على مدى العقود الخمسة الماضية، شهد العالم 1942 كارثةً من جرَّاء الأعاصير المدارية، ما أدى إلى وفاة 779 ألفًا و324 شخصًا، وخسائر اقتصادية قدرها 1407.6 مليارات دولار أمريكي، وفق تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

وبالرغم من تلك الخسائر، أكدت دراسة حديثة أن "العدد السنوي للأعاصير المدارية انخفض بنحو 13٪ خلال القرن العشرين، مقارنةً بأواخر القرن التاسع عشر، وبالنسبة لمعظم أحواض الأعاصير المدارية، تَسارَع هذا الانخفاض منذ الخمسينيات، نتيجة ضعف دوران الغلاف الجوي في العروض المدارية".

وأوضحت الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر كليميت تشينج" (Nature Climate Change) أمس "الإثنين"، 27 يونيو، أن "الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية أدت إلى ارتفاع درجة حرارة المحيطات الاستوائية فوق مستوى ما قبل الصناعة، مع حدوث معظم الاحترار منذ منتصف القرن العشرين".

يقول الباحثون في البيان الصحفي الذي اطلعت عليه مجلة "للعلم": إنه "ليس من الواضح كيف تتغير الأعاصير المدارية في ظل الانبعاثات بشرية المنشأ؛ لأنه من المتوقع أن يؤدي ارتفاع درجة حرارة المحيطات إلى تكثيف العواصف، في حين يُعتقد أن بعض التغييرات في دوران الغلاف الجوي تمنع تكوُّن هذه العواصف". 

نتائج الدراسة الحالية تدعم البحوث السابقة، التي تشير إلى أن تغيُّر المناخ الحالي يؤدي إلى انخفاض في عدد الأعاصير المدارية، ويُعد توفير السياق التاريخي لدراسة هذه الظاهرة المناخية أمرًا صعبًا؛ إذ إن سجل رصد الأعاصير المدارية لم يكتمل بعد، خاصةً قبل بدء استخدام تقنيات الرصد عبر الأقمار الصناعية في الستينيات من القرن الماضي.

ووفق الدراسة، فإن استخدام فترة قصيرة نسبيًّا لسجل الأعاصير المدارية الموثوق به بعد مرحلة الأقمار الصناعية غالبًا ما أدى إلى التوصل إلى تقييمات متضاربة لاتجاهات الأعاصير المدارية السابقة في أستراليا وأماكن أخرى حول العالم، وفي الدراسة الحالية، استخدم فريق من العلماء الأستراليين والدوليين مجموعة بيانات وسجلات مناخية عن الأعاصير المدارية التاريخية تعود إلى عام 1850.

يقول "ساڤين تشاند"، مدرس الأرصاد الجوية في الجامعة الاتحادية بأستراليا، والمؤلف الرئيسي للدراسة: "إن استخدام هذا السجل المعاد بناؤه وبيانات نموذج المناخ المُعَد في الدراسة ساعد الفريق البحثي في الكشف عن اتجاهات متناقصة في العدد السنوي للأعاصير المدارية منذ عام 1850 على المستويين العالمي والإقليمي".

يضيف "تشاند" في تصريحات لـ"للعلم": انخفض العدد السنوي العالمي للعواصف بنسبة 13٪ تقريبًا في القرن العشرين مقارنةً بالفترة ما بين 1850 و1900، وبالنسبة لمعظم أحواض الأعاصير المدارية –ومن ضمنها أستراليا- تَسارع هذا الانخفاض منذ الخمسينيات عندما أصبح الاحترار غير مسبوق، والاستثناء الوحيد لهذا الاتجاه هو حوض شمال الأطلسي، حيث زاد عدد الأعاصير المدارية خلال العقود الأخيرة.

وتابع: قد يكون سبب هذا الاستثناء هو تعافي حوض شمال الأطلسي من انخفاض في أعداد الأعاصير المدارية بسبب انبعاثات الهباء الجوي الناتجة عن الأنشطة البشرية في أواخر القرن العشرين، ومع ذلك، لا يزال عدد العواصف السنوية أقل مما كان عليه في فترات ما قبل الثورة الصناعية.

مع ارتفاع درجة حرارة المناخ خلال القرن العشرين، أدت الظروف الجوية الأساسية -مثل انخفاض تدفق الكتلة الصاعد (مؤشر الحمل الحراري العميق)، وزيادة جفاف منتصف طبقة التروبوسفير (الطبقة الجوية السفلى الملاصقة للأرض)، وقياسات الرياح- إلى خلق بيئة أقل مواتاةً لتكوين الأعاصير المدارية على مستوى العالم، وقد يكون من الأخبار السارة أن عددًا أقل من الأعاصير يتشكل بسبب الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية.

يقول "تشاند": تتغير التوزيعات الجغرافية للأعاصير في العقود الأخيرة، ويمكن أن تُسهم هذه التغييرات -إلى جانب زيادة معدل هطول الأمطار المرتبط بالأعاصير المدارية وتباطؤ معدل وصول الأعاصير إلى اليابسة كما هو موضح في بعض الدراسات الحديثة- في حدوث الأضرار الناتجة عن الأعاصير في المناطق المدارية في جميع أنحاء العالم.

ويتوقع المؤلفون أن يساعد التحسُّن المستمر في النماذج المناخية ومجموعات البيانات الرصدية في تحديد إشارات تغيُّر المناخ البشرية المنشأ، في مقاييس أخرى مثل شدة الأعاصير المدارية واحتماليات وصولها إلى اليابسة.