انشغل الناس في مصر طيلة الشتاء الماضي بحدث فريد، نقلت فيه وسائل الإعلام مقاطع فيديو وصورًا عالية الدقة لنيران مشتعلة وأدخنة صاعدة من جوف الأرض في منطقة "الهنداو" قرب "موط" بالواحات الداخلة بصحراء مصر الغربية، كان مدعاة الاهتمام والقلق تردد العلماء والباحثين في تفسير سبب النيران التي تنفجر من باطن الأرض ويتغير لونها حاملةً روائح كبريتية، ظلت النيران مشتعلةً ترافقها أدخنةٌ مختلفة الألوان وروائح كبريتية أكثر من شهرين متتابعين.

سارع البعض بتفسير الأمر بأنه طلائع لنشاط وشيك لفوهة بركان يزمجر في جوف الأرض، حبس الناس أنفاسهم معتقدين أن الواحات الداخلة على وشك انفجار حمم ولهيب وجحيم، ومضى آخرون يضربون تخمينات بأننا سنشهد اكتشاف حقل بترولي جديد.

انتقل إلى موقع المكان مسؤولون وعلماء جيولوجيا وفلك وتربة ومناخ، عاد الجميع من موقع الحدث غير متفقين على ما وجدوا، وإن كانوا قد نزعوا إلى وجود عامل بشري تسربت من جَرائه مواد صناعية من مكب نفايات قديم، ورغم مرور ستة أشهر على الحادثة، لم يخرج –حتى تاريخ كتابة هذه السطور- تقرير علمي كافٍ شافٍ يفسر الظاهرة التي لا يُستبعد أن تتكرر مستقبلًا.

تضعنا هذه المفارقة أمام سؤال بدهي عن مستوى فهمنا لبيئة الأراضي المصرية وطبيعتها الدينامية رغم ما يبدو ظاهرًا فيها من ثبات وركود؛ إذ الحقيقة أن السكون الظاهر ليس إلا وقتيًّا مقابل التطور الدينامي المتعاقب للتاريخ الطبيعي لهذا الإقليم.

رشقات نارية من السماء

لقد بدأت مفاهيم الدينامية تتضح مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين، حين عثر علماء عاملون في الواحات الداخلة على كشف مثير أعطوه عنوان "زجاج الداخلة"، وأرَّخوا له بنحو 140 ألف سنة مضت، وذلك خلال الفترة التي عاش فيها الإنسان هنا في "العصر الحجري الوسيط"، خاصةً في بلدتي تنيدة وبلاط.

تبدو الصخور الزجاجية التي عثر عليها العلماء غير ذات صلة بأيٍّ من أنواع الصخور الجيرية والرملية المنتشرة في أرض الواحة، وكان التفسير الأولي لهذه الصخور أن أصلها إما من مقذوفات براكين أو من نيازك ومذنبات.

لقد اتضح من الدراسة التي قدمها G. R. Osinski et.al (2008) أن التحليل الجيوكيميائي للصخور الزجاجية قد أسهَم في استبعاد الأصل البركاني، أخذًا في الاعتبار ارتفاع نسبة أكاسيد الكالسيوم وأكاسيد الألومنيوم، وهي عناصر لا توجد بهذه النسبة في الزجاج البركاني؛ إذ بلغت نسبة محتوى أكسيد الكالسيوم CaO (الجير المحترق) 25%، كما وصلت نسبة أكاسيد الألومنيوم Al2O3 إلى 18%، ومن ثم فأغلب العلماء يستبعدون أن يكون زجاج الداخلة ناتجًا عن مقذوفات لافا البراكين. (باستثناء دراسة (Kieniewicz J. 2016

ورغم أن هناك حالات يتكون فيها هذا النوع من الصخر الزجاجي المكتشف في الداخلة من جَراء احتراق للنباتات والصخور على سطح الأرض، إلا أن تحليل عينات زجاج الداخلة كشف أن كثيرًا منه من نوع ليشاتيليريت Lechatelierite، وهو زجاج تزيد نسبة أكاسيد السيليكا فيه عن 90%، ويوجد في شكل جيوب ومكتنفات، وتشكَّل في درجة حرارة تزيد عن 1700 درجة مئوية، مما يعني استبعاد تكوُّن زجاج الداخلة عبر احتراق النباتات أو الرسوبيات الغنية بالمواد العضوية.

تذهب النظرية الأشهر في التفسير إلى أن كتلةً من جسم فضائي شبيه بالنيزك اخترقت المجال الجوي للأرض وسقطت في الواحات الداخلة، ومعلوم أنه في حالة سقوط أجسام صخرية من الفضاء غالبًا ما تترك لها أثرًا في الأرض في شكل فوهة دائرية ناجمة عن الارتطام، لكننا في الواحات الداخلة لا نجد أثرًا لهذه الفوهة، وما زال البحث العلمي جاريًا، ربما تكون مطمورةً أسفل رواسب أحدث بعد زمن السقوط الذي يعود إلى 140 ألف سنة.

بعض العلماء الذين يستبعدون وجود فوهة النيزك الذي ارتطم بأرض الواحات الداخلة يقدمون تفسيرًا بديلًا قائمًا على احتمال أن تكون الصخور الزجاجية المكتشفة في الواحات الداخلة ناجمةً عن مقذوفات نارية من الفضاء، وصلت للأرض ضمن ما يُعرف باسم "الرشقات النارية الجوية" airbursts، وهي سقوط أجسام مثل النيازك من الفضاء ترتطم بالغلاف الجوي وتسقط على الأرض في شكل شظايا دون تشكيل فوهة منطبعة على الأرض، وربما تركت أثرًا في شكل فوهة ضحلة لم تقاوم طويلًا أمام عوامل التعرية التي طمست ملامحها.

يعود تأريخ هذه الفترة إلى ما قبل 140 إلى 150 ألف سنة، أي خلال فترة الاستقرار البشري للعصر الحجري الوسيط؛ ذلك لأن الأدوات الحجرية التي وُجدت في الواحة والتي تعود إلى هذا العمر عُثر عليها أسفل طبقة الصخور الزجاجية وأعلاها، وهو ما يؤكد أن البشر الذين عاشوا في تلك الأثناء شاهدوا عملية السقوط المدوي الحارق لهذه الكتلة التي أدت إلى صهر معادن السيليكا في صخور المنطقة، مكونةً زجاجًا صخريًّا ضمن عملية تُعرف باسم عملية "التزجُّج" (أي التحول إلى زجاج).

حفرية من قواقع Exogyra Overwigi المنطقة الانتقالية بين منخفض الواحات الداخلة غربًا ومنخفض الواحات الخارجة شرقًا (تصوير الكاتب) credit: Atef Moatamed

دينامية التاريخ الأحيائي

لا تتوقف الأهمية الدينامية للواحات عند المثال السابق من تاريخها الفلكي والجيولوجي، بل تتجاوز ذلك إلى جغرافيتها القديمة؛ فقد توصلت الاستكشافات التي تعرَّف عليها مؤلف هذا المقال في مركز دراسة الحفريات الفقارية في جامعة الوادي الجديد إلى هياكل عظمية متحفرة لعظام حيوان بحري ضخم يسمى "بليسوسورس Plesiosaurus"، وذلك في الجزء الغربي من الواحات الداخلة في منطقة غرب الميهوب يعود عمره إلى الكريتاسي الأعلى (من 70 إلى 90 مليون سنة)، وقد تعرضت لانقراض خلال الفترة الانتقالية من الكريتاسي إلى الإيوسين.

والبليسوسورس زاحف بحري كان يعيش في بيئة ساحلية، حين كان البحر المتوسط يصل إلى عمق ما يُسمى اليوم صحراء مصر الغربية في إقليم الواحات الداخلة، وقد وُجدت بقايا هذه الكائنات الضخمة المنقرضة في تكوينات رسوبية من الطفلة.

ورغم أن هذه الاكتشافات لا تزال قيد البحث ولم تُنشر بعد، إلا أنها قد سارت على إشارات لبحوث سابقة، أهمها البحث الرائد الذي قدمته دراسة Moawad et. al. (2008)، وإذا كانت منطقة غرب الميهوب قد سُجل فيها هيكل بليسوسورس فإن المنطقة بين موط وبلاط في شرق الداخلة قد سُجلت فيها حالة فريدة من الديناصور الذي عُرف باسم "منصوراصورس" وهو ينتمي أيضًا إلى فترة نهاية الكريتاسي، على نحو ما توصلت دراسة Sallam et. al. 2018.

والحقيقة أن الأنواع الأحيائية من البيئة القديمة تنتشر في صخور المنطقة، ومن بينها التخوم الشرقية لمنخفض الخارجة عند جبل الطير حيث توجد أدلة غزيرة من كائنات حية أصغر حجمًا لكنها عاشت أيضًا في بحر الكريتاسي قبل 70 إلى 62 مليون سنة، وخاصة قواقع Exogyra Overwigi، التي تصنف ضمن العصر الماستريخي.

 التحولات المناخية في بيئة كانت تنشط فيها في الماضي المياه الجارية قبل أن تغزوها غرود الرمال (تصوير الكاتب من غرب الواحات الداخلة) credit: Atef Moatamed

نظرة واسعة إلى الأنهار المطمورة

ولقد حدثت نقلة معرفية في فهمنا للتطور البيئي في الصحراء الغربية بمفهومها الضيق والصحراء "الليبية" بمفهومها الأوسع؛ فقد ظهرت دراسات وأبحاث في العقدين الماضيين تشير إلى ما يسمى "الأنهار الرادارية"، وهي أنهار مدفونة أسفل الرمال التي تغطي الصحراء وكانت نشطةً في عصور مطيرة بدأت في نهاية الباليوجين وبداية النيوجين (منذ 40 -50 مليون سنة مضت).

وتذهب دراسة Issawi and Youssef (2016) إلى أنه منذ ما يزيد على 50 مليون سنة مضت، شهد شرق الصحراء الكبرى فترات رطوبة جاءت بعد حركة الامتداد الشاسع الذي غمر فيها البحر المتوسط هذه الصحراء، وكان هذا الغمر الإيوسيني هو المسؤول عن مظهر سطح الأرض عديم التضرس الذي نراه في شرق الصحراء الكبرى حاليًّا.

وتذهب مثل هذه الدراسات إلى أن البحر المتوسط تعرض لفترة جفاف شديد يُتفق على ان اسمها "الفترة الميسينية"، انخفض فيها منسوب سطح البحر المتوسط وانكمشت رقعته، مما دفع بعديد من الأنهار التي كانت تجري فيما يُعرف بالصحراء الكبرى الآن إلى التوغل شمالًا لتصب في مستوى القاعدة المتراجع في البحر المتوسط، وحدثت حركة نظيرة له في جنوب أوروبا.

وقد تم التعرف على هذه الأنهار القديمة، وسُميت الأنهار الرادارية نسبةً إلى طريقة اكتشافها بالتصوير الجوي الراداري، ومن بين هذه الأنهار نهران عظيمان: الجلف والكفرة، وقد قامت هذه الأنهار المدفونة الكبرى بعمليات أسر نهري للأنهار الأصغر، وتجمعت معًا قبل أن تصب في البحر المتوسط الذي كان منسوبه قد انخفض.

وفي الختام حريُّ بنا أن ندرك أن صور الحراك والتطور والتغير تتعدد وتتجلى في موضوعات عدة في الواحات الداخلة عند مستويات جغرافية وجيوأركيولوجية وجيولوجية وهيدرولوجية، وتشترك في ذلك مع بقية منخفضات الصحراء الغربية، وهو ما نأمل أن نتناوله في مقالات مقبلة لعرض أحدث البحوث العلمية التي تكشف مزيدًا من المعالم عن "وجه الأرض" في مصر.

--------------------

مراجع تم الاستشهاد بها وغير متاحة بشكل رقمي على الإنترنت:

  • Moawad, A . M. ; Raslan and Rashad (2008) Discovery of huge fossil vertebral Carcasses in the Dakhla formation near the K/T boundary, Dakhla Oases. Annals Geol. Surv. Egypt. V. XXX. pp 173-183
  • Issawi. B., and Youssef E., (2016) Rejuvenation of old dry channels in NE Africa. Annals Geol. Surv. Egypt. V. XXXIII, pp. 1 - 32