"كان الأمر صدمة غير متوقعة، خاصة أنها جاءت بعد مكالمة جرت بيننا بوقت قصير، وكانت المتوفاة قد حضرت معي زفاف صديقتنا الثالثة قبل عدة أيام فقط"، هكذا تحكي "هبة" -30 سنة- ملابسات وفاة صديقتها "تغريد" على نحوٍ مفاجئ. لا تتذكر "هبة" ماذا حدث لها بعد الحادث سوى أنها بقيت عدةَ أيام دون طعام.

تشتكي هبة قلة الدعم النفسي حينها فتقول: "أطلقتُ بعدها صفحة لتغريد على موقع فيسبوك، سجلت فيها مواقفَ حدثت بيننا، لأنني لم أجد أحدًا أشاركه هذه الحكايات؛ فأقرب صديقة لنا كانت قد تزوجت للتو وسافرت، لذا أخفيت عنها الخبر، لقد مررت بوقت عصيب؛ لاضطراري إلى تصنُّع القوة وإخفاء الخبر عنها ريثما تعود من سفرها، فهي كانت الشخص الوحيد الذي بإمكاني الحديث معه عن تغريد".

الآثار السلبية والدائمة

إن فقدان شخص مقرَّب عزيز إلى النفس "حدث جلل"، لذا حظي هذا الأمر بالاهتمام من قِبَل الباحثين لمعرفة تأثير الوفاة على الأقارب، وخاصةً الأزواج، لكن لم تتطرق الدراسات إلى البحث في تأثير الوفاة على الأصدقاء، لذا قام باحثون بجامعة ستيرلينج والجامعة الوطنية الأسترالية بدراسة تأثير وفاة صديق مقرب على الحالة الصحية والنفسية والاجتماعية للمقربين منه.

استعان الباحثون ببيانات مسح استقصائي موسع امتد 14 عامًا في الفترة من عام 2002 وحتى 2015، وشمل 261515 فردًا في أستراليا، ونُشرت نتائجه في المجلة العلمية "بلوس وان".

حلل الباحثون الآثار قصيرة الأجل وطويلة الأجل للوفاة عن طريق إجراء مقابلات مع المشاركين، ومتابعتهم سنويًّا، إلى جانب استقصاءات يعبئها المشاركون بأنفسهم. جمع الباحثون معلومات عن العلاقات الأسرية والعائلية والدخل والعمل والتعليم.

كشفت الدراسة عن عدد من الآثار السلبية والدائمة التي يعاني منها المرء بعد وفاة صديق حميم، شملت تأثر الصحة النفسية والجسدية، وضعف الصحة العقلية والأداء الاجتماعي لمدة قد تصل إلى 4 سنوات بعد الوفاة.

يؤكد محمود الوصيفي -أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان بكلية طب جامعة المنصورة- تأثير الوفاة الكبير في الأصدقاء، الذي قد يتحول إلى اضطراب نفسي أو عقلي أحيانًا، قائلًا إن ذلك يعتمد على نمط العلاقة ودرجة التعلُّق بالمتوفَّى، وكذلك على سن كلٍّ منهما وطبيعة الوفاة وظروفها، وقد تمتد المعاناة النفسية في بعض الحالات الصعبة لسنوات طويلة. ويشير إلى أن السيدات يكنَّ أكثر عرضةً للإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب، وبالتالي تزداد معدلات إصابتهن عند توافر عوامل وظروف ضاغطة.

ويضيف أحمد عبد الكريم، مدرس الطب النفسي بكلية طب جامعة الإسكندرية: "قد يظن بعضهم أن فقد فرد من الأسرة قد يكون أصعب من فقدان الصديق، لكن هذا ليس صحيحًا"، مشيرًا إلى أن الأشخاص الذين يفتقرون إلى المرونة في التكيُّف مع الظروف أو تغيير أوضاعهم يجدون صعوبةً في تقبُّل وفاة الصديق، ويستغرقون وقتًا طويلًا في تقبُّل أن الحياة ستستمر من دون الشخص المتوفَّى.

النساء أكثر تأثرًا

عانت النساء من انخفاض حاد في الصحة النفسية والجسدية، وتدهوُر أكبر في الصحة العقلية، وضعف في الأداء العاطفي والاجتماعي أكبر من مثيله لدى نظرائهن الذكور، يعزو الباحثون ذلك إلى كون النساء يتقاسمن روابط اجتماعية عاطفية أكبر من نظرائهن الذكور، لكن الصحة العقلية تميل إلى التحسُّن مع مرور الوقت، وتقترب من المستوى الطبيعي بحلول السنة الرابعة.

اكتشف باحثو الدراسة أن مستوى الترابط الاجتماعي يؤدي دورًا مهمًّا، فقد وجدوا أن الأشخاص الأقل نشاطًا من الناحية الاجتماعية تعرضوا لتدهوُر في صحتهم البدنية والنفسية استمر مدةً أطول.

ووجد الباحثون أن نحو 80% من النساء اللواتي فقدن صديقًا/ة يقابلن الأصدقاء والأقارب أكثر من مرة في الشهر بالمقارنة بـ76% من الذكور، ما يشير إلى أن شبكة الإناث الاجتماعية أكبر، وبالتالي قد يتلقين مزيدًا من الدعم.

وهو ما تشير إليه هبة؛ إذ تتذكر لحظة انهيارها وبعد عودة صديقتها من سفرها وإعلامها بخبر الوفاة، وتضيف: "حولت طاقتي كلها أنا وصديقتي العائدة من سفرها إلى تذكُّر المواقف الحلوة عن صديقتنا المتوفاة، وتعريف الناس بها، وبقينا الأيام التالية نقدم الدعم النفسي لبعضنا ونتذكر المواقف الجميلة وندعو لها باستمرار".

يفسر واي مان ليو -الباحث الرئيس بالدراسة- هذه النقطة لـ"للعلم" فيقول: "مقارنة بالذكور، تتفاعل الإناث مع الأصدقاء كما لو كانوا أقرباءهن، لذلك فإن العلاقة بين الأصدقاء الإناث أقرب إلى حدٍّ كبير، وهو ما يتوافق مع نتائجنا بأن النساء عانين تدهورًا أكبر في الصحة البدنية والصحة العقلية، وعانين بدرجة أكبر من صعوبات في ممارسة الأنشطة الروتينية بسبب المشكلات العاطفية (الدور العاطفي) والأداء الاجتماعي مقارنةً بنظرائهن الذكور".

عامل السن ومستوى التدين

أشارت نتائج الدراسة أيضًا إلى أن طريقة تأقلم المرء مع الوفاة من الناحية العاطفية والجسدية والسلوكية والنفسية تختلف تبعًا للعمر والعرق والسمات الشخصية ومستوى التدين، والدعم الذي تلقَّوه، والعلاقة التي تربطهم بالمتوفى.

كما أظهرت الدراسة أن الأفراد الأصغر سنًّا يعانون أكثر من نظرائهم الأكبر سنًّا، لكن الدراسة وجدت أيضًا أن الأفراد الأكبر سنًّا يميلون أكثر إلى الشعور بالوحدة، كما تؤثر السمات الشخصية في القدرة على التكيف مع الفجيعة؛ فالأفراد الذين يتمتعون بتقدير أعلى للذات أكثر قدرةً على تحمُّل التوتر؛ فالمشاعر الإيجابية تحول دون إصابة الأشخاص بالاكتئاب والقلق الناتج من الوفاة.

من جانبه، يشير "ليو" إلى علاقة العمر بالتعامل مع الحزن؛ فكبار السن أكثر قدرةً على التعامل مع الحزن، لأنهم أكثر مرونةً بسبب النضج وتوافر الدعم الاجتماعي والمجتمعي من العائلة والأصدقاء. ويضيف: كما أن السمات الشخصية تؤثر في كيفية تكيُّف الناس مع فقدان صديقهم المقرب؛ فالأشخاص المنفتحون على مزيد من الأنشطة الاجتماعية يتاح لهم الاستفادة بمزيد من الدعم الذي تقدمه شبكتهم الاجتماعية، ويكونون أكثر استعدادًا لمشاركة مشاعرهم، وبالتالي التكيف بشكل أفضل مع خسارتهم. فقد يكون من الأسهل بالنسبة لهم "ملء الفراغ" بعد وفاة صديقهم المقرب.

وتشير الدراسة إلى أن للدين بشكل عام تأثيرًا إيجابيًّا في التعامل مع الحزن؛ إذ يساعد الأفراد في التعامل مع الأزمات الكبرى مثل الموت، وغالبًا ما تقدم المجتمعات الدينية الدعم الاجتماعي لمساعدة الأفراد في التغلُّب على فقدهم. وهو ما تؤكده هبة، إذ تقول إن تقبُّل الأمر والإيمان التام بالموت والقضاء والقدر كان له أبلغ الأثر في قِصَر فترة المعاناة.

ظاهرة عالمية

وفي دراسة مشابهة وجد العلماء أن الأصدقاء قد يعانون بشكل مماثل للأقارب عند وفاة صديق، وأنه عند وفاة أحد أعضاء الشبكة الاجتماعية، يعاني باقي أعضاء الشبكة من مستويات مختلفة من الضيق قد تُحدث توترًا في العلاقات.

دراسة أخرى أجراها باحثوها على أكثر من 15 ألف شبكة اجتماعية على فيسبوك، درسوا خلالها استجابات الشبكة بعد وفاة صديق مقرب، فتوصلوا إلى أن التفاعل بين أصدقاء المتوفى صار مكثفًا، ووصل إلى مستوى مستقر بعد عام من الموت، ما يعني أن الشبكات الاجتماعية تمثل شكلًا من أشكال الدعم الاجتماعي خلال فترة الحزن الشديد وبعدها.

التعبير عن المشاعر

وتُعد هذه الدراسة الأولى والأكبر من نوعها عالميًّا، وتقدم لأول مرة نظرة ثاقبة على التأثيرات النفسية والاجتماعية لوفاة صديق حميم؛ إذ تناولت معظم الدراسات السابقة تأثير الوفاة في الأقارب من الدرجة الأولى وغالبًا ما يكون الزوج/ة، فلم يحظ تأثير الوفاة على غير الأقارب سوى باهتمام ضئيل للغاية، رغم كونها تجربة واسعة الانتشار، فقد لا يعترف بحزن الصديق، أو لا يتلقى دعمًا اجتماعيًّا كافيًا، أو لا يستطيع التعبير عنه بشكل صريح؛ لكونه ليس من الأقرباء.

لكن على الجانب الآخر هناك العديد من القيود بالدراسة؛ إذ تعتمد بعض النتائج على بيانات من الاستقصاءات التي قام المشاركون بتعبئتها بأنفسهم، لذا قد تؤثر في الفجوة بالتأثير الإنساني نتيجةً للتحيز؛ فالنساء أكثر من نظرائهن الذكور ميلًا إلى اكتشاف مشكلاتهن الصحية والاعتراف بها.

كما لا توفر البيانات معلومات تفصيلية حول ملابسات الوفاة وسببها، والتي يمكن أن تشكل عاملًا في شدة الحزن؛ فالوفاة غير الطبيعية أو غير المتوقعة يمكن أن تزيد من شدة الحزن، وبالتالي تؤدي إلى العديد من الآثار البيولوجية والاجتماعية.

ولكن يرى الباحثون أن النتائج يمكن تعميمها، فوفاة الأصدقاء ظاهرة عالمية، مؤكدين ضرورة الاعتراف بوفاة صديق مقرب كتجربة كبيرة في حياة الإنسان، لذا يجب تقديم الدعم والخدمات الصحية والنفسية، ومشيرين إلى أهمية وجود شبكة دعم لدى الأشخاص الفاقدين، لتقليل الآثار السلبية للوفاة.

ويؤكد "ليو" لـ"للعلم" أهمية إدراك الحزن وتأثيره على المدى الطويل، ويوجه رسالة إلى المهنيين الطبيين وأرباب العمل بضرورة الاعتراف بالتأثير الكبير لوفاة صديق وتقديم الدعم عند الضرورة، فمن المهم أن يدرك المهنيون الطبيون تأثير الوفاة في الأصدقاء، وليس فقط في الأقارب.

من جانبه، يحكي عبد الموجود ندا -طبيب مقيم للأمراض النفسية والعصبية بمستشفى الخانكة للصحة النفسية- عن تجاربه مع المرضى، فيشير إلى أن تجربة الوفاة تختلف من شخص إلى آخر وفق الممانعة والصحة النفسية للشخص ومدى تعلُّقه بصديقه ودرجة القرب.

ويضيف أن الحزن نوعان: فهناك حزن طبيعي لا تتجاوز مدته 6 شهور على الأكثر، وهناك حزن غير طبيعي يتجاوز الأشهر الستة، ومن الممكن أن يؤدي إلى أمراض نفسية، مثل اضطراب التأقلم أو الاكتئاب، ويمكن أن يؤدي إلى نوبات هستيرية مثل الشلل الهستيري، وهذا خلل نفس جسماني، بجانب أنه من الممكن أن يؤدي إلى العزلة وفقدان الثقة، والخوف من الفقد، والخوف الشديد على الآخرين، ورفض علاقات جديدة.

وينصح "الوصيفي" بأن يسمح الشخص لنفسه بالتعبير عن كامل مشاعره في الوقت القصير الذي يلي الوفاة، وألا يحرج من ذلك إطلاقًا، كذلك يجب أن يسمح لذاته بالتفريغ الانفعالي من خلال الحديث عن الصديق وذكرياته للمقربين منه، وفي حالة ملاحظة أعراض اكتئابية شديدة، مثل أفكار انتحارية، أو ملاحظة المحيطين به أن أداءه الوظيفي في عمله أو في أسرته قد تأثر بشكل واضح، فيجب عندئذٍ عدم التردد في زيارة طبيب نفسي مختص.

وينوه "عبد الكريم" بضرورة أن يكون المرء مع أشخاص توفر التفهُّم والدعم، وتعطي مساحةً للحزن والغضب والقلق وكل المشاعر الطبيعية التي يمر بها المرء في مرحلة الحداد، وأن يفكر في أهمية استكمال مسيرة الشخص المفقود.