انتظرتُ بشغف -كحال الكثيرين- بداية الألعاب الأوليمبية والتي تقام هذا العام في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، وبدأت بمتابعة رياضاتي المفضلة وهي السباحة والجمباز. لفت انتباهي علامات حمراء دائرية على أجساد بعض اللاعبين، أبرزها كانت للسباح الأمريكي الشهير مايكل فيليبس، أثارت تلك العلامات فضولي، فبدأت البحث على شبكة الإنترنت لمعرفة سببها، وما كان إلا أن وجدت عشرات المقالات التى تتحدث عن استخدام متسابقي ريو للحجامة علاجًا لآلام العضلات التي تنتابهم بسبب التدريب القاسي لساعات طويلة يوميًّا.

والحجامة هي طريقة علاج قديمة في الطب الصيني التقليدي ظهرت منذ أكثر من ألفي عام، وقد لاقت استحسانًا كبيرًا بين لاعبي ريو، إذ أدلى بعضهم بتصريحات للصحافة العالمية تفيد بأن جلسات الحجامة أفضل من أي شيء آخر اختبروه سابقًا.  

"لكن التاريخ الطويل لطريقة العلاج هذه أمر لا يثبت شيئًا على الإطلاق"، هكذا بدأ إدزارد إرنست، أستاذ فخري في الطب التكميلي بجامعة إكستر البريطانية، حديثه مع مجلة "للعلم" معلقًا على الحجامة، واستطرد قائلًا: "ما نحتاجه هو تجارب علمية تتسم بالدقة تختبر فاعلية الحجامة، وإن جاءت النتائج مشجعة، فقد نبدأ في البحث عن طريقة عمل هذا العلاج".

وتُعَد الحجامة نوعًا من أنواع الطب البديل، من خلاله يتم وضع كؤوس زجاجية خاصة على المنطقة المراد علاجها، ثم يبدأ المعالج بتفريغ الهواء الموجود بالكأس عن طريق التسخين أو بواسطة جهاز سحب، مما ينتج عنه شفط للجلد الموجود تحت الكأس، وتكسُّر الشعيرات الدموية الموجودة به مخلفةً كدمات حمراء، ويُعرف هذا النوع بالحجامة الجافة. وهناك نوع آخر من الحجامة وهو الحجامة الرطبة، والتي تتضمن إحداث جروح في موقع الحجامة وإخراج الدم من خلالها.

فوائد وقائية

ويعتقد البعض أن الحجامة فعالة في علاج العديد من الحالات المرضية، مثل الصداع ونزلات البرد والسعال، وآلام الظهر والعضلات، وضعف الدورة الدموية، وآلام المفاصل.

وتضيف صهباء بندق -أخصائي الطب الطبيعي والأمراض الروماتيزمية والمناعة-: "للحجامة فوائد وقائية تفوق أهميتها كوسيلة علاجية؛ فاستخدام الحجامة -خاصة الحجامة الرطبة- يمكن أن يساعد في إزالة السموم من الجسم وتحفيز تدفق الدم النقي المحمل بالخلايا المناعية وخلايا الدم الليمفاوية الحمراء المحملة بالأكسجين، حيث تعمل على تنشيطها وتوزيعها في جميع أنحاء الجسم".

وعن الحجامة الجافة، يوضح د. مراد عاصم -استشاري العلاج الطبيعي والطب الرياضي- أنها تؤدي دورًا يشبه التدليك، حيث تضيف ضغطًا ميكانيكيًّا في أثناء عملية تفريغ الهواء للمناطق المصابة، مما يحفز الدورة الدموية في تلك المناطق. ويضيف عاصم: كما أن الكدمات التي تخلفها الحجامة، يراها الجسم على أنها إصابة، فترسل إشارات إلى المخ ليعطي الأمر بضخ كمية أكبر من الدم المحمل بالغذاء والأوكسجين إلى مكان الإصابة؛ لتسريع عملية الشفاء.

 

القابلية للتوهم

من جهته، يرى إرنست أن التأثير الوحيد للحجامة، هو تأثير وهمي ونفسي فقط لا غير. وعن اتجاه لاعبي الأوليمبياد في ريو للحجامة علق قائلًا: "إن الرياضيين لديهم قابلية شديدة لتقبُّل الوهم"؛ وذلك لاحتياجهم إلى ما يدفعهم إلى بذل أقصى جهدهم خلال الألعاب الأوليمبية، لذا نجدهم مستعدين لتجربة أي شيء "قد" يعطيهم تلك الدفعة.

وأكدت بندق أنه من الصعب تقييم التأثير الوهمي للحجامة علميًّا، نظرًا لأنه ليس من السهل إجراء حجامة لشخص دون أن يشعر أنه يجري حجامة، كما يحدث عند إعطاء مريض قرص دواء وهمي لتقييم تأثيره على الدواء الفعلي.

واستطردت قائلة: "مؤخرًا بدأ بعض الباحثين في ألمانيا وكوريا الجنوبية، بتصميم جهاز يقلد تأثير الحجامة، بحيث يمكن إخضاع مجموعة من المشاركين في الدراسة للمعالجة بهذا الجهاز، ومجموعة أخرى تخضع للمعالجة بالحجامة،" مما قد يساعد في إزلة التأثير النفسي للحجامة كعامل مؤثر سلبًا في الدراسات العلمية.

وأوضحت بندق أن بعض الدراسات تناولت تأثير الحجامة على أجسام بعض الحيوانات مثل الخيول والكلاب؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك تأثير نفسي انفعالي لدى هذه الحيوانات تجاه الحجامة.

علم زائف      

اعتبر إرنست الحجامة نوعًا من العلم الزائف، إذ إن معظم الدراسات التي تبحث في تأثير الحجامة ضعيفة للغاية ومتواضعة الجودة، ويغلب عليها التحيُّز لفكرة إثبات التأثير الإيجابي للحجامة.

وعلى خلفية أن الغالبية العظمى من الدراسات العلمية التي تمت على الحجامة تنبع من الصين علق إرنست قائلًا: "إن الباحثين الصينيين غالبًا ما يمتنعون عن نشر نتائج سلبية عندما يتعلق الأمر بالطب التكميلي التقليدي"، وأضاف: أعتقد أن الأمر متعلق بثقافتهم.

وقام العديد من العلماء بعمل مراجعات منهجية، لتحليل الدراسات المبدئية عن تأثير الحجامة وتقييمها، إذ جمعوا الدراسات السابقة حول الحجامة من مصادر متعددة، ثم قاموا بعملية تحليل نقدي لكل الدراسات والأوراق البحثية التي تم جمعها للوصول إلى إجابات محايدة، وفقًا لمنهجية البحث العلمي وقواعد الطب المبني على الدليل.

اشترك إرنست في كتابة إحدى هذه الدراسات عام 2011 تحت عنوان "هل الحجامة علاج فعال؟ نظرة عامة على مراجعات منهجية"، وخلصت إلى أنه بالرغم من أن معظم المراجعات ذات جودة عالية ولكنها مبنية على عدد قليل من التجارب السريرية التي تشوبها شبهة الانحياز، وفق قوله. وأوضح أن بعض المراجعات المنهجية أظهرت التأثير الإيجابي عند استخدام الحجامة للتغلب على الألم في العديد من الحالات المرضية، ولكن معظم تلك المراجعات مبني على دراسات مبدئية "متواضعة الجودة"، مما يضع تلك النتائج محل الشك.

ودافعت بندق عن الحجامة من المنظور العلمي، موضحة أن هناك العديد من تلك الدراسات المنهجية تثبت فاعلية الحجامة، قائلة: "المشككون يكتفون بالهجوم والإنكار بغير علم، ويفضلون التشهير والتسخيف من شأن الحجامة على الموضوعية والنقد العلمي، وهكذا يرتد سهم الاتهام بعدم الموضوعية والحياد العلمي إلى صدورهم من خلال تلك الدراسات المرجعية"، وفق تعبيرها.

ولكن أحدث المراجعات المنهجية -والتي نُشرت في عام 2015- أكدت ما جاء بدراسة أرنست، وجاءت تحت عنوان "نظرة عامة على المراجعات المنهجية للدليل السريري للعلاج بالحجامة" والذي أكد أن الحجامة قد تفيد في علاج الألم ولكن لا يوجد تأكيد قاطع؛ وذلك لعدم كفاية المراجعات المتاحة وعدم جودة الدراسات الأصلية.

أنهى إرنست حديثه قائلا: "كخبير بالعلاج التكميلي لا أوصي باستخدام الحجامة كعلاج، فهناك العديد من الطرق العلاجية الأفضل والمدعمة بأدلة علمية".