يُعَدُّ قتل النساء مشكلةً عالمية يتسبب فيها العنف المرتبط بالنوع؛ ففي عام 2017، تعرضت 87 ألف امرأة للقتل العمد، من بينهن 50 ألفًا قُتلن على يد شريك حميم أو أحد أفراد العائلة، أي أن 137 امرأةً في العالم تموت يوميًّا على يد أحد أقربائها.

ونظرًا إلى صعوبة حصر عدد حالات القتل المرتبطة بجنس الضحية، يحتاج الباحثون إلى معلومات عن هوية هؤلاء النساء وعلاقتهن بالقاتل؛ فاستكمال البيانات الناقصة في هذا السياق هو مفتاح فهم العنف المرتبط بالنوع، ما دفع ثلاث باحثات لرصد جهود عشر منظمات تعمل على تجميع البيانات الخاصة بحوادث القتل في دراسة نُشرت مؤخرًا في دورية "باترنز" التي تصدر عن "سل برس".

وقد وصف نشطاء من الولايات المتحدة وبورتوريكو وإسبانيا وبوليفيا والبرازيل البيانات الحكومية بأنها قاصرة أوغير دقيقة نتيجة نقص التسجيل أو انخفاض الإبلاغ عن الحالات بسبب نقص التشريعات أو عدم وجودها من الأساس! هذه الفجوة المعلوماتية تنبع من الأساس من مشكلة الرؤية غير الموضوعية لقتل النساء؛ فالجرائم التي تستهدف الفتيات والنساء من السود أو السكان الأصليين للبلد لا تقوم وسائل الإعلام بتغطيتها بزعم أنها ليست جديرةً بالنشر، وبالفعل، فإن كثيرًا من الدول لا تحتفظ بمعلومات شاملة عن قتل الفتيات والنساء، وفقًا للبيان المصاحب للدراسة.

وتقول "كاترين ديجنازيو" -أستاذ مشارك في علوم وتخطيط المدن ومديرة معمل "البيانات+النسوية" في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- في تصريح لـ"للعلم": إن ضعف تغطية أخبار قتل النساء السود والسكان الأصليين يعكس التمييز العنصري، خاصةً وأن الإشارة إلى هذه الجرائم غالبًا ما تكون للإثارة وإلقاء اللوم على الضحية، على جانب آخر، لا تنشر وسائل الإعلام عن مقتل النساء اللاتي يعانين من العنصرية على عكس ما يحدث مع النساء البيض، على سبيل المثال، أثار الإعلام ضجةً كبرى عند مقتل سيدة بيضاء تُدعى "جابي بتيتو" وتابع الموقف يوميًّا لحين العثور على جثتها، في حين أن جماعات السكان الأصليين رصدت أكثر من 700 حالة غياب أو قتل لنساء من السود خلال السنوات الماضية دون أدنى اهتمام من الإعلام.

تقول "هيلينا سواريز فال"، الباحثة بمركز المنهجيات متعددة التخصصات بجامعة "وارويك" بالمملكة المتحدة والمؤلف المشارك بالدراسة: إن العنصرية والتحيُّز إلى النوع وغيرهما من أشكال التمييز موجودة في جميع المجتمعات وإن اختلف السياق، وهناك جرائم ضد النساء تمحوها وسائل الإعلام أو تعيد إنتاج روايات تتسم بالعنف عنها فيما يتعلق بالنساء المتحولات، مثل استخدام تعبير "رجل في زي امرأة تعرض للقتل"، وفي حالة ارتباط الجريمة بالمشتغلات بالدعارة أو النساء مدمنات المخدرات، تصنفهن وسائل الإعلام بأنهن ضحايا أقل أهميةً أو أنهن يستحققن العنف بدلًا من وصفهن بأنهن أكثر تعرضًا للعنف؛ لتداخل عوامل أخرى من الظلم مثل العنصرية والفقر.

وعمل الفريق البحثي برئاسة "ديجنازيو" على استكشاف مفهوم البيانات المضادة (counterdata) الذي يجمع معلومات عن الجرائم المتعلقة بالنوع من مصادر مختلفة، وتوضح المشرفة على الدراسة في تصريح لـ"للعلم" أن هذه المعلومات يجمعها المواطنون ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء خارج السياق الرسمي، ويستخدم الأفراد والمجموعات هذا النوع من المعلومات على نحوٍ متزايد كإستراتيجية لمطالبة الدولة والإعلام أو العامة بمنح هذه المشكلة المتفشية اهتمامًا أكبر أوالضغط لاتخاذ إجراء حاسم بشأن قضيةٍ ما.

وتشير "إيزادورا كروكسن" -المحاضر في إدارة الأعمال والمجتمع بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمؤلف المشارك بالدراسة- إلى أن مفهوم "البيانات المضادة" يأخذ أبعادًا إضافيةً في عمل النشطاء لدرجة البحث عن التصدي لروايات الإعلام التي تُلقي اللوم على الضحية فيما يتعلق بالعنف المرتبط بالنوع، واستعادة الاحترام لهن وتذَكر مَن تعرَّضن للقتل.

وأقر مؤلفو الدراسة بالعبء الضخم الذي يقع على عاتق النشطاء في جمع المعلومات وأهمها التأثر النفسي، وتطرح الباحثات سؤالًا في مجالات دراسات البيانات وعلم البيانات والتفاعل بين الإنسان والكمبيوتر: "كيف يمكن لهذه المجالات أن تدعم الأنشطة الحالية لنشطاء البيانات المضادة لعلاج المشكلات المجتمعية وتحميل الدولة والمؤسسات ووسائل الإعلام المسؤولية في ممارسة دورهم تجاه التمسك بالقمع والعنف؟."

وفي تصريح لـ"للعلم"، تقول "سواريز فال": إن هدف هذه الدراسة هو لفت الانتباه إلى العمل الهائل الذي يقوم به المواطنون ومؤسسات المجتمع المدني والنشطاء لمحاربة قتل النساء من خلال الإسهام في إنتاج المعلومات وتحليلها، وتضيف الباحثة أن الجانب الأكاديمي يمكنه مساندة هذه الجهود بالعمل معهم لتطوير أدواتهم البحثية وتحليل نقص المعلومات الرسمية فيما يتعلق بقتل النساء والعنف المرتبط بالنوع، وعلى نطاق أوسع تسليط الضوء على قضية قتل النساء باعتبارها قضية تستحق اهتمامًا جادًّا من قِبل الباحثين محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا.