في عام 2016، بدأت الأمم المتحدة رسميًّا تنفيذ خطتها الداعية للتنمية المستدامة 2030، والتي اعتمدها قادة دول العالم في قمة تاريخية، تستهدف تحقيق 17 هدفًا، للقضاء على الفقر، والجوع، وتحسين الوصول إلى الخدمات الصحية، والحد من أوجه عدم المساواة.

وعلى الرغم من أن تلك الأهداف ليست مُلزِمة من الناحية القانونية للدول الموقعة عليها، إلا أن الأمم المتحدة توقعت التزام الحكومات بها، ووضع مجموعة من الأطر الوطنية لتحقيقها.

وفيما يتعلق بالصحة الجيدة والرفاه -وهي الهدف الثالث من مجموعة الأهداف الـ17 التي حددتها الأمم المتحدة- يقول الموقع الرسمي للمنظمة إن الخطط المتتالية حققت خطوات واسعة في سبيل الحد من وفيات الأطفال، وتحسين صحة الأمهات؛ إذ انخفضت أعداد الوفيات اليومية بين الأطفال دون سن الخامسة في جميع أنحاء العالم بمقدار 17 ألف حالة منذ عام 1990، إلا أنه لا يزال هناك أكثر من 5 ملايين طفل يموتون كل عام قبل بلوغهم سن الخامسة!

منذ عام 2000، حققت العديد من البلدان نجاحًا كبيرًا في تحسين بقاء الأطفال على قيد الحياة، ذلك التحسُّن آخذٌ في الارتفاع، إلا أن البيانات الخاصة بالتقدُّم على المستويات المحلية -أي داخل الدولة الواحدة- فيما يتعلق بحماية الأطفال من الموت المبكر بقيت مجهولة، فحتى الدراسات العلمية لم تُقدم معلومات قيمة أو مقارنات ذات منفعة فيما يتعلق بأماكن موت الأطفال على المستويات العالمية.

إلا أن دراسة جديدة، نشرتها دورية "نيتشر" (Nature) اليوم "الأربعاء"، 16 أكتوبر، رصدت حالات وفيات الأطفال تحت عمر الخامسة عالميًّا في الفترة ما بين 2000 إلى 2017، ووضعت خريطة عالمية لأكثر من 99 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، يتركز فيها 93% من حالات وفاة الأطفال دون سن الخامسة في عام 2017، وموضح عليها بيانات كمية شديدة الدقة تحدد وفيات الأطفال وفقًا لمواقعهم الجغرافية.

وخلصت الدراسة، التي نفذها 613 باحثًا حول العالم، إلى غياب المساواة على المستوى الجغرافي، فيما يتعلق بوفيات الأطفال؛ إذ شهد بعض الأماكن ارتفاعًا كبيرًا في معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة، في حين شهدت أماكن أخرى انخفاضًا ملحوظًا.

استنتاج صادم للغاية

خلال العشرين عامًا الماضية، انخفضت معدلات وفيات الأطفال بأكثر من النصف؛ إذ حققت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة -193 دولة- تقدمًا هائلًا في الحفاظ على حيوات الأطفال، إلا أن نظرة عن قرب تقول إن لذلك الانخفاض أوجهًا مُتعددة، حتى داخل البلد الواحد، إذ إن المقاطعات الجغرافية داخل كل دولة تشهد اختلافًا حادًّا في أعداد وفيات الأطفال.

فحص الباحثون 17554 منطقة إدارية داخل 99 دولة من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وأظهر الفحص أن النتيجة الإجمالية مُشجعة، فنحو 60% من تلك المناطق تتقدم بشكل مستمر في الحد من وفيات الأطفال، لكن الباحثين يقولون إن نظرةً فاحصةً إلى الأمر تكشف استمرار وجود فوارق وانعدامًا للمساواة فيما بينها، وأن 58% من 123 مليون حالة وفاة للأطفال تحت عمر الخامسة خلال الفترة ما بين 2000 إلى 2017 كان يُمكن منعها، فقط، إذا ما كان معدل الوفيات في جميع المناطق مساويًا لأفضل النتائج في تلك المناطق على مستوى البلدان المختلفة.

في استنتاج صادم للغاية، تقول الدراسة إن المناطق الأكثر ثراءً، بما في ذلك عواصم الدول، لديها معدلات أقل بكثير من غيرها من المناطق فيما يتعلق بوفيات الأطفال. إذ تؤدي أنظمة الحكم غير الرشيدة إلى تخصيص غير متناسب للموارد العامة لمجموعات النخبة -حسبما تقول ميشيل باشيليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مقال منشور في دورية نيتشر العلمية، تعليقًا على نتائج الدراسة، تلقت "للعلم" نسخة منه- وهو الأمر الذي ينجم عنه وفاة الأطفال الصغار في مناطق يسودها الفقر، حيث الأقليات العرقية أو الدينية، أو في تلك الأمكنة التي تعيش فيها الشعوب الأصلية وغيرها من الفئات التي تعاني من التهميش.

كما تكشف الدراسة أن عمليات التمييز ضد المرأة تؤدي إلى الفشل في تحديد الأولويات، وأن التمييز ضد عرق معين يؤدي إلى عدم كفاية الخدمات الصحية للبالغين والأطفال من هذه الأعراق، على حدٍّ سواء. وتشير نتائج الدراسة إلى أن وفيات الأطفال غالبًا ما تُصاحب الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان، كما تؤثر عوامل مثل انعدام الأمن والعنف والصراع على ملايين الأطفال حول العالم.

في عام 1950، بلغت حالات وفيات الأطفال تحت سن الخامسة نحو 19.6 مليون حالة، تناقص ذلك العدد تدريجيًا حتى وصل إلى 5.4 ملايين حالة في عام 2017. وعلى الرغم من ذلك التقدم المهول، تُشير الدراسة إلى انعدام المساواة في أعداد الوفيات على المستوى الجغرافي، كما أن معدلات التقدم متفاوتة أيضًا عبر الفئات العمرية المختلفة؛ إذ إن معدل الوفاة في الأعمار الأكبر سنًّا أقل كثيرًا من معدلات الوفيات بين الرضع في عمر يتراوح ما بين 0 إلى 28 يومًا، وهو أمر لم تجد له الدراسة أي تفسير.

وفي حين تحققت إنجازات كبيرة فيما يتعلق بزيادة العمر المتوقع وخفض حالات الإصابة ببعض الأمراض العامة القاتلة المرتبطة بوفيات الأطفال والأمهات، إلا أن الهدف الخاص بخفض الوفيات النفاسية مع حلول عام 2030 إلى 70 حالة لكل 100 ألف ولادة يتطلب تحسينات كبيرة في نظم الرعاية الطبية المتصلة بالولادة. كما يتطلب خفض وفيات الأجنة بسبب الأمراض غير السارية إلى الثلث مع حلول عام 2030 وجودَ تقنيات أكثر كفاءةً لاستخدامها في الوقود النظيف في أثناء عمليات الطهي، فضلًا عن التثقيف الفعال فيما يتصل بمخاطر التبغ.

وتُشير الدراسة إلى أن التقديرات على مستوى الدول تُسهل عملية المقارنات بينها وبين الدول الأخرى، إلا أن "عدم التجانس الجغرافي أمرٌ مهمٌّ للغاية"؛ إذ لاحظت التقييمات السابقة لوفيات الأطفال دون سن الخامسة عدم وجود تجانس كبير داخل البلد الواحد، وخاصةً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والبرازيل، وإيران، والصين.

تدخلات أكثر فاعلية

لكن، ما الذي يهم في فهم معدلات الموت وفقًا لأماكن الولادة، إذا ما كانت تلك المعدلات تنخفض على المستوى الكُلي؟ تقول الدراسة إن ذلك الفهم سيؤدي إلى استخدام البيانات المتاحة لإجراء تدخلات بشكل أكثر فاعليةً وكفاءة في تلك الأماكن، حيث يُمكن أن تقدَّم الخدمات لمَن هم في أمسِّ الحاجة إليها.

وتشير الدراسة أيضًا إلى أن إنتاج تلك الإحصائيات يُمكن أن يُحدد العوامل الناجمة عن وفيات الأطفال، بما في ذلك توافر اللقاحات ضد الملاريا والإسهال، أو مدى سهولة الوصول إلى الخدمات الطبية في تلك الأماكن، وهو الأمر الذي سيساعد أصحاب القرار السياسي على اتخاذ ما يلزم تجاه المناطق التي يرتفع فيها معدل وفيات الأطفال.

على نحوٍ شديد الوضوح، تُقر الدراسة باختلاف معدلات وفيات الأطفال قبل بلوغهم سن الخامسة اختلافًا هائلًا بناءً على مكان وجودهم في العالم، ومكان ولادتهم داخل بلدانهم. وجد الباحثون أن أعلى مستويات معدلات الوفيات في جمهورية أفريقيا الوسطى بعدد يبلغ 123.9 حالة وفاة لكل 1000 مولود، في حين بلغ أدناها 5.1 حالات وفاة في كوبا. كما وجدت الدراسة وجود تبايُنات كبيرة على المستوى الوطني في كل دولة على حدة، ففي فيتنام على سبيل المثال، تتضاعف معدلات الوفاة بمقدار 5.7 أضعاف بين أقل المناطق تسجيلًا لأعداد الوفيات للأطفال دون سن الخامسة وأعلى المناطق؛ إذ وصلت معدلات الوفاة في مدينة هوتشي إلى نحو 6.9 لكل 1000 مولود، أما في منطقة مينج فقد بلغت 39.7 لكل 1000 مولود.

يقول "سيمون هاي" -أستاذ علوم الصحة بجامعة واشنطن، والمؤلف الرئيسي لتلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن التباين يشير إلى نقاط يجري تجاهلها عند النظر فقط إلى التقديرات على المستويات الوطنية،  فالعديد من المناطق تُكافح من أجل تحسين بقاء الطفل على قيد الحياة، في حين تحصل مناطق أخرى على خدمات وفيرة تُعينها على ذلك الأمر".

مصر والمنطقة العربية

ويشير "هاي" إلى أن معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة في مصر تبلغ 36 من بين كل 1000 طفل مولود في بلدة "باريس" الواقعة بمحافظة الوادي الجديد، في حين تنخفض لتصل إلى 12 طفلًا من بين كل 1000 طفل مولود في سيوة! مشيرًا إلى "وجود تحسُّن في جميع المناطق المصرية التي تم فحصها خلال فترة الدراسة"، إلا أنه يعود ليؤكد أن "عدم المساواة لا يزال مرتفعًا بالنسبة لتباين أعداد الوفيات في المناطق المصرية المختلفة".

هل يُمكن أن يكون الفقر سببًا من أسباب ذلك التبايُن في مصر؟ يقول "سيمون" إن الفقر عامل من العوامل. إلا أنه يعود ويؤكد أن تلك الدراسة "لم تدرس أسباب وفيات الأطفال، وبالتالي لا يُمكن استخلاص استنتاجات حول ما يُسبب على وجه التحديد ارتفاع معدلات الوفيات في منطقة وانخفاضه في منطقة أخرى".

ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة إن "الفقر أحد العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تَزِيدُ من عوامل الخطر الأخرى المُسببة لوفاة الأطفال"؛ إذ إن الأطفال الذين يعيشون في المناطق الفقيرة "يعانون من محدودية الوصول إلى التغذية الكافية والمياه النظيفة، وقد لا يحصلون على رعاية صحية موثوقة"، مشيرًا إلى أن أحد الاتجاهات المستقبلية لعمل الفريق البحثي هو "النظر بشمولية أكثر في التداخلات والأسباب التي تؤدي إلى وفاة الأطفال؛ لمحاولة فهم الروابط بشكل أوضح".

في المنطقة العربية، ارتفع متوسط العمر المتوقع للفرد من 58.5 سنة في عام 1980 إلى 70.6 سنة في عام عام 2015، كما انخفضت أعداد وفيات الأطفال من 131 لكل 1000 ولادة في عام 1980 إلى 36.8 لكل 1000 ولادة في عام 2015، وهو تحسُّن يصفه "سيمون" بالجيد. إلا أنه يعود ويؤكد أن "العالم لا يزال بعيدًا عن المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة فيما يتعلق بالحد من وفيات الأطفال".

يأمل "سيمون" أن تساعد الدراسة في الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، أهمها: لماذا يموت الأطفال بمعدلات أعلى في مناطق بعينها؟ لماذا تنجح بعض المناطق في خفض معدلات وفاة الأطفال في حين تفشل أماكن أخرى؟ ما التحديات التي تواجه كل منطقة على حدةٍ؟ وهل يُمكن تطبيق الإستراتيجيات الناجحة في المناطق التي تشهد معدلات أكبر من الوفيات؟ ما الدافع وراء النجاح؟ وما السبب وراء الفشل؟ "تلك هي الأسئلة التي فتحت الدراسة لها الباب"، على حد قول "سيمون"، الذي يؤكد أن الإجابة عليها قد تُثمر عن فرص أفضل لبقاء الأطفال وتمتُّعهم بالحياة.