تحتلُّ أبحاث "المادة المظلمة" مساحة كبيرة في علم الفيزياء، ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين حين افترض، جان أورت،  عالم الفلك الهولندي الشهير، وجود المادة المظلمة وحتى اليوم، بذلت نخبة من علماء "فيزياء الجسيمات" جهودًا كبرى من أجل سبْر أغوار تلك المادة المثيرة.

لايزال القول بوجود "المادة المظلمة" في الكون مجرّد افتراض علمي، ولكنّ زحام الأدلة قد نقل الافتراض إلى مستوً أعلى، حتى ليكاد البعض يرى وجودها إحدى حقائق الفيزياء المعاصرة.

ذهب العلماء إلى أن "المادة المظلمة" هى المكوِّن الرئيسي للكون، فهى تُشكَّل أكثر من ثمانين بالمائة، بينما تشكِّل "المادة غير المظلمة" أقلّ من خُمس حجم الكون.

وحسب النظرية فإن "المادة المظلمة" قد تتشكّل من  نوع جديد لا نعرفه ولم نرصده من الذرات. ومن ثمّ فإنّنا لا نعرف ذلك المحيط الذّري المظلم الذي تدور حياتنا بين مكوناته. 

تضيف الأمطار الكونيّة التي تتشكَّل من أشعة عديدة، تهبط على سطح أرضنا باستمرار، عامل تعقيد إضافي يزيد من صعوبة دراسة ذلك البحر الهائل من الذرات المظلمة.

يلجأ العلماء في أبحاث المادة المظلمة إلى إنشاء مختبرات في أعماق الجبال، وذلك للحيلولة دون تأثير الأشعة السينية وغيرها، ويُطلق البعض على تلك الحالة الحاصلة من العمل في مختبرات الكهوف العميقة بـ"الصمت الكوني"، حيث يجري العمل خارج نطاق الأمطار الكونية.

إن "المادة المظلمة" التي يدرسها علم الفيزياء، لا تتفاعل مع الضوء، وهى توجد في المساحة الأكبر من المكان تقريبًا، لكن إدراكها ورصدها وقياسها لايزال بعيدًا عن قدرة العلماء. وحسب البروفيسور، جيمس بولوك، عالم الفيزياء في جامعة كاليفورنيا فإن هناك "قطاع مظلم" كبير يوازي "القطاع المضيئ" في عالمنا. وهذا القطاع المظلم الذي يتكوّن من مادة شفافة غير مرئية لايزال مستحيلًا رصده إلّا من خلال تأثيراته على الجاذبية.

لم يعد مفهوم "المادة المظلمة" حصريًّا في علم الفيزياء، إذْ أنّ ذلك المفهوم المثير قد أضحى مقبولًا في علم الأحياء الدقيقة.. حيث يطلق علماء الميكروبولوجي على ذلك المجتمع العملاق من الميكروبات ممّا لم يتمكن العلماء من الوصول إليه بـ"المادة المظلمة" الميكروبية. وحسب البروفيسورة، جينيفر مكاليدي، أستاذ الميكروبولوجي في جامعة ولاية بنسلفانيا التي تحدثت في وثائقي شبكة نيتفليكس "The MostUnknown" فإنّ كوكب الأرض يتواجد فيه (35) تريليون نوع من الميكروبات، ولكن علم الأحياء الدقيقة لم يتجاوز في معارفه (1) مليون نوع فقط. ويطلق العلماء على هذه الأنواع اللانهائية من الكائنات المجهرية مسمّى "المادة المظلمة". ومن المثير حقًا أن أخذ قطرة مياه واحدة من إحدى البحيرات التي تتكاثر فيها البكتيريا، ثم وضعها أمام الميكروسكوب، فإن المشهد العام للعالم الذي يسكن القطرة يشبه إلى حد كبير ذلك المشهد العام للكون. فكأن القطرة هى الكون المصغر، أو أن الكون هو القطرة العملاقة!

يمكننا هنا الانتقال إلى مصطلح نراه مناسبًا لهذا السياق، وهو "المياه المظلمة"، ونعني بها الطبقة السفلى من مياه المحيطات، والتي ينعدم فيها الضوء، وتحيا في ظلمات تامّة.

إنّ علماء المحيطات باتَ بمقدورهم الهبوط إلى قاع المحيطات.. عبْر غواصات بحثية تسبح في اتجاه القاع بعيدًا عن سطح الماء..  كما تسبح مركبات الفضاء في اتجاه الكون بعيدًا عن سطح الأرض.

يأخذ العلماء عينات من "المياه المظلمة" ليقوموا بدراستها، ما يدعو للدهشة هو ما توصل إليه العلماء بشأن كائنات المياه المظلمة، ذلك أن (90%) من الكائنات التي تم العثور عليها هى "كائنات جديدة".. لا مثيل لها فيما هو معروف من كائنات.

إن بعضًا من هذه الكائنات المجهرية والكائنات الأكبر تتغذّى على غاز الميثان الذي ينبعث بكميات هائلة في منطقة المياه المظلمة.

إن غاز الميثان هو أحد غازات الاحتباس الحراري، وهو أقوى من ثاني أكسيد الكربون مرات عديدة، وإذا ما انطلق على نحوٍ مفاجئ من منطقة المياه المظلمة إلى سطح الماء ثم إلى الغلاف الجوي، فإنّ ذلك من شأنه أنْ يرفع درجة حرارة الأرض ويهدد الحياة على نحو كبير.

يمكننا الآن المضّى إلى مسافة أبعد.. إلى "المادة المظلمة" في جسم الإنسان، سواء تلك المتعلقة بتعقيدات الدماغ، أو خريطة الخلايا داخل الإنسان.

لايزال البحث في كيفية إنتاج النشاط البيولوجي للمخ موضع ضعف شديد ذلك أن دراسة الوعى والإرادة والحالة النفسيّة من الأمور بالغة التعقيد. يحاول العلماء دراسة العلاقة بين "العقل" و"الجسد"، ويحاولون عبْر الخوارزميات والقياسات الوصول لمعارف محددة. لكن الأمر صعب للغاية، وحسب وصف أحدهم: "إن قياسات المخ أشبه بأن تضع ميكروفونًا عند الغلاف الجوي، وتريد أن تميّز أحاديث الحشود في أحد ميادين العاصمة".

إن القياس هو جوهر العلم الحديث، لكن قياس النشاط البيولوجي للمخ، والذي يتكون من قرابة (86) بليون نيورون، يتصل كل (1) نيورون منها بـ(10) آلاف نيورون آخر، يجعل منه أمرًا يقارب المستحيل. إن الأمر يشبه "المادة المظلمة" في فيزياء الجسيمات، حيث يمكن معرفة دلائل ومخرجات عديدة، ولكن إدراك تفاصيل ما قبل ذلك لايزال عصيًّا للغاية.

إن "بيولوجيا المخ" لا تضمّ المادة المظلمة الوحيدة في جسم الإنسان، ذلك أن احتواء الجسد الإنساني على نسبة كبيرة من الخلايا غير البشرية يشكِّل بدوره مادةً مظلمة جديدة. كان العلماء يعتقدون لفترةٍ طويلة بوجود مكوّن ميكروبي كبير داخل جسم الإنسان، لكن النسبة حسبما تحدث علماء - إلى هيئة الإذاعة البريطانية BBC في أبريل 2018 - تصل إلى الأغلبية من إجمالي الخلايا. وحسب عنوان موقع الإذاعة البريطانية فإن "أكثر من نصف جسم الإنسان ليس بشريًّا"، حيث تشكِّل "الخلايا البشرية" نسبة (43%) من جسم الإنسان، فيما تشكِّل "الخلايا غير البشرية" النسبة الباقية. وهكذا فإن أغلب جسم الإنسان يتكون من مستعمرات هائلة من الكائنات الميكروسكوبية متناهية الصغر. وعلى ذلك فإنَّه لا يوجد لدينا (1) جينوم، بل (2) جينوم: الجينوم البشري، والجينوم الميكروبي!

هل يمكن الوقوف بمفهوم "المادة المظلمة" على فيزياء الجسيمات، ونقل المفهوم إلى علم الميكروبولوجي.. ثم ما حاولنا - في هذا المقال - نقله إلى تلك المساحات المجهولة من قاع المحيطات إلى جوف الإنسان؟

في تقديري.. يمكننا العبور بالمفهوم من العلوم الطبيعية إلى العلوم الاجتماعية، ذلك أن هناك مواد مظلمة في الأداء الإنساني في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع.

إنّ تطبيق استراتيجية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يعطي نتائج مغايرة رغم تماثل ظروف التطبيق. كما أنّ تطبيق النظرية الديمقراطية الغربية يؤدي إلى نتائج مختلفة بتغيّر المكان، ثم نتائج مختلفة بتغيّر الزمان مع ثبات المكان.

لم تعد نظرية،ديفيد إيستون، في تحليل النظم السياسية حيث تؤدي المدخلات إلى المخرجات على نحوٍ منطقي.. دقيقة بالقدر الكافي.. ذلك أن ما بين المدخلات والمخرجات يوجد ذلك الصندوق الأسود الذي يجري فيه حذف متغيرات أو إضافة أخرى على نحوٍ غير مرئي.

إن علم السياسة بطبيعته كعلم اجتماعي، وبخصوصيته كعلم خاضع لصراع الإيديولوجيا والنظريات المثالية ومنظومات القيم المتعارضة يواجه ما يمكن تسميته "المادة المظلمة". إنها ذلك "اللايقين" في ضبط النتائج مهما جرى من جهد في ضبط الأسباب والدوافع.

في يونيو 2020 أصدر صندوق النقد الدولي مؤشر باسم "المؤشر العالمي للايقين". وحسب هايتس آهير، ونيكولاس بلووم، وديفيد فورسيري.. فإن المؤشر يغطي (143) دولة، وقد جاء التقرير الصحفي الذي نشره فريق المؤشر تحت عنوان "60 عامًا من اللايقين"، حيث جرى دراسة عدم اليقين طيلة العقود الستَّة الأخيرة من تاريخ العالم. وقد تضمنت هذه السنوات محطات كبرى من عدم اليقين مثل اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي، وحرب فيتنام، وأزمة الذهب في الستينيات، وأزمة النفط في السبعينيات، وأزمات العراق وأفغانستان وإيران وكوريا الشمالية.. وغيرها.

بحسب واضعي المؤشر فإن الدول الأكثر تقدمًا تكون هزّات عدم اليقين فيها أعنف وأشدّ. وعلى ذلك فإن الدول الفقيرة تواجه عدم القدرة الممزوجة بعدم اليقين، بينما تواجه الدول الغنيّة القدرة المصحوبة بدرجة أعلى من عدم اليقين.

إن المؤشر العالمي للايقين، هو أشبه بمختبرات كهوف الجبال، أو سفن قاع المحيطات، أو أجهزة قياس بيولوجيا الدماغ. إنّه ببساطة محاولة ضمن محاولات عديدة لقياس المادة المظلمة في علوم السياسة والاقتصاد. لا سيما مع سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، وهجوم وباء "كورونا" ودخول العالم إلى حقبة غير مسبوقة من اللايقين.

تتكون المادة المظلمة في علم الفيزياء من ذرات مجهولة، وتتكون في علم السياسة من تفاعلات كم هائل من الفاعلين المجهولين، والسياسات صعبة القياس، والأحداث عصيّة السيطرة. تضاف إليها الأديان والثقافات والبيئات التي تقع خوارزميات قياسها في عداد المستحيل.

لكن بينما يُعد الانتظار طويلًا في قياس المادة المظلمة في علم الفيزياء أمرًا مثيرًا، فإنّ الانتظار في قياس وضبط "المادة المظلمة" في علم السياسة هو أمر مخيف. إن الفهم الأكبر لتلك المساحة اللايقينية في علم السياسة تمثل أحد التحديات الرئيسية لمستقبل العالم في القرن الحادي والعشرين.