يمكن لقرابة مليار هكتار من الغابات (0.9 مليار)، أي ما يعادل أكثر من 500 مليار شجرة، وزيادة أكبر من 25٪ في مساحة الغابات، أن تزيل ثلثي الملوثات الكربونية التي تسببت الأنشطة البشرية في انبعاثها في الغلاف الجوي لكوكب الأرض منذ بدايات القرن التاسع عشر، وفق نتائج دراسة حديثة نُشرت مؤخرًا في مجلة "ساينس أدفانسز".

ويمكن لهذه الغابات الجديدة أن تخزن ما مقداره 205 جيجا طن (الجيجا طن تكافئ مليار طن متري) من الكربون. مثل هذا التغيير من شأنه أن يخفض تجمع الكربون في الغلاف الجوي بنحو 25٪.

وتُظهر الدراسة التي أعدها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا أن زراعة المليارات من الأشجار في جميع أنحاء العالم تُعد أفضل وأرخص وسيلة لمعالجة أزمة تغير المناخ، خاصة وأن تحقيق ذلك لن يأتي على حساب الأراضي الزراعية أو المناطق الحضرية.

ويقول "توماس كراوثر" -من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، والباحث المشارك في الدراسة-: إن الدراسة هي الأولى من نوعها التي تربط القياسات المباشرة لعدد الأشجار بالخصائص البيئية، عبر إيراد تقديرات عالمية كميّة واضحة من الناحية المكانية للغطاء الشجري المتوقع.

استعان الفريق البحثي بالبيانات العالمية المتعلقة بطبيعة التربة والمناخ، إضافةً إلى صور الأقمار الصناعية، خاصةً تلك التي يوفرها برنامج الخرائط المجاني "جوجل إيرث".

وحلل الباحثون الغطاء الشجري في مناطق الغابات المحمية التي لم تتأثر كثيرًا بالنشاط البشري، من منطقة التندرا في القطب الشمالي إلى مناطق الغابات الاستوائية المطيرة في الجنوب. كما حللوا ما يقرب من 80000 صورة من صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، ونماذج مناخية، لتحديد كمية الأشجار الملائمة لكل نظام بيئي من خلال دراسة خصائص التربة والمناخ. 

خريطة التشجير 

يرى "كراوثر" أنه "يمكن أن تجري عملية زراعة الأشجار على نحو فعال في جميع أنحاء العالم"، وفق قوله، مضيفًا في تصريح لـ"للعلم": إن أوفر المناطق حظًّا فيما يتعلق بالتقاط الكربون هي المناطق المدارية؛ فمعظمها مغطى بالغابات.

ووفق الدراسة، فإن هناك ستة مواقع كبرى تشكل وحدها نصف المواقع المقترحة لزراعة الغابات بنسب متفاوتة وفق حجم كل دولة وظروفها المناخية ونوعية التربة. وتُعَد روسيا واحدةً من أكثر دول العالم ملاءمةً لتطبيق الدراسة الحالية، حيث يمكن زراعة 151 مليون هكتار من الأشجار فيها، تليها الولايات المتحدة حيث يمكن زراعة 103 ملايين هكتار من الأشجار، ثم تأتي كندا التى يمكنها زراعة 78.4 مليون هكتار، وأستراليا حيث يمكن زراعة 58 مليون هكتار، فالبرازيل حيث يمكن زراعة 49.7 مليون هكتار، وأخيرًا الصين حيث يمكن زراعة 40.2 مليون هكتار من الأشجار.

إسراف في التوقعات

وتحذر الدراسة الجديدة من أن بعض النماذج المناخية أسرفت في توقُّع حدوث تأثير إيجابي لتغيُّر المناخ عبر زيادة الغطاء العالمي من الأشجار، وبينما يحتمل أن تكون هناك زيادة في مساحة الغابات القطبية الشمالية في المناطق الساحلية مثل سيبيريا، فإن متوسط الغطاء الشجري هناك يتراوح بين 30 إلى 40% فقط. ووفق الدراسة فإن هذا مكسب ضئيل جدًّا إذا ما قورن بالخسائر في الغطاء الشجري التي ستتكبدها الغابات الاستوائية الكثيفة، والتي عادةً ما تتراوح كثافة الغطاء الشجري فيها بين 90 إلى 100٪.

ويحذر الباحثون من أن زيادة الاحترار العالمي يمكن أن تخفض المساحة المتاحة لاستعادة الغابات بمقدار الخُمس بحلول عام 2050.

جدير بالذكر أنه مع بداية عام 2011، أُطلق "تحدي بون" The Bonn Challenge الذي انضمت إليه 48 دولة، بهدف زراعة 350 مليون هكتار من الغابات بحلول عام 2030، وبالفعل نجح هذا التحدي في استعادة 150 مليون هكتار من تلك الأراضي المتدهورة، بحلول عام 2020. لكن الفريق البحثي في الدراسة الحالية وجد أن أكثر من 43٪ من هذه الدول التزمت باستعادة أقل من نصف المساحة المناسبة لزراعة الغابات، في حين أن 10٪ تعهدوا ببذل الجهد لاستعادة مساحات أكبر من الأراضي المناسبة لنمو الغابات.

وتشير دراسة نشرتها مجلة "نيتشر ساستينابيليتي" في فبراير الماضي إلى أن الصين والهند يتصدران العالم في تخضير الأرض، إذ يستوعب البلدان ثلث الغابات الجديدة وأراضي المحاصيل وأنواع النباتات الأخرى التي تم رصدها على مستوى العالم منذ عام 2000. ووفق الدراسة، فإن الصين وحدها تستأثر بربع المساحة الخضراء الناتجة عن النشاط البشري عالميًّا، رغم احتوائها على 6.3٪ فقط من مساحة اليابسة في العالم. وجدت الدراسة أن 42٪ من المناطق الخضراء في الصين يأتي من توسع الغابات، في حين يأتي 32٪ من الأراضي الزراعية. أما في الهند، فيأتي 82٪ من المناطق الخضراء من أراضٍ زراعية جديدة.

إستراتيجيات بديلة

قدر باحثو الدراسة الجديدة أنه يمكن لتربة الأرض أن تدعم 4.4 مليارات هكتار من الغطاء الشجري في ظل الظروف المناخية الحالية، بزيادة قدرها 1.6 مليار شجرة عن العدد الموجود حاليًّا، والمقدر بـ2.8 مليار هكتار من الأشجار. ووفق الدراسة فإنه من الـ1.6 مليار هكتار، يمكن لـ0.9 مليار هكتار فقط (مساحة تفوق مساحة الولايات المتحدة) إزالة ثلثي ملوثات الكربون التي تَسبَّب الإنسان في انبعاثها في الغلاف الجوي للأرض منذ بداية القرن التاسع عشر.

وتشدد الدراسة على أن زراعة الغابات لن تؤدي فقط إلى إزالة الكربون، ولكنها توفر أيضًا مجموعة من الفوائد الإضافية، التي تتضمن دعم التنوع البيولوجي، وتحسين جودة المياه، وتقليل عمليات النحت التي تعني تآكل السواحل بسبب غزو مياه البحر للأرض.

وفي إجابته عن سؤال حول فرص استغلال هذه الزيادة في سد الفجوة الغذائية التى يعاني منها سكان الأرض في الوقت الحالي، يشير "كراوثر" إلى أن زراعة المحاصيل داخل حدود منطقة الغابات المقترحة لم تدخل ضمن حسابات الدراسة. ويتوقع "كراوثر" أن تبلغ زراعة الشجرة الواحدة حوالي 0.30 دولار أمريكي، ما يعني أن تكلفة المقترح قد تصل إلى 300 مليار دولار أمريكي تقريبًا، وهو رقم لا يعتبره "كراوثر" كبيرًا. 

ويشير الباحث الرئيسي في الدراسة إلى أن زراعة هذا العدد الكبير من الأشجار ستستغرق عقودًا حتى تكبر الغابات الجديدة وتحقق المرجوّ منها، لذلك يجب مواصلة الحلول الأخرى لمكافحة تغير المناخ، وحماية الأشجار الحالية. 

ومن جانبه، يقول "جويري روجيلج"، الأستاذ بمعهد دراسات المناخ والغلاف الجوي بجامعة زيورخ السويسرية: إنه من الضروري خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الصفر، وإن هناك العديد من الطرق لتحقيق هذا الهدف. ويضيف -وفق تصريح سابق لـ"للعلم"-: إن إحدى أهم هذه الطرق، هي إحلال بدائل أكثر نظافةً من الطاقات المتجددة -مثل طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة النووية- محل البنية التحتية التي تسبب الانبعاثات، كمحطات الطاقة التي تعمل بالفحم، أو الجمع بينهما وفق ما يسمى بتكنولوجيات الانبعاثات السلبية.

التحديات الاقتصادية والاجتماعية

ولكن ماذا عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التى قد تعرقل هذا التوجه؟ توضح "روبن تشازدون"، عالِمة البيئة في "جامعة كونيتيكت" -التي لم تشارك في الدراسة- في تصريح لـ"للعلم": إن الدراسة سليمة من الناحية العلمية، ولكنها تُظهر فقط الإمكانات البيولوجية القصوى لنمو الأشجار في الغابات حول العالم، وليس بالضرورة أن تنمو الغابات في جميع الأماكن التي يكون فيها ذلك ممكنًا بيولوجيًّا، فهناك العديد من الأمور الاجتماعية والاقتصادية التي يجب أخذها في الاعتبار.

وتؤكد "تشازدون" أهمية موضوع الدراسة، فتشير إلى أن "استعادة الغابات من الحلول المهمة للتخفيف من آثار تغيُّر المناخ، وتقليل مخاطر انقراض العديد من الأنواع، وتقليل العجز المائي. كما تحتاج الأشجار المناسبة إلى النمو في المكان المناسب بالطريقة الصحيحة، بدعم من السكان المحليين". وترى الباحثة أن استعادة الغابات تستغرق وقتًا طويلًا، وأنها ليست حلًّا سريعًا لمواجهة التغيرات المناخية.

ويتفق "بيدرو برانسيليون" -الأستاذ في علوم الغابات في جامعة "ساو باولو" والباحث غير المشارك في الدراسة- مع رأي زميلته "تشازدون" فيما يتعلق بطول المدى الزمني الذي تستغرقه عملية استعادة الغابات. ويقول في تصريح لـ"للعلم" إنه يعتقد أن "المنهجية المستخدمة في الدراسة جديدة تمامًا، ولكنها بسيطة، وتعطي مساهمة قيِّمة لفهم التوزيع الحالي والمحتمل للأشجار على الأرض".

ويضيف "برانسيليون" أن استعادة الغابات هي نشاط بشري في الأساس، لا يرتبط فقط بالخصائص الطبيعية والحيوية، بل يرتبط أيضًا بالخصائص الاجتماعية والاقتصادية. وبالتالي، فإن "الدراسة مهمة للغاية لمحاكاة غطاء الأشجار وتأثيرات تغير المناخ، ولكن ينبغي أن تعالج العوامل الاجتماعية والاقتصادية من أجل توفير منظور واقعي لاستعادة الغابات".