تمتلك كل خلية في الجسم "شفرة قتل" (kill code)، تدفع الخلية لتدمير نفسها حال بدء تحوُّلها إلى خلية خبيثة. إلا أن آلية عمل هذه الشفرة ظلت لغزًا غامضًا حيَّر العلماء طويلًا، رغم أن تلك الشفرة أُدمجت في الحمض النووي الريبوزي (RNA) منذ أكثر من 800 مليون سنة، وفق تقديرات العلماء.

فبمجرد أن تستشعر الخلية الطبيعية أنها تتحول إلى سرطانية، يتم تفعيل "شفرة القتل" لتدمِّر –ذاتيًّا، وبشكل طبيعي- الخلية التي حدثت فيها طفرة التحول، في عملية أشبه بالانتحار. لكن تلك الشفرة لا يمكن تفعيلها في أحيان كثيرة لمحاربة الورم السرطاني العنيد؛ إذ تحتاج إلى تحفيز بالعقاقير الكيماوية.

ووفق دراسة حديثة، أجراها علماء بمركز روبرت لوري الشامل للسرطان في جامعة نورث ويسترن الأمريكية، ونُشرت نتائجها في دورية "نيتشر كوميونيكيشن"، توصل الفريق البحثي إلى الآلية التي تعمل بها تلك الشفرة.

وتبيَّن أن السرطان لا يستطيع التكيُّف مع جزيئات RNAs السامة أو مقاومتها، مما يجعلها علاجًا محتملًا مضادًّا للسرطان، في حال كان من الممكن مضاعفة كود القتل اصطناعيًّا.

ووفق العلماء، فإن عدم قدرة الخلايا السرطانية على تطوير مقاومة لهذا النوع من الجزيئات كان موضوع الاهتمام الأول لديهم. حددت الدراسة شفرة القتل وكيفية استخدام الرنا الميكروي في قتل الخلايا السرطانية، ووصفت كيف تتحول جزيئات الرناوات الكبيرة إلى رنَوات صغيرة سامة للخلايا الخبيثة.

وللوصول إلى النتائج، أجرى الفريق أبحاثه على جينوم اثنتين من الخلايا السرطانية البشرية، واثنتين من الخلايا الحيوانية، وتعرضت الدراسة لجزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة (microRNAs)، التي تتحكم في جزيئات الحمض النووي الريبوزي (RNA) للخلية وتتحد مع بعض هذه الجزيئات وتدمرها.

ويتكون كل جزيء من جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة (microRNAs) من حوالي 19 إلى 21 تتابعًا، لكن الفريق ركز على 6 تتابعات فقط للقواعد النيتروجينية الأربعة المكونة للأحماض النووية الريبوزية الدقيقة، فيما يُعرف بالــ"mer6"، وهي تشكل أماكن الاتحاد مع الـ(RNA).

وتتمثل القواعد الأربع في أدنين "A" وجوانين "G" ويوراسيل "U" وستيوزين "C"، وهذه القواعد الأربع (AGUC) تعتبر الحروف الهجائية للحمض النووي الريبوزي، وكل 3 قواعد من هذه القواعد الأربع تشير إلى حمض أميني معين يكون جزءًا من بروتين الخلية.

وبترتيب تلك التتبعات الستة في أكثر من شكل، توصل الفريق إلى 4096 توليفةً مختلفةً من القواعد النوكليوتيدية وقاموا بمعالجة الخلايا بها، وحفظوا تلك التتبعات في قاعدة بيانات إلكترونية متاحة عبر الإنترنت.

والجديد الذي توصل إليه الفريق هو تحديد جزيئات الميكرورنا (microRNAs) السامة والمميتة للخلايا السرطانية، والتي تتشكل حينما تكون تتابعات الـ" mer6" فيها غنيةً بقواعد الجوانين والسيتوزين، وتكون في الموضع 1 و2، وتشكل شفرةً قاتلةً تدمر جينات "البقاء" في الخلايا السرطانية وتقضي عليها.

"شفرة القتل"

وقال "ماركوس بيتر" -أستاذ الأورام في جامعة نورث ويسترن، شيكاغو، وقائد فريق البحث: "الآن نعلم شفرة القتل، لذلك أصبح بإمكاننا الآن استخدام جزيئات الميكرو رنا المميتة مباشرة، لاستهداف مئات من الجينات الحيوية التي تساعد الخلايا السرطانية على البقاء، بالتالي تدمر خلايا السرطان نفسها، وبإمكاننا تحفيزها دون الحاجة إلى العلاج الكيماوي ودون المساس بالجينات".

وفي حديث لـ"للعلم" أضاف "بيتر": "أمدت الدراسة الفريق بأدلة تشير إلى أنه بناءً على هذه القواعد الجديدة يمكننا تصميم "ميكرو رنا" اصطناعية فائقة السُّمِّيَّة، تستهدف قتل جميع أنواع خلايا السرطان، بل ربما تكون أقوى بكثير من الآلية الطبيعية التي تحدث بشكل تلقائي في الجسم".

وضرب مثلًا لما يحدث في الخلايا السرطانية عند استخدام جزيئات الميكرو رنا المميتة مباشرةً بالشخص الذي ينتحر بطعن نفسه، أو إطلاق النار على نفسه والقفز من مبنى في آنٍ واحد، لذلك لا يمكنه البقاء على قيد الحياة".

وأشار إلى أن الفريق استخدم هذه الآلية بالفعل لعلاج الفئران المصابة بسرطان المبيض، موضحًا: "لم نرصد أي سُمِّيَّة عند إدخال الـ"ميكرو رنا" الاصطناعية إلى الفئران. وإذا نجحت تجاربنا على الفئران والبشر، وسارت الخطط في طريقها الصحيح، فسيكون لدينا علاجٌ لجميع أنواع السرطان، وسنستطيع الاستغناء عن العلاج الكيماوي الذي ينجم عنه العديد من الآثار الجانبية.

وعن خطوات الفريق المقبلة، نوه "بيتر" بأن الفريق سيواصل تحسين مركبات الـ"ميكرو رنا" الاصطناعية للوصول إلى أفضل صيغة يمكن من خلالها إجراء تجارب على الحيوانات المصابة بالسرطان، قبل إجراء التجارب السريرية على البشر، لكنه شدَّد على أن العلاج المحتمل ربما يستغرق سنوات عديدة وفقًا لمستوى الدعم المادي الذي سيتلقاه الفريق من الجهات المانحة، إذ يتكلف تطوير دواء جديد لمكافحة السرطان اختبارات سريرية في حدود مليارين إلى 3 مليارات دولار.

قاعدة بيانات إلكترونية

من جانبها، وصفت "شيماء يحيى" -أستاذ مساعد بقسم الهرمونات بالشعبة الطبية في المركز القومي للبحوث- نتائج البحث بأنها ممتازة؛ إذ لا تقتصر أهميتها على اكتشاف آلية القتل المميتة للخلايا السرطانية فحسب، بل تتمثل أيضًا في إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية متاحة للباحثين حول العالم، تفتح المجال أمام تصميم جزيئات ميكرو رنا صناعية مميتة للخلايا السرطانية.

وأضافت لـ"للعلم"، أن الجديد الذي توصل إليه العلماء هو وضع مواصفات "الميكرو رنا" المميتة للخلايا السرطانية، عبر قاعدة البيانات، وتصنيفها من حيث درجة سُمِّيَّتها في استهداف الخلايا السرطانية، بدايةً من اللون الأحمر القاتم، الذي يدل على قوتها في قتل الأورام، وانتهاءً باللون الأخضر، الذي لا يكون فعالًا في استهداف الأورام.

وعن الآثار الجانبية المحتملة لهذا العلاج، قالت إنه لا يمكن لأحد التكهن بها قبل إجراء التجارب ما قبل السريرية على الحيوانات والسريرية على البشر، لكن الظاهر حتى الآن هو أمان تلك الطريقة وفاعليتها بعد إجراء تجارب على خلايا بشرية وحيوانية، بالإضافة إلى فئران مصابة بالسرطان حسبما أوضح الفريق.

وشبهت "يحيى" آلية عمل الـ"ميكرو رنا" الاصطناعية، بتلك التي ينتهجها عقار "سوفالدي"، الذي يستهدف جزيء الفيروس الذي ينتشر في الكبد، دون التأثير على خلايا الكبد السليمة، وهكذا تفعل الـ"ميكرو رنا" الاصطناعية، التي تستهدف جينوم الورم السرطاني الذي يتكاثر وينتشر بصورة عشوائية وغير منظمة ويقتله، دون الإضرار بالخلايا السليمة.

وسيلة علاج ثورية

فيما رأى "طارق قابيل" -أستاذ التقنية الحيوية المساعد بكلية العلوم والآداب بجامعة الباحة السعودية- أن تطبيق نتائج البحث قد يؤدي إلي وسيلة علاج ثورية؛ نظرًا إلى أنه يجنِّب المرضى التأثيرات السلبية والآثار الجانبية للعلاج الكيميائي الذي يتسبب في بعض الأحيان في حدوث سرطانات ثانوية؛ لأنه يهاجم الجينوم ويُحدث فيه تغيرات.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف قابيل أن الفكرة العامة للبحث مبشرة؛ لأن العلاج يستهدف تفعيل آلية معينة في مكان محدد وهو الخلايا السرطانية، وذلك لن يكون هناك تأثيرٌ على خلايا الجسم الأخرى؛ لأن التحدي الذي يقف أمام العلماء حتى الآن هو تشغيل "آلية القتل" دون اللجوء إلى العلاج الكيماوي.

وأشار إلى سهولة إنتاج الأحماض النووية الريبية وتخليقها، الذي يتاح حاليًّا وفق الشفرة الوراثية المكتشفة ويحدث ذلك في المختبر، مضيفًا أنه حتى عام 2010 كان هناك حوالي 940 نوعًا معروفًا من الأحماض النووية الريبية، إلا أن دورها البيولوجي ووظائفها لا تزال غير معروفة بشكل كامل، وتتكشف فائدتها يومًا بعد يوم، ويعتقد بعض الباحثين أن هذه الأحماض لها وظيفة في حماية الجسم من السرطان.

ونوه بأن الباحثين أكدوا أن عدم قدرة الخلايا السرطانية على تطوير مقاومة لهذه الجزيئات هو الهدف الأول لمثل هذا العلاج، وإذا تأكدت هذه العلاقة، يمكن للعلماء إطلاق هذه الآلية دون الحاجة إلى استخدام العلاج الكيميائي ودون العبث بالجينوم، ويمكننا استخدام هذه الرنَوات الصغيرة مباشرة، وإدخالها في الخلايا وإطلاق مفتاح القتل للتخلص من الخلايا السرطانية.