في مارس الماضي نشرت دورية "ذا لانسيت" مقالًا تضمَّن نتائج نموذج إحصائي للتنبؤ بعدد حالات المصابين بمرض كورونا المستجد في مصر من خلال عدد الحالات المؤكدة بين السياح المغادرين للأراضي المصرية، مشيرًا إلى أن عدد المصابين بالمرض في مصر يتجاوز 19 ألف مصاب على أقل تقدير و52 ألف مصاب على أعلى تقدير، ما أثار كثيرًا من الجدل داخل الأوساط الصحية والرسمية في مصر.

حالة الجدل تلك دفعت أحمد نجيدة -الطبيب المصري والباحث في جامعة بوتسمورت البريطانية- لنشر مقال تحليلي في الدورية ذاتها، انتقد خلاله ما وصفه بـ"العديد من الأخطاء التي تضمَّنها النموذج الرياضي الذي اعتمد عليه الباحث "إسحاق باجوش" في تعليقه الإحصائي المنشور في مارس الماضي.

عمل"نجيدة" على مراجعة فرضيات النموذج الأصلي لـ"فرازر" -نموذج نشرته دورية "ساينس" عام 2009 عن انتشار فيروس إنفلونزا الطيور في المكسيك- والتي استند إليها "باجوش"، موضحًا وجود "قصور وأخطاء في تطبيق تلك الفرضيات على مصر".

يعمل "نجيدة" محررًا لعدة مجلات طبية، ويقدم استشارات بحثية ونقدية للأبحاث العلمية، ما ساعده على سرعة تحليل البيانات التي اعتمد عليها ذلك النموذج الرياضي، ومحاولة التحقق منها.

يقول "نجيدة" في مقابلة هاتفية أجرتها معه مجلة "للعلم": استخدم "باجوش" بيانات من منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة حول متوسط زمن إقامة السياح في مصر، وقدره بـ11.6 يومًا، وتناول الحالات المؤكدة للسياح من أربع دول فقط، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وفرنسا، وتايوان.

أراد "نجيدة" التحقق من تلك البيانات، وعند مراسلته لمنظمة السياحة العالمية وجد أن هذه البيانات تعود إلى عام 2018، وهي تمثل متوسط أعداد السياح طوال العام وفي جميع مدن مصر ومن جميع الجنسيات، وأنها تشمل أيضًا السياحة الداخلية للمواطنين المصريين، كما أن هذا الرقم كان في تفاوت ملحوظ في السنوات الأخيرة؛ نظرًا للتغيرات السريعة التي تشهدها مصر على الأصعدة السياسية والاقتصادية والسياحية، ما يجعل استخدام هذه البيانات إجراءً غير دقيق، وفق قوله.

يضيف "نجيدة": هذه البيانات لا تُعبر عن السياحة في شهر فبراير 2020، كما افترض النموذج أيضًا أن المصريين والسياح -من الجنسيات المختلفة- لديهم القابلية نفسها للإصابة بالفيروس، دون مراعاة الخصائص الديموجرافية للمجتمع المصري، التي تختلف عن الدول الأربع السابق ذكرها.

يشير المقال إلى أن "الدول الأربع التي تناولها "باجوش" تتَّسم بارتفاع نسبة المسنين، بخلاف مصر التي تتَّسم بانخفاض نسبة الشرائح العمرية فوق الستين عامًا"، مشددًا على أن "فيروس كورونا المستجد أكثر انتشارًا بين كبار السن، ما قد يجعل الشعب المصري أقل عرضةً لخطر الإصابة بفيروس كورونا المستجد مقارنةً بتلك الدول، وبالتالي من الخطأ تعميم درجة الخطورة على السياح والمصريين.

يضيف "نجيدة": عمل "باجوش" على دراسة انتشار المرض في الفترة من 6 فبراير وحتى 6 مارس من عام 2020، وفي يوم 6 فبراير كانت الدول الأربع قد أعلنت بالفعل عن وجود 36 حالة إصابة مؤكدة بالفيروس، ما يعني أنه لا يمكننا استبعاد إصابة تلك الحالات بالفعل قبل دخولها إلى مصر، وقد تكون هي التي أدخلت العدوى إلى مصر وليس العكس، وبناءًعلى تلك النقاط النقدية، فإن النموذج الرياضي الذي اعتمد عليه "باجوش" غير صحيح علميًّا وإحصائيًّا، وغير مناسب لتقدير حجم انتشار فيروس كورونا المستجد في مصر، وهذا النوع من الأخطاء وارد وشائع في الدراسات التي تعتمد على النماذج الرياضية.

يرفض "نجيدة" نظريات المؤامرة التي طالت حديث البعض عن مقال "باجوش"، كما يرفض التقليل من شأن هذا المقال، قائلًا: نشر فريق "باجوش" نماذج مماثلة عن دول أخرى وليس مصر فقط، والبحث العلمي يحتمل الصواب والخطأ، والخطأ نشأ من طريقة تناوُل الإعلام لنتائج النموذج بصورة خضعت لأهواء سياسية.

وتابع: لا يجب أن نلتفت إلى نظريات المؤامرة، وعلينا تركيز جهودنا على دعم البحث العلمي والباحثين، وإتاحة البيانات الطبية الخاصة بالمرضى المصريين لتحليلها ودراستها لفهم طبيعة انتشار المرض في مصر وتحديد عوامل الخطورة؛ إذ تجاوزت الحالات في مصر خمسة آلاف حالة، كما نحتاج إلى تسهيل إجراء التجارب السريرية في مصر.

ويشدد "نجيدة" في الوقت ذاته على ضرورة الاهتمام بذلك النوع من النماذج، التي تسهم في فهم الأوبئة ووضع سياسات الصحة العامة واتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة، التي قد تحتاج إليها مصر باعتبارها دولة نامية رُبما لا تتوافر لديها سُبُل محاربة الأوبئة والجوائح، على حد وصفه.

ويضيف: أنا جزء من مجموعة بحثية مكونة من باحثين داخل مصر وخارجها، وقمنا بنشر أكثر من 50 بحثًا خلال خمسة الأعوام الأخيرة، وحاليًّا لدينا مجموعة بحثية مخصصة لدراسة فيروس كورونا، ولدينا أكثر من 20 مشروعًا بحثيًّا نعمل عليها، وحصل أحد أعضاء المجموعة على تمويل من الحكومة المصرية للعمل على بعض الأدوية والتعرُّف على مدى فاعليتها تجاه فيروس كورونا المستجد من خلال بعض الدراسات التنبُّئية باستخدام الحاسب الآلي، واقترح فريقنا 4 أدوية تركيبها الكيميائي يجعلها مؤهلةً لتثبيط الفيروس، وهي تحت المراجعة من قِبَل مجلات علمية مُحكمة.