يؤدي علم الجينوميات دورًا محوريًّا في مواجهة جائحة «كوفيد-19»، إذ عملت الفرق البحثية حول العالم على تحديد التسلسل لأكثر من نصف مليون من جينومات فيروسِ «سارس-كوف-2» حتى الآن، غير أن هذه الجهود أفضت إلى إنشاء كميات هائلة من البيانات، مما يشق على الباحثين الذي يحاولون اقتفاء أثر الطفرات الأكثر قلقًا، خاصة تلك الطفرات الموجودة في نطاق الارتباط بمستقبلات البروتين الشوكي، الذي يُمَكِّن الفيروس من التسلل إلى الخلايا.

وهنا يَبرُزُ دور علماء الحوسبة؛ فقد تمكَّن فريق بحثي بقيادة انتخاب عالَم، من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) في المملكة العربية السعودية من تطوير نظام عبر الإنترنت عُرف باسم (CovMT)، يجمع باستمرار بيانات الجينومات المُسلسَلة حديثًا، الموقع الإلكتروني الذي أطلقه الفريق البحثي يتيح للمُستخدِمين إنشاء خرائط ومخططات زمنية توضح تطوّر الفيروس على مستوى العالم أو القارات، أو بخصوص كل بلد على حدة.

في مايو 2020، بدأ عالَم وزملاؤه عملَهم المكثف على خط أنابيب حاسوبية بهدف تصنيف عينات جينومات فيروس «سارس-كوف-2» إلى أفرع حيوية، وسلالات، وإلى مجموعات أكثر تخصصًا من الطفرات يطلقون علها البصمات الطفرية.

يقول عالَم: "كان التحدي الرئيسي في بادئ الأمر هو قلة بيانات التسلسل الجينومي المتاحة"، غير أن عدد الجينومات قد تزايد بمعدلات متضاعفة في أواخر عام 2020، بعدما حَثَّت منظمة الصحة العالمية البلدان كي تزيد من جهودها لتحديد تسلسل الجينومات، وذلك في أعقاب انتشار طفرات، مثل المتغير «B.1.1.7» شديد العدوى الذي ظهر في المملكة المتحدة، تتولى جمع البيانات الجديدة «المبادرة العالمية لمشاركة بيانات إنفلونزا الطيور» (GISAID)، وهي مركز مفتوح المصدر للبيانات السريرية والوراثية والجغرافية المتعلقة بالفيروسات، والتي أُطلِقت عام 2008 في إطار الاستجابة لمكافحة إنفلونزا الطيور «H5N1».

ويضيف عَالَم: "يمكننا يوميًّا تنزيل جميع الجينومات الجديدة تلقائيًّا، وذلك بفضل «المبادرة العالمية لمشاركة بيانات إنفلونزا الطيور»، ويتم تحديث موقع «CovMT» بأحدث النتائج ووسائل التمثيل البصري بمجرد أن تتم معالجة هذه البيانات".

وقد تمكن نظام «CovMT» من تأكيد اكتساب المتغير «B.1.1.7» للطفرة «E484K»، التي تُساعد الفيروس على الإفلات من دفاعات الجسم المناعية وقد تقوّض جهود التطعيم، كما يُراقب الفريق عن كثب الطفرات الأخرى التي تدعو للقلق، ومن ضمنها طفرة «L452R» التي تنتشر في الولايات المتحدة، وطفرة «N501T» المنتشرة في اليمن، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، والأردن.

يقول توماس كريستي ويليامز، الباحث في علم الوراثة التطورية في جامعة أدنبره والمشارك في «اتحاد الجينوميات المعنِيّ بمرض كوفيد-19 في المملكة المتحدة» (COG-UK)، وهو اتحاد أثمر عما يقرب من نصف الجهود العالمية لتحديد التسلسلات الجينومية: "أعتقد أن أداة التتبُّع هذه ستحقق أعظم فائدة في رصد المتغيرات التي قد تحدّ من فاعلية اللقاحات، لأنه إذا أصبحت هذه المتغيرات أكثر انتشارًا، فسيصبح تطبيق النُّهُج الهادفة إلى القضاء على انتقال الفيروس -بدلًا من وقاية الأشخاص المعرضين للإصابة من المرض الشديد وحسب- أكثر صعوبةً بكثير".

ويشير عَالَم إلى أن البلدان العربية يلزمها بعض الجهود للحاق برَكب مساعي تحديد التسلسل الجينومي، وذلك على الرغم من الجهود الأخيرة التي مَكَّنَت «CovMT» من تتبُّع ظهور متغيرات المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا في الإمارات العربية المتحدة، ويضيف عالَم قائلًا: "هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود المكثفة والعاجلة لاستكشاف هذه المتغيرات وغيرها من المتغيرات التي تظهر في المنطقة العربية، ولعل إطلاق مبادرة لإنشاء اتحاد مشترك تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي -على غرار «اتحاد الجينوميات المعنِيّ بمرض كوفيد-19 في المملكة المتحدة»- سيفي بهذا الغرض".

Alam, I. et al. CovMT: an interactive SARS-CoV-2 mutation tracker, with a focus on critical variants. Lancet Infect Dis https://doi.org/10.1016/S1473-3099(21)00078-5 (2021).