ربما يدفع صوت قطرات المطر المتساقطة على النوافذ الزجاجية في غرفة مظلمة البعض للشعور بالراحة والاسترخاء والرغبة في التأمل، لكنه شعور قد يتحول في لحظةٍ إلى مشاعر مغايرة مخنوقة بالصمت والكآبة والرغبة في الهروب بعيدًا عن أي شكل من أشكال الحياة الاجتماعية؛ بسبب غياب شمس الشتاء، التي تأتي على استحياء في كثير من بلدان العالم، تمامًا مثلما تختفي أضواء السيارات تحت المطر.

في هذا الإطار، تشير دراسة أجراها باحثون بجامعة كوبنهاجن الدنماركية إلى أن الإصابة بـ"الاضطرابات العاطفية الموسمية" في فصل الشتاء، ترتبط بعدم التعرض لـ"ضوء النهار" لفترات طويلة باعتباره من المضادات الطبيعية للاكتئاب التي تمنع "نقص معدلات هرمون السيروتونين في المخ عن مستواها الطبيعي".

وتوصلت الدراسة إلى أن ضوء النهار يُعَد مضادًّا طبيعيًّا للاكتئاب؛ إذ يؤدي الدور نفسه الذي تقوم به "مثبطات استرداد السيروتونين الاختيارية" (SSRI)، والتي تُستخدم عادةً كمضادات –وكعلاج- للاكتئاب واضطرابات القلق وبعض اضطرابات الشخصية وبعض حالات الأرق.

ويتكون "السيروتونين"، واسمه الكيميائي 5-هيدروكسي التريپتامين أو اختصارًا 5-HT، من حمض أميني يُعرف بـ"تريبتوفان"، وهو حمض مسؤول عن تنظيم الحالة المزاجية والشهية والنوم، إلى جانب بعض الوظائف الإدراكية مثل الذاكرة والتعليم.

ويؤدي "السيروتونين" دورًا لا يمكن تجاهله في الشعور بالطمأنينة النفسية، ما دفع العلماء إلى اختراع جيل جديد من الأدوية التي تعمل على رفع مستواه في الدماغ؛ إذ يتسبب حدوث أي خلل في مستواه في الشعور بالتعب والدخول في مشكلات مع الآخرين والشعور بثقل في الذراعين أو الساقين والنوم لفترات طويلة واضطراب الشهية وزيادة الوزن.

اكتئاب الشتاء الموسمي

لجأ الباحثون إلى "اكتئاب الشتاء الموسمي" بوصفه نموذجًا لمعرفة مدى التأثُّر بالاكتئاب الموسمي، مشيرين إلى أن "بعض الناس المهيئين جينيًّا للإصابة بالاكتئاب لديهم مرونة أكثر فيما يتعلق بالقدرة على مقاومته، ما من شأنه أن يساعد على فهم العوامل التي قد تمنع الإصابة به".

ضمت عينة البحث 23 متطوعًا (13 فتاة و10 ذكور) تتراوح أعمارهم بين 20 و32 عامًا؛ ولديهم عوامل وراثية تنتقل عبر "جين HTTLPR"، الذي يشير وجوده إلى تزايُد احتمالات الإصابة بالاكتئاب، وجميعهم من غير المدخنين ويمتلكون مرونة بيولوجية ودورة حياة يومية مستقرة منتظمة، ولم يسبق لأيٍّ منهم تلقِّي أي علاج للاضطراب العاطفي الموسمي، ولا يتضمن تاريخهم الطبي تعرُّضهم لاضطرابات عصبية/ نفسية سواء كانت سابقة أو موجودة وقت إجراء الدراسة.

خضع المتطوعون لنوعين من "مسح الدماغ"، هما: "التصوير المقطعي"، و"التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني"؛ إذ تم إجراء كل فحصٍ منهما مرتين في الشتاء بهدف قياس مستويات "السيروتونين" في الدماغ.

القدرة على التنظيم

توصل الباحثون إلى أن بعض الأشخاص الذين يُتوقع إصابتهم بـ"الاضطراب الموسمي العاطفي" بسبب امتلاكهم الجينات المسببة له، تحكموا في كمية نقل "السيروتونين"، ما يعني قدرتهم على تنظيم كميته التي تفرزها أدمغتهم، وبالتالي يجعل التحكم في الاكتئاب أكثر مرونة.

ووجدت الدراسة أن النساء اللاتي لديهن مرونة تساعدهن على التحكم في هذا الاضطراب يعملن على تنظيم "السيروتونين" في الدماغ، بحيث يتم ضخه بشكل أكثر في فصل الشتاء بمعدلات أكبر من الرجال، وهذا يعني أن مستويات السيروتونين بقيت دون تغيُّر خلال الانتقال بين الفصول، وذلك على الرغم من أن الاضطراب العاطفي الموسمي عادةً ما يؤثر على النساء (بصورة عامة) أكثر، مقارنة بالرجال.

وبشكل عام، حافظ الأشخاص الذين يتمتعون بمرونة نفسية وبيولوجية على مستوى "السيروتونين" نفسه عبر الفصول، مما كوَّن لديهم مقاومةً لأعراض المرض.

ضوء النهار

تقول "بريندا ماكماهون" -أستاذة علوم الصحة والعلوم الطبية بجامعة كوبنهاجن، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الاكتئاب الموسمي ناتج عن عدم كفاية التعرُّض لضوء النهار، ما يؤدي إلى زيادة الاكتئاب السريري في الشتاء، وهذه الحالة أكثر انتشارًا في البلدان البعيدة عن خط الاستواء؛ إذ إن نحو 90٪ ممن يعيشون في كوبنهاجن يتأثرون بطريقةٍ ما باضطرابات في النوم أو اضطرابات الأكل والشهية".

وأفادت: "في حين تظهر أعراض "الاكتئاب السريري" في فصل الشتاء لدى 5% من سكان كوبنهاجن، وهو ما قد يعاني منه سكان مناطق أخرى تقع على خط العرض نفسه، مثل مدن جلاسكو وأدنبرة الإسكتلنديتين، وموسكو ونوفوسيبيرسك الروسيتين، وسيتكا الأمريكية"، موضحةً أن "الأعراض السريرية تختفي بشكل عام مع بداية فصل الربيع".

تضيف "ماكماهون" أن "الفريق البحثي قام بمسح الدماغ لتحديد كيفية تفاعُل الدماغ مع فصل الشتاء والاضطرابات العاطفية التي تنتاب البعض مع قدومه. وأردنا من خلال البحث معرفة السبب الذي يجعل بعض الناس متوائمين عاطفيًّا مع قدوم الشتاء بالرغم من أنهم مؤهلون لذلك جينيًّا، أما البعض الآخر فليس كذلك".

وتستطرد: توصلنا إلى أن الأشخاص الذين يتمتعون بالمرونة تجاه اكتئاب الشتاء يمكن أن ينظموا أدمغتهم استجابةً لبيئة الشتاء، كما توصلنا إلى أن مستوى السيروتونين ينخفض بنحو 10٪ في فصل الشتاء مقارنة بالصيف، فضلًا عن انخفاضه بشكل ملحوظ لدى النساء.

وتوضح أن "هذه هي أول دراسة تتم عن طريق الدمج بين المسح الدماغي وعقد مقارنة بين الحالات التي ينتابها الاضطراب في مقابل الأشخاص المؤهلين جينيًّا ولكنهم يمتلكون مرونةً عصبيةً ونفسيةً تساعدهم في التغلب على الاضطراب".

وتشدد على أن الدراسات السابقة كانت تركز على عوامل الخطر والنتائج المرضية، لذا فإن هذه واحدة من الدراسات النادرة التي تركز على عوامل الحماية، وهو ما يسمى بـ"الطب النفسي الإيجابي"، ما قد يُترجم مستقبلًا في ابتكار وسائل أفضل لمنع الاكتئاب.

نتائج قاطعة

من جهتها، تقول "نانسي لبيب" -استشارية الطب النفسي- لـ"للعلم": "إن الدراسة كانت واضحة وقاطعة بأن هناك علاقة بين النواقل العصبية الكيميائية التي تستخدمها خلايا الدماغ للتواصل فيما بينها وبين الاضطرابات العاطفية الموسمية، وبالتالي ربطت بين تلك الاضطرابات والنواقل العصبية والإصابة بمرض الاكتئاب، والتحفظ الوحيد على الدراسة هو حجم العينة وطبيعتها بحيث لا يمكن تعميمها".

وأوضحت أن "الدراسة شددت على أن الاضطرابات العاطفية الموسمية مرض حقيقي، ويؤثر تأثيرًا ملموسًا على نمط حياة مَن يعانون منه، ولا بد من توعية المصابين بخطورته وحثهم على ممارسة الرياضة وشغل أوقات فراغهم والانخراط اجتماعيًّا، وبخاصة في وقت النهار، وتناوُل فيتامين "د"، وإذا استمرت الحالة لأكثر من 3 أسابيع فلا بد من اللجوء إلى الطبيب النفسي لتلقِّي العلاج المناسب".

بدورها، تقول "هويدا شكري" –استشارية علاج الأمراض النفسية والعصبية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تضيء منطقةً جديدةً في الطب النفسي فيما يتعلق بقدرة المخ الطبيعي على مقاومة الاضطرابات العاطفية الموسمية والآليات التي يقوم من خلالها بذلك، وهو ما سيفتح الباب أمام استخدامات جديدة للأدوية وإستراتيجيات العلاج مع مَن يعانون من هذا الاضطراب".

وتضيف "شكري" أن "أهم ما يميز هذه الدراسة هو أنها دراسة طولية تجريبية؛ إذ تعتمد على المنهج التجريبي من أجل دراسة تأثير عوامل ومتغيرات معينة وبشكل متكرر خلال مدة زمنية طويلة نسبيًّا؛ فعلى النقيض من الدراسة المستعرضة، تعتمد الدراسة الطولية التجريبية على إجراء تجارب متكررة للموضوع نفسه، ومقارنة النتائج بعضها ببعض".

دراسة مقارنة

إلى جانب العوامل الديموغرافية، تشير دراسة بولندية إلى أن الاختلافات الفردية قد تؤدي هي الأخرى دورًا في الإصابة بـ"الاضطراب العاطفي الموسمي".

طلب الباحثون البولنديون من المشاركين في هذه الدراسة (101 مشارك، 57 سيدةً و44 رجلًا، بمتوسط عمر بلغ 26 عامًا) الإجابة عن استبانة لتقييم الاختلافات التي عانوا منها بسبب تغيُّر فصول السنة، سواء في حالتهم المزاجية أو المؤشرات الرئيسية الأخرى (النوم والنشاط الاجتماعي والوزن والشهية ومستوى الطاقة). كما صنفوا مستويات أدائهم الوظيفي من خلال تتبُّع أنماط الاستيقاظ والنوم المعروفة بـ"السمات الزمانية" (Chronotypes)، والتي تقيس مدى حساسية الأشخاص للتغيرات اليومية والسنوية في البيئة الخارجية المرتبطة بتناوب الأرض وحركتها.

ثم قاموا بقياس "اكتئاب الشتاء الموسمي" عن طريق فحص 21 من أعراض الاكتئاب الموسمي في 7 أنماط هي "النعاس والشهية والطاقة والرغبة الجنسية والحياة الاجتماعية والتوعُّك العام والحالة المزاجية".

وبصرف النظر عن الاختلافات بين الجنسين التي تتصدى لها أبحاث كثيرة حول "الاضطرابات العاطفية الموسمية"، والتي تشير إلى أن النساء أكثر حساسيةً للإيقاع اليومي والسنوي مقارنةً بالرجال، فقد دعمت النتائج فكرة أن الاختلافات الشخصية تُحدث فرقًا في فهم مَن هم أكثر عرضةً للإصابة بـ"الاضطرابات العاطفية الموسمية".

وأظهرت النتائج وجود علاقة بين العُصابية (Neuroticism) و"الاضطرابات العاطفية الموسمية"؛ إذ إن الأشخاص ذوي الدرجات العصابية الأعلى كانوا أكثر عرضةً للإبلاغ عن تعرضهم لتغيرات خفيفة أو معتدلة في مزاجهم وسلوكهم، وأن المصابين بـ"الاضطرابات العاطفية الموسمية" يُظهرون ميلًا للتأقلم مع معاناتهم من خلال تجنُّب التفاعل مع الآخرين، والإفراط في الأكل أو الهروب إلى مشاهدة التلفاز أو النوم لفترات طويلة، أو الانتقال "المؤقت" للعيش في مناطق أكثر دفئًا، بصورة أشبه بـ"السُّبات الشتوي".

وأوضحت الدراسة أن الأشخاص الذين يعملون بـ"دوام متناوب" بين الليل والنهار بطريقة غير ثابتة يكونون أكثر عرضةً للإصابة بأعراض "الاضطراب العاطفي الموسمي"؛ بسبب عدم حصولهم على الوقت الكافي من الراحة، ما يؤدي إلى حدوث إرباك بين الساعة المتعلقة بالنوم واليقظة والساعة البيولوجية للمرء.

وانتهى الباحثون البولنديون إلى أن الأشخاص ذوي "العصابية العالية" يكونون أكثر عرضةً للإصابة بـ"الاضطرابات العاطفية الموسمية" عند مواجهتهم ظروف الحياة أو التغيرات البيئية الجديدة.