لماذا نتوق إلى متعة التذوق الجارفة التي يولدها تناول السكريات والحلويات؟ كما أن حلقات التغذية الراجعة العصبية والمتع الحسية والعوامل البيئية المختلفة، مثل عدم الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، تزيد من رغبتنا في الاستمتاع بتدفق السكر في عروقنا. لكن ثمة بحثًا جديدًا يشير إلى أن بعض الأشخاص ربما تكون لديهم نزعة جينية للتوق إلى السكريات أكثر من غيرهم.

عمل فريق دولي على فحص جينات أكثر من 6500 شخص من الدنمارك يشاركون في دراسة صحية ضخمة حول أمراض القلب. وقد توصل الفريق البحثي إلى أن الأشخاص الذين لديهم أحد متغيرَين محدَّدَين من جين FGF21 كانوا أكثر ميلًا بنسبة 20% تقريبًا للاستمتاع بالأطعمة السكرية والبحث عنها باستمرار. ويقول ماثيو جيلوم -المؤلف الرئيس المشارك في الدراسة، والباحث المتخصص في أبحاث الأيض بمركز مؤسسة نوفو نورديسك لأبحاث الأيض الأساسية، التابع لجامعة كوبنهاجن-: "هذه الدراسة تمنحنا لمحة عن الأساس الجزيئي للحب الشديد للسكريات– هذا على الأرجح هو جوهر الدراسة بالنسبة لي: لماذا، على المستوى البيولوجي، يكون لدى البعض حب شديد للسكريات؟"، وقد نُشرت النتائج في دورية "سيل ميتابوليزم" Cell Metabolism في عدد شهر مايو 2017.

إن جين FGF21 هو المسؤول عن إعطاء تعليمات تصنيع الهرمون الذي يحمل نفس الاسم المرتبط بتنظيم الطعام لدى القوارض والرئيسيات غير البشرية. غير أن هذا البحث الجديد يشير إلى أن ذلك الجين ربما يضبط الشهية تجاه بعض الأشياء لدى البشر أيضًا، والأهم من ذلك، أن البحث يشير أيضًا إلى أن الكبد -العضو المسؤول عن إفراز هرمون FGF21 والتحكم في مقاومة الإنسولين- ربما يؤدي دورًا أكبر في التحكم في الوجبات الخفيفة أكثر مما كان يُعرف عنه في الماضي؛ إذ إنه ينتج هذا الهرمون ويتواصل مع الدماغ.

وللتحقق من وجود علاقة محتملة بين جين FGF21 وتفضيلات محددة في الطعام، عمل الباحثون على فحص تقارير آلاف المتطوعين الخاصة بتفضيلاتهم الغذائية وتمحيصها، إلى جانب نتائج فحوصات الكوليسترول وتحليل السكر في الدم. توصل الفريق أيضًا إلى النمط الجيني لجينات FGF21 لدى المشاركين في الدراسة، وتوصلوا إلى أن المشاركين الذين كان لديهم تفضيلات أكبر للأطعمة السكرية ويستهلكون نسبة أكبر منها لديهم على الأرجح متغير من المتغيرَين المحددين لهذا الجين. كما رُبط بين أليلات FGF21 نفسها -النسخ الجينية- وزيادة استهلاك المواد الأخرى المثيرة للمشكلات الصحية؛ إذ وجد الباحثون رابطًا إضافيًّا ولكن أضعف بين هذين المتغيرين الجينيين وزيادة أكبر في استهلاك المشروبات الكحولية والتدخين بصورة يومية.

ولا يحدد البحث بالضبط المسار العصبي العامل لتفسير هذه العلاقات المثيرة، لكن يقول ديفيد لودفيج -الأستاذ المتخصص في التغذية والسمنة بمستشفى بوسطن للأطفال، والذي لم يشارك في الدراسة الجديدة-: إنه ثمة منطقة دماغية يُطلَق عليها "النواة المتكئة" تُعَد على نطاق واسع مهد الشعور بالتوق إلى تناوُل شيء معين والمكافأة والإدمان، ومن المحتمل أن التوق لتناول السكريات وكذلك الرغبة الشديدة في تناول تلك المواد الأخرى ربما يجتمعان في هذه المنطقة. وعلى أية حال، نظرًا لأن البحث الذي نُشر في دورية "سيل ميتابوليزم" قائم على الملحوظات بشكل أساسي، فإن العلاقة بين جين FGF21 وحب السكريات "أقرب إلى أن تكون علاقة تؤدي إلى وضع فرضيات أكثر من كونها علاقة حاسمة"، على حد تعبير لودفيج، إذ يرى أنه من المستحيل معرفة ما إذا كان أولئك المشاركون في الدراسة ممن لديهم أو ليس لديهم تلك المتغيرات الجينية قد يكونون مختلفين في أشياء أخرى شديدة الأهمية.

على الرغم من أن خبراء التغذية قد حددوا سابقًا عوامل داخلية تساعد على التحكم في اشتهاء الطعام، فإن بعض العناصر التي تتوسط في هذه العملية وترسل إشارات حول التشبع من السكروز ظلت غامضة. ويعتقد جيلوم الآن أن هرمون FGF21، على غرار اللبتين، وهو هرمون آخر مسؤول عن تنظيم الشهية، ربما يعمل على كبت الاستجابة العصبية للمكافآت، من حيث الرغبة في السعي للحصول عليها واستهلاكها. فيقول جيلوم: "لا نزال نحاول التوصل إلى السبب الذي دفع الكبد إلى تطوير آلية لعمل هذا، غير أننا نضع افتراضات تقول بأن الهدف قد يكون الحد من الاستهلاك المفرط للسكريات، سواء لتعزيز التنوع الغذائي أو للحول دون التعرُّض للآثار المثيرة لمشكلات الإفراط في تناول السكريات".

ثمة العديد من الأسئلة التي لا تزال تحتاج إلى إجابات في هذه الدراسة، على سبيل المثال: لماذا كان مؤشر كتلة جسم الأشخاص الذين لديهم هذا المتغير الجيني ويستهلكون كميات أكبر من السكريات أقل من أقرانهم ممن لم يكن لديهم ذلك المتغير؛ وهذه نتيجة مثيرة للدهشة نظرًا للعلاقة الراسخة بين الإفراط في تناول السكريات والسمنة. ويقول لودفيج: "إن استكشاف ما إذا كانت هناك حتمية جينية تؤدي دورًا في التفضيلات الغذائية لدى البشر يمكن أن يساعدنا على فهم الفئات التي قد تكون معرضة للخطر بصورة خاصة".

في المرحلة التالية يأمل جيلوم إجراء المزيد من الدراسات الوراثية حول آثار هذه المتغيرات على وزن الجسم والإصابة بداء السكري من النوع الثاني، وغيرها من الأمور. ويقول: "في الفئران التي لديها عجز في هرمون FGF21، ما لَحَظناه أنها تتناول ضعف كمية السكروز التي تتناولها الفئران التي لا تعاني قصورًا في هذا الهرمون. إننا نحتاج إلى دراسة أشخاص يعانون نقصًا تامًّا في هرمون FGF21 ونرى ما إذا كانوا يعانون شرهًا في تناول السكريات أو تناول المشروبات الكحولية".