كشفت دراسة أمريكية حديثة أن التدخين بشكل يومي وتناول الكحوليات من أسباب تقدُّم العمر النسبي للدماغ، وهو ما يترتب عليه ظهور علامات "الشيخوخة" لدى هذه الفئة، مقارنةً بغيرهم ممن يدخنون بصورة غير يومية، أو أولئك الذين لا يدخنون مطلقًا.

وأشارت الدراسة التي نشرتها دورية نيتشر Nature إلى أن "عملية فهم شيخوخة الدماغ أمر شديد الأهمية؛ إذ من المتوقع أن يبلغ عدد الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية -على سبيل المثال- 80 مليونًا بحلول عام 2050، وترتبط عملية شيخوخة الدماغ بالعديد من التغيرات الهيكلية، وانخفاض الوظيفة الإدراكية، وزيادة خطر الإصابة بالخرف".

ويُعَد عمر الدماغ مقياسًا يحدد درجة شيخوخته بناءً على الخصائص التشريحية للدماغ بأكمله. وبالرغم من أنه جرى التحقق من وجود ارتباط بين مناطق الدماغ البشرية والعوامل البيئية أو الجينية، فإن كيفية ارتباط العمر المتوقع للدماغ بتلك العوامل يظل غير واضح حتى الآن، وفق الدراسة.

تشوهات مورفولوجية

يوضح الباحثون أن "بعض عادات نمط الحياة ترتبط باضطراب متسارع في مناطق معينة من الدماغ؛ فعلى سبيل المثال، يكون حجم المادة الرمادية -التي تُعد العنصر الرئيسي في الجهاز العصبي المركزي- أصغر بشكل ملحوظ لدى المدخنين مقارنةً بغير المدخنين، وتنخفض كثافتها في المناطق الأمامية والفص الصدغي مقارنةً بغير المدخنين، ويعاني المدخنون من معدل ضمور أكبر بكثير في المناطق التي تظهر فيها تشوهات مورفولوجية في المراحل المبكرة من الإصابة بمرض ألزهايمر، كما جرى الإبلاغ عن أن المرضى الذين يعانون من اضطراب شرب الكحوليات يُظهرون انخفاضًا في حجم المادة الرمادية في القشرية المخية".

ويُعرف اضطراب شرب الكحوليات بـ"العجز عن الحد من كمية المشروبات الكحولية التي يحتسيها الشخص، والشعور بالاشتهاء أو التوق الشديد إلى احتساء المشروبات الكحولية، والفشل في الوفاء بالتزامات العمل، أو المدرسة، أو المنزل بسبب تكرار مرات الاحتساء، والاستمرار في ذلك رغم تسبُّبه في مشكلات جسدية، أو اجتماعية، أو شخصية، ومن أعراضه الغثيان والتعرُّق والارتجاف في حالة عدم احتساء المشروبات الكحوليات".

استخدم الباحثون في الدراسة -التي أُجريت على 17.308 من الأشخاص، تتراوح أعمارهم بين 45 و81 عامًا، جرى تضمين بياناتهم في البنك الحيوي البريطاني- عدة طرق لتحديد العمر النسبي للدماغ، أهمها التصوير بالرنين المغناطيسي، ووجد الباحثون أن 11.651 من أفراد العينة الذين تم جمع معلومات عن عادات التدخين الخاصة بهم كانوا يدخنون في معظم الأيام أو كلها، مما أدى إلى زيادة العمر النسبي للدماغ لديهم، مقارنةً بأولئك الذين يدخنون بشكل أقل أو لا يدخنون على الإطلاق، وأن كل حزمة إضافية من التدخين تؤدي إلى زيادة مقدارها 0.03 سنوات في زيادة العمر النسبي للدماغ.

ويستخدم مصطلح "حزمة التدخين" لوصف عدد السجائر التي يدخنها الشخص مع مرور الوقت، وتقدر بتدخين الشخص 20 سيجارة يوميًّا على مدار العام.

أما فيما يتعلق بتناول الكحوليات، فقد وجدت الدراسة -بناء على فحص بيانات 11.600 من الأفراد الذين تم جمع معلومات حول تناولهم للخمور- أن العمر النسبي للمخ بالنسبة للأشخاص الذين يشربون الكحول في معظم الأيام أعلى من الذين تناولوا الكحوليات بشكل أقل، أو أولئك الذين لا يتناولون أي مشروبات كحولية على الإطلاق.

وقدرت الدراسة أن "استهلاك كل جرام إضافي من الكحوليات في اليوم يؤدي إلى زيادة مقدارها 0.02 في العمر النسبي للدماغ"، مشددةً على أن "الآثار الضارة للتدخين والشرب على عمر المخ قد تحدث بشكل أساسي لدى أولئك الذين يدخنون ويتناولون الخمور بشكل مكثف".

شيخوخة متسارعة

يقول آرثر دوبليو توجا، الأستاذ في مدرسة كيك للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا، والباحث الرئيسي في الدراسة: "ركزت الدراسة بشكل حصري على شيخوخة الدماغ، وليس الصحة العامة أو الشيخوخة العامة؛ فقد كانت هناك فرضيات تقول بأن الأشخاص الذين يدخنون أو يحتسون الكحوليات بصورة يومية سيواجهون شيخوخة متسارعة في الدماغ. ولكن لم يكن واضحًا مدى قوة هذه الفرضيات قبل تحليلاتنا".

وأضاف "توجا"، في تصريحات لـ"للعلم": قمنا بتصميم نموذج لمعرفة العمر النسبي للدماغ (RBA)، وكذلك العمر المتوقع للدماغ (PBA) لكل أفراد عينة البحث، وهو نموذج يعتمد على عمر دماغ كل فرد مقارنةً بأقرانه، استنادًا إلى القياسات التشريحية للدماغ بالكامل، بناءً على البيانات التي جرى الحصول عليها باستخدام عملية تصوير الدماغ، وأظهرت النتائج أن أعمار أدمغة الأشخاص الذين يدخنون بصورة يومية تزيد بمقدار 0.6 مقارنةً بأقرانهم، ومن المؤكد أن هذه المدة الزمنية من شيخوخة الدماغ المتسارعة أمر غير بدهي، وقد أكدت دراسات سابقة أن هناك عوامل أخرى قد تسبب شيخوخة الدماغ والتقدم النسبي في عمر الدماغ، لكننا وجدنا أن المداومة على التدخين واحتساء الكحوليات يؤديان دورًا مؤثرًا في شيخوخة الدماغ، ولكي نكون واضحين، هناك أنماط من الحياة بالإضافة إلى العوامل الوراثية قد تكون مرتبطة بشيخوخة الدماغ وتبقى قيد التحقيق".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول وجود أشخاص مدخنين بشراهة ومع ذلك يعيشون عمرًا أطول وتتأخر لديهم الشيخوخة مقارنةً بنظرائهم من المدخنين، أوضح "توجا" أن "الدراسة اقتصرت على عمر أدمغة المدخنين ومَن يشربون الكحوليات، دون التطرق إلى عمر الأشخاص".

نتائج مشابهة

تتفق نتائج الدراسة الجديدة مع دراسة نُشرت في عام 2018، وربطت بين شيخوخة الدماغ والتدخين واستهلاك الكحول والمتغيرات الجينية الفردية، مشيرةً إلى أن "التدخين واحتساء الكحوليات بصورة يومية -أو شبه يومية- يرتبط بشكل كبير بزيادة مقدارها 0.05 في عمر الدماغ، وأنه لا توجد اختلافات كبيرة في معدل التقدم النسبي في عمر المخ بين الأشخاص الذين يدخنون في بعض الأحيان، أو حاولوا مرةً واحدةً أو مرتين فقط، أو أولئك الدين امتنعوا عن التدخين مطلقًا".

كما أنهم لم يجدوا اختلافًا كبيرًا في عمر الدماغ بين الأشخاص الذين يتناولون الكحول ما بين مرة إلى ثلاثة مرات في الشهر، أو في المناسبات الخاصة فقط، وبين الذين امتنعوا عن تناول الكحول نهائيًّا، موضحةً أن "الأشخاص الذين يدخنون في معظم الأيام أو جميعها ولم يمتنعوا عن تعاطي الكحول، زاد معدل العمر النسبي للمخ لديهم بمقدار 0.021 عامًا لكل حزمة إضافية من التدخين، وبنسبة 0.014 من العام لكل جرام إضافي من الكحول المستهلك".

ويشير مقال أعدته جانينت هوسون -صاحبة كتاب "أشجار الدماغ السحرية" مشاركة مع ماريان دياموند- إلى أن "استهلاك الكحوليات بكميات كبيرة يمكنه إلحاق الضرر أيضًا بأجزاء الدماغ التي لا تزال في طور النضج، مسببًا حالات عجز دائمة في التعلُّم والذاكرة لدى الشباب".

الصحة العقلية

من جهته، يرى محمد توفيق -استشاري المخ والأعصاب بكلية الطب في جامعة عين شمس- أن تناول الكحوليات بشكل مكثف والتدخين اليومي لهما آثار مدمرة، ليس فقط على شيخوخة الدماغ والتقدم في العمر، ولكن على الصحة العقلية للإنسان بالكامل.

يقول "توفيق" في تصريحات لـ"للعلم": تناوُل الكحوليات من بين أسباب ألزهايمر، والتدخين والكحوليات معًا يعرضان الجسم لكمية كبيرة من المواد الكيميائية، وهو ما يضاعف الأثر السلبي على الذاكرة والملكات الفكرية، ما يعني أن الجمع بين التدخين والكحول يزيد من الأثر السلبي لكلٍّ منهما على الدماغ".

ويتفق محمد أبو الوفا -أخصائي المخ والأعصاب، وزميل "البورد الأوروبي لطب الأعصاب- مع ما ذهبت إليه نتائج الدراسة الجديدة، مضيفًا -في تصريحات لـ"للعلم"- أن "هناك تأثيرًا مباشرًا وواضحًا للتدخين وتناول الخمور على شيخوخة الدماغ والصحة العقلية وتَراجُع قدرات الذاكرة، كما أن التدخين والكحوليات من أهم أسباب غزو الشيخوخة للجسم وملامح الوجه؛ إذ يؤثران على مظهر الإنسان، ولا سيما وجهه، إضافةً إلى أن إدمان الكحوليات والتدخين من أهم أسباب ضعف الذاكرة والشيخوخة والإصابة بالسرطان والربو وغيرها من الأمراض المزمنة".