عندما يفكر تشارلز ولكنسون في الجنود الذين يعانون اضطرابَ ما بعد الصدمة (PTSD)، يقفز ذهنه إلى بنية في حجم حبة البازلاء مثبتة خلف جسر الأنف، ومستقرة أسفل قاعدة الدماغ. هناك تقبع الغدة النخامية، وهي بمثابة المنظم الرئيسي لجهاز الغدد الصماء لدى البشر، إذ تقوم بإنتاج الهرمونات الحيوية التي تؤثر على عمليات النمو والتطور، إلا إذا حدث خلل ما.

يعكف ولكنسون ومجموعة صغيرة من العلماء على دراسة ما إذا كانت إصابات الدماغ الرَّضِّيَّة (TBI) التي تُسبِّبها انفجارات المعارك الحربية يمكن أن تؤذي الغدة النخامية للجنود بصورة تؤدي إلى التعرض لمشكلات صحية مزمنة. وتشير الدراسات الأولية -التي قدمها ولكنسون إلى وزارة شؤون المحاربين القدامى، في شهر مايو- إلى أن الجنود المصابين بإصابات الدماغ الرَّضِّيَّة يمكن أن يتطور الأمر لديهم إلى الإصابة بقصور في الهرمونات، وظهور أعراض يتم الخلط بينها وبين أعراض اضطراب ما بعد الصدمة في 40% من الحالات.

هذا الاكتشاف المدهش مبنيٌّ على دراسة شملت قرابة أربعة وعشرين جنديًّا فحسب، وتحتاج إلى تكرارها على مجموعة أكبر، غير أن العديد من الدراسات الصغيرة الأخرى التي أجريت على مدار السنوات الست الماضية تشير إلى وجود علاقة مماثلة. وقد تُعزِّز هذه العلاقة الظاهرية بين الأمرين من فهمنا لما يسبب المجموعة المعقدة من الأعراض المرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة.

ولا تُعَد ساحات الحرب المضمار الوحيد الذي وجد فيه العلماء علاقة بين إصابات الدماغ الرضية واختلال الوظائف الهرمونية؛ فقد أشارت عدة دراسات إلى أن إصابات الرأس في الملاعب الرياضية، أو في حوادث السيارات، ترتبط بتزايد اضطرابات الغدة النخامية. وبناءً على هذه النتائج، بدأ ولكنسون -وهو متخصص في مجال أمراض الغدد الصماء والأمراض العصبية في مركز بوجيت ساوند للرعاية الصحية للمحاربين القدامى بمدينة سياتل- في البحث عن معلومات تشير إلى أن الجنود المصابين بإصابات الدماغ الرضية عقب تعرضهم للانفجارات كانوا أيضًا يعانون اضطرابات قابلة للعلاج، مثل قصور في الهرمونات. مثل هؤلاء المرضى قد تظهر لديهم أعراض شبيهة بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، تتضمن الاكتئاب والتوتر وضعف التركيز، ويمكن مداواتها بالعلاج الهرموني التعويضي الذي قد يدعم قدرتهم على التركيز ويزيد الرغبات الجنسية ويحسِّن جودة الحياة.

يعترف ولكنسون بأن النظرية لا تزال في مهدها، فليس هناك سوى حفنة فقط من الباحثين الآخرين الذين يدرسون العلاقة المحتملة بين الأمرين، كما أن كل الدراسات تتعامل مع عينات صغيرة الحجم، لا تزيد عادة على دزينتين من الجنود. ولكنه يؤكد أنه حتى إذا كان عدد ضئيل من مرضى إصابات الدماغ الرضية لديهم اضطرابات لم يتم تشخيصها في الغدة النخامية، فربما يمكنهم الحصول على مساعدةٍ تُحَسِّنُ من حالتهم الصحية بدرجة ملموسة. وتتباين تقديرات انتشار اضطرابات الغدة النخامية ذات الصلة بإصابات الدماغ الرضية تباينًا كبيرًا بين المدنيين، حيث تتراوح النسبة بين 15% و68% من المرضى. ويرى نيكولاس تريتوس -المتخصص في مجال أمراض الغدد الصماء والأمراض العصبية في مستشفى ماساتشوستس العام، والذي يدرس مثل هذه الاضطرابات بين مجموعات من المدنيين والعسكريين- أن هذا النطاق الواسع يعكس اختلافات في معايير التشخيص وعوامل أخرى محتملة، مثل توقيت التقييم. غير أن هذه الأرقام تثير أسئلة حول معدلات حدوث مثل هذه الاضطرابات وعدم انتهائها بصورة طبيعية، بين الجنود الذين يعانون من إصابات بالرأس.

وفي دراسة حديثة، وجد تريتوس أن 39% من ضحايا الانفجارات (سبعة مرضى) أصيبوا باضطرابات هرمونية. وتشير النتائج الأولية من دراسة ولكنسون -والتي لا تزال مستمرة- إلى أن الرجال (حيث شملت الدراسة أعضاء الخدمة العسكرية من الذكور فقط) الذين يعانون من إصابات الدماغ الرضية المرتبطة بالتعرض لانفجارات كانوا أكثر عرضة للإصابة باضطرابات الغدة النخامية أيضًا. فمن بين 27 ضحية من ضحايا التعرض للانفجارات، كان 44% يعانون من اضطرابات الغدة النخامية، على حين أنه في مجموعة تضم 14 جنديًّا لم يتعرضوا للإصابة بارتجاج إثر التعرض لانفجار، 7% فقط كانوا يعانون من اضطرابات الغدة النخامية. وقد توصلت دراسة منفصلة أجراها الباحثون في إمبريال كوليدج لندن عام 2013 على جنود بريطانيين إلى نتائج مشابهة، إذ وجدوا أن 6 من بين 19 جنديًّا من المصابين بإصابات الدماغ الرضية المرتبطة بالتعرض لانفجار، يعانون قصورًا في وظائف الغدة النخامية، بينما كان هناك جندي واحد فقط يعاني هذا القصور في مجموعة التحكم التي تتألف من 39 جنديًّا لم يتعرضوا لانفجارات.

وفي الوقت الراهن لا تتوفر خطط لإجراء دراسات أكبر، فمن الصعب إجراء مثل هذا البحث على عسكريين في الخدمة، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنهم قد يعانون مشكلات صحية أخرى، وذلك وفق رأي ولكنسون الذي كافح كثيرًا لجمع مئات الجنود الذين كان يأمل في البداية أن يشملهم تحليله. وفي المملكة المتحدة، يقول توني جولدستون -المتخصص في علم الغدد الصماء، وأحد المشاركين في الدراسة البريطانية التي أجريت في عام 2013-: إنه لم يعد يجري إرسال الجنود إلى مناطق الحرب النشطة، ومن ثم فليس هناك ضحايا جدد للانفجارات يمكن إخضاعهم لدراسات أكبر.

بالإضافة إلى ذلك، وسواء كان المريض عسكريًّا أو مدنيًّا، لا تزال هناك أسئلة عالقة تحتاج إلى إجابات حول كيف تؤدي إصابة في الرأس إلى الإضرار بالغدة النخامية في المقام الأول؛ إذ إن الموقع المركزي الذي تحتله الغدة في الرأس كفيل بحمايتها من الضرر. غير أن هناك ساق صغيرة رقيقة تصل الغدة بالدماغ، ويضع بعض الخبراء افتراضًا أن هذه الوصلة، أو الغدة نفسها، قد تتضرر من جراء التعرض لصدمة أو انفجار عنيف. وربما يكون الالتهاب أو تَمَزُّقُ الوصلات الأخرى عوامل تؤدي لهذا الضرر أيضًا. ونظرًا لأن هذا الضرر ليس مرئيًّا باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي العادي، فقد يتعين على الباحثين الاعتماد على نماذج حيوانية للدراسة، من أجل التوصل إلى المزيد من المعلومات والأفكار.

ويقول الخبراء القليلون العاملون في هذا المجال إنه على الأرجح سيتم التوصل إلى المزيد من الإجابات من خلال دراسة مجموعات من المدنيين المصابين بإصابات الدماغ الرضية على مدار السنوات القادمة. وفي هذا الشأن، يقول ولكنسون إنه سيتعين على شخص آخر استئناف العمل، إذ إنه يخطط للتقاعد في سبتمبر 2017 عن سِن 72 عامًا.