إننا نحيا في عصر استحوذ على الناس فيه حب الشهرة والشعبية، فكثير من الكبار يقضون كثيرًا من وقتهم وهم يفكرون ويتصرفون كأنهم طلاب في المرحلة الثانوية. وفي كتاب جديد لعالِم النفس ميتش برينستاين نُشر بعنوان "مشهور" Popular، يستكشف برينستاين مفهوم الشعبية والشهرة ولكن بعين العالِم. فيقول برينستاين -الأستاذ بجامعة نورث كارولاينا في مدينة تشابل هيل- بأن هناك نوعين من الشهرة في الواقع، وأن ثقافتنا قد استقرت على النوع الذي ينطوي على خلل، ولكنه يشير إلى أن هناك طريقة أفضل للتعامل مع الأمر. وفي لقاء له مع جاريث كوك، محرر مدونة "مايند ماترز" Mind Matters، يجيب برينستاين عن الأسئلة التالية.

 

هل تؤثر شعبية الطلاب في المرحلة الثانوية على حياتهم بعد ذلك؟

 

Psychologist Mitch Prinstein. Credit: Somer Hadley at Revolution Studios

بالطبع، بل لها تأثير بارز في حقيقة الأمر. تشير نتائج الأبحاث إلى أنه حتى بعد مرور أربعين عامًا، يمكننا توقُّع مَن سيتخرج في المدرسة الثانوية أو الجامعة، ومَن سيكون ناجحًا في عمله، ومَن سيتقدم بطلب للحصول على إعانة من الخدمات الاجتماعية، ومَن قد يعاني صعوبات شديدة على مستوى الصحة النفسية أو قد يتعرض لمشكلات الإدمان، كل هذا من خلال معرفة كيف كانت شعبيته في المدرسة الثانوية. بل وإن مدى شعبية الأفراد في تلك المرحلة تساعد على توقُّع الصحة الجسدية؛ فالأشخاص الذين لم تكن لهم شعبية كبيرة في مرحلة الطفولة أكثر عرضةً للإصابة بالأمراض القلبية الوعائية والأمراض الأيضية بعد مرور عقود، مقارنةً بالأشخاص الذين كانوا يتمتعون بشعبية كبيرة. ويشير أحد التحليلات إلى أن مخاطر عدم التمتُّع بشعبية على احتمالات الوفاة تتساوى في قوتها مع مخاطر التدخين!

ولكن الأمر الذي قد يكون أكثر إثارة للدهشة هو أن الشعبية تؤدي دورًا لا يمكن تفسيره بالحالة الاجتماعية الاقتصادية أو معدل الذكاء أو الخلفية العائلية أو الصعوبات السابقة على مستوى الصحة النفسية أو المظهر. فثمة شيء ما في الطريقة التي ينظر بها الآخرون إلينا تغيِّر من مسار حياتنا بصورة قوية ومؤثرة.

ماذا تقصد بمصطلح "الشعبية"؟

هذا سؤال مهم؛ لأن معظم الناس لا يدركون أن العلماء حددوا نوعين مختلفين من الشعبية، كلٌّ منهما يفضي إلى نتائج مختلفة تمامًا. في مرحلة الطفولة، تتحدد شعبية الطفل بمدى حب الآخرين وإعجابهم به، والأطفال الأكثر شعبية هم أولئك الذين يتولون زمام القيادة بهدوء ويساعدون الآخرين ويتعاونون معهم، وهذا النوع من الشعبية ينبئ بالكثير من النتائج المرغوبة طويلة الأمد.

ولكن يظهر نوع ثانٍ من الشعبية في مرحلة المراهقة، مما يعكس التغيُّرات التي تحدث في الدوائر العصبية التي تحثها هرمونات البلوغ. وهذه الفترة هي التي تبدأ فيها شعبية الشخص تعكس "مكانته" أكثر من "مدى حب الآخرين له". ومؤشرات تحديد المكانة –البروز الاجتماعي والتأثير والسيطرة والقوة– جميعها تنشط مراكز المكافأة الاجتماعية في أدمغتنا وتغيِّر علاقتنا بمفهوم الشعبية للأبد. وعلى مدار فترة النضج، يكون لدينا الاختيار بين أن نسعى لأن نكون محبوبين أكثر أو نستحوذ على مكانة أكبر، وهو قرار أصبح أكثر صعوبة بكثير بسبب العدد المتزايد من المنصات (وسائل التواصل الاجتماعي وتليفزيون الواقع وغيرها) التي صُممت في الأساس كي تجعلنا نحظى بمكانة أكبر. في الواقع، إن تركيزنا اليوم على المكانة، التي أصبح من السهل الوصول إليها، ربما يكون أقوى من أي وقت آخر في تاريخ البشرية. وهذه مشكلة في حد ذاتها؛ نظرًا لأنه على عكس النتائج الإيجابية المرتبطة بارتفاع مستوى حب الآخرين لنا وإعجابهم بنا، تشير نتائج الأبحاث إلى أن التمتُّع بمكانة بارزة يؤدي في وقت لاحق إلى العدوانية والإدمان والكراهية واليأس.

هل يمكن أن تخبرني المزيد من المعلومات حول المشكلات التي تراها في السعي وراء تحقيق المكانة البارزة؟

ثمة مشكلات بالنسبة للأفراد الذين يسعون وراء تحقيق مكانة أفضل، ومشكلات بالنسبة لنا كمجتمع يستثمر في هذا النوع من الشعبية. وتشير نتائج الأبحاث -مثل تلك التي نشرها جو ألن الأستاذ بجامعة فيرجينيا- إلى أن الأشخاص الذين يهتمون أكثر بشأن مكانتهم الاجتماعية يكبرون ولديهم صعوبات في العلاقات مع الآخرين بعد سنوات، إذ يظل تركيزهم منصبًّا على مكانتهم وحتى على شعبية الآخرين بدلًا من السمات التي ربما تؤدي إلى بناء علاقات إنسانية جيدة ومُرضية. وتشير أبحاث أخرى إلى أن أولئك الذين يتوقون أكثر إلى تحقيق مكانة بارزة على الأرجح يعانون لاحقًا من التوتر والقلق والاكتئاب ومشكلات في استخدام العقاقير.

وكمجتمع، ثمة مؤشرات بالفعل على أن رغبتنا في تحقيق مكانة بارزة قد بدأت تؤدي إلى نتائج سلبية وتتسبب في معاناة. ومقارنة ببضعة عقود مضت، تشير الأبحاث إلى أن أهداف حياتنا الآن تعكس الرغبات في امتلاك أشياء أكثر من الآخرين، والاستحواذ على قوة ونفوذ أكثر منهم، والشعور بأننا أكثر بروزًا وتأثيرًا في المجتمع منهم. وهذا يقف على طرف النقيض من رغبتنا في دعم المجتمع والتعاون، التي كانت مسيطرة قبل عقدين من الزمان. حتى أطفالنا أصبحوا يتصورون أن عدد متابعيهم على وسائل التواصل الاجتماعي إنجاز يستحق الكفاح من أجله. ولكن من المثير للسخرية أنه كلما سعى الإنسان وراء تلك العوامل التي تحدد مكانته عبر الإنترنت –عدد المعجبين بآرائه وعدد مرات إعادة التغريد والمشاركة– زاد شعوره بانفصاله وانقطاعه عن الآخرين.

هل كانت لك شعبية في طفولتك؟

في الحقيقة لا، بل إذا وضعت في الاعتبار أن طولي كان 140 سم في السنة العاشرة في المدرسة، وكان سجل الحضور الخاص بي مثاليًّا منذ الحضانة، فيمكنك القول إني كنت الصورة المثالية للطالب المجتهد الذي يسخر منه الآخرون! فإذا كنا ننظر إلى الشعبية باعتبار أنها "المكانة البارزة"، فالإجابة هي: لا، لم تكن لي شعبية على الإطلاق.

ولكن أعتقد أنني كنت محبوبًا، وقد اتضح أن هذا الأمر أكثر أهمية.

كيف هذا؟ وكيف ساعد ذلك على تشكيل حياتك؟

أظهرت الدراسات أن الأشخاص المحبوبين تتاح لهم مميزات تساعد على تعزيز تلك السمة واستمرارها. ففي مرحلة الطفولة، يتلقى الأطفال المحبوبون دعوات من الآخرين للانضمام إليهم أكثر من غيرهم، وكلٌّ من هذه التفاعلات يقدم فرصة إضافية لاكتساب المزيد من المهارات التي لن تتوفر الفرصة لاكتسابها لأقرانهم غير المحبوبين والمستبعدين. وبمرور الوقت، يؤدي اكتساب تلك المهارات إلى المزيد من إعجاب الآخرين، ومن ثم المزيد من فرص التعلم واكتساب المزيد من المهارات، وهكذا، مما يخلق دائرة تؤدي إلى جعل الأشخاص المحبوبين ليس فقط يتمتعون بسمعة إيجابية أكثر، ولكن أيضًا لديهم مهارات وكفاءات متقدمة.

والأمر نفسه ينطبق على الكبار، فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك شخصان متساويان تمامًا في الكفاءة، فستفترق بهما السبل في حياتهما المهنية إذا كان أحدهما محبوبًا أكثر من الآخر؛ ليس فقط بسبب المحاباة، ولكن لأن الشخص المحبوب أكثر سيصبح أفضل في الواقع.

لقد كنت سعيد الحظ، فقد ساعدني حس فكاهة جيد حول اختلافي الجسدي في مرحلة المراهقة على تجنُّب معظم مواقف التنمر القميئة، وتكوين صداقات مع أقراني وجهتني إلى اتخاذ قرارات أفضل، وفتحت لي آفاق فرص جديدة. لم أكن فتى مميزًا وجذابًا، ولكني كنت قادرًا على المشاركة في أي سياق أحتاج إليه، وتعلُّم مهارات ما زلت أستخدمها حتى يومنا هذا.

هل هناك طريق لإقناع الآخرين بالتحول من السعي وراء المكانة الاجتماعية البارزة إلى النوع الثاني من الشعبية القائم على حب الآخرين؟

أتمنى أن يقدم هذا الكتاب للآخرين الفرصة لتفهُّم أننا جميعًا لدينا غريزة بشرية للسعي وراء الشعبية. ربما تبدو هذه ميولًا شابة تعكس تلك الفترة من حياتنا التي كانت فيها الشعبية أمرًا بالغ الأهمية، غير أن هناك دليلًا بارزًا على أن الشعبية لا تزال لها أهمية كبيرة اليوم، كما أنها توجه سلوكياتنا ورغباتنا كما كانت تفعل آنذاك. إن توقنا للتمتُّع بشعبية بين الآخرين أمر يكمن حرفيًّا في الحمض النووي البشري.

ولكن في كبرنا، على أية حال، تكون لدينا الفرصة لاختيار نوع الشعبية الذي نسعى وراءه. وبالنسبة للبعض، فإن قراءة الكتاب وإدراك النتائج المختلفة المرتبطة بالشعبية القائمة على حب الآخرين في مقابل المكانة البارزة تقدم فرصة كافية للتفكير في السلوكيات السابقة والتفكير في الغرائز بأسلوب نقدي أكثر. وبمجرد أن يدرك الناس مدى وضوح العلاقة التي أثبتها العلم بين المكانة الاجتماعية البارزة والنتائج السلبية، قد يصبح إقناعهم بالعودة للتركيز على حب الآخرين سهلًا. ولكن بالنسبة للبعض الآخر، ربما يحتاج الأمر إلى أكثر من هذا. ودون أن نعرف آنذاك مَن كان سيفوز في الانتخابات الأمريكية في شهر نوفمبر، فإن الكتاب يبدو الآن وكأنه يقدم رسالة تنبئية للرئيس؛ ربما التصوير الأمثل للتوق الذي لا يشبع للمكانة البارزة التي أصبحت تشتت الانتباه وغير مُرضية، بل وربما خطيرة.