها، لكن في المقابل، يمكن أن يبقى الهباء الجوي في الهواء لساعات مُعلقًا في نطاق أقل أو أكثر من متر واحد من المصاب، ويتم استنشاقه.

وعن أهمية النتائج، شدد "وانج" على ضرورة الفهم الجيد لانتقال الهباء الجوي الذي يتأثر إلى حدٍّ كبير بتدفق الهواء والتهوية، ما يدفع الناس للنظر في أهمية أنظمة التهوية وفاعليتها، مثل ضمان معدلات تهوية كافية لتقليل مخاطر التعرُّض للهباء الجوي المحمّل بالفيروسات، بالإضافة إلى تحسين كفاءة الأقنعة التي يمكن أن ترشِّح الهباء الجوي، وكيفية ارتدائها بشكل صحيح للحماية من انتقال الهباء الجوي، بالإضافة إلى مراجعة تدخلات قد لا تكون فعالةً في الحد من الهباء الجوي، مثل الحواجز المادية المصنوعة من زجاج شبكي، والمنتشرة بكثرة في المكاتب ومحلات البقالة والمطاعم، والتي يمكن أن تعوق تدفُّق الهواء، وتحبس تركيزات أعلى من الهباء الجوي في منطقة التنفس، وبالتالي تزيد من خطر الإصابة بالفيروسات.

وحول الخطوات المقبلة للفريق، يقول "وانج": هناك العديد من القضايا التي تحتاج إلى التحقيق بشكل أكثر منهجية، وعلى سبيل المثال، فإننا مهتمون بالتوصل إلى فهم أفضل لتركيز الفيروسات في الهباء الجوي وقدرتها على بدء عدوى جديدة، وكيف يختلف تركيز الفيروس في الهباء الجوي باختلاف نوع الفيروسات.