تَمَكَّنَ باحثون من معهد "رايكن" لعلوم الدماغ باليابان، بالتعاون مع آخرين من الجامعة الوطنية بسنغافورة وجامعتي طوكيو اليابانية وجون هوبكنر الأمريكية، من ابتكار طريقة جديدة لاستكشاف الخلايا العميقة بالدماغ.

ووفق دراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة "ساينس"، نجح الباحثون في الوصول لأعماق جديدة تُسهِم في الكشف عن التركيب الداخلي للدماغ عبر حقنها بجسيمات نانوية (لا يزيد حجمها عن 100 نانومتر)، ومن ثَم تسليط ضوء من الليزر عليها لإنتاج صورٍ وبياناتٍ عن نشاط المناطق المختلفة داخل الدماغ.

قبل نحو 10 سنوات، استخدم العلماء طريقةً جديدة للكشف عن الأغوار السحيقة للدماغ لدى حيوانات التجارب عبر استخدام علم البصريات الجيني، الذي عُدَّ بمنزلة ثورة علمية؛ إذ اعتمد على استخدام طريقة للسيطرة على الخلايا العصبية في المختبر، تقوم هذ الطريقة على تثبيت نوعٍ من الألياف الضوئية داخل الدماغ، وتسليط ضوء مُستحث من الليزر من مصدر خارج الجمجمة، بحيث تمتص تلك الألياف الضوء، ومن ثَم تكشف التراكيب العميقة للخلايا الدماغية التي طالما حاول العلماء الكشف عن تكوينها. وباستخدام الطريقة نفسها، يقوم العلماء بتنشيط الخلايا العصبية أو تثبيطها من خلال حث الأيونات التي تسري داخلها.

غير أن هذه الطريقة لم تكن لتنجح مع البشر، فالألياف الضوئية التي تُثبَّت داخل الدماغ تُعدُّ وسيلةً مُدَمِّرةً في حد ذاتها؛ إذ تخترق أنسجة الدماغ، وقد تؤدي إلى حدوث تشوُّهات أو أمراض عصبية فتاكة.

والآن، حقق العلماء اختراقًا جديدًا في مجال علوم البصريات الجينية، بعد أن تمكنوا من استخدام جزيئات نانوية بحقنها داخل أدمغة الفئران مباشرةً لتصل إلى أعماقها في وقت قصير.

وبعد عملية حقن الجزيئات، يقوم العلماء بتسليط أشعة الليزر من خارج الجمجمة على الدماغ المُزمَعة دراسته، لكي تمتص الجسيمات الضوء، وباستخدام الطاقة المنبعثة من الضوء يُمكن للعلماء السيطرة على الأعصاب وتنشيط الخلايا أو تثبيطها.

وتُظهر الدراسة أن الجسيمات النانوية يُمكن أن تُسهِّل السيطرة على الخلايا العصبية عن طريق استخدام الأشعة تحت الحمراء بطريقة غير غازية وبتوافق شبه كامل مع علم البصريات الجيني، إذ يتحول ضوء الليزر القريب من الأشعة تحت الحمراء إلى أطوال موجية زرقاء أو خضراء للسيطرة على الخلايا العصبية دون إتلافها، وهي ميزة تسمح بالاعتماد السريع عليها، وبتوسيع نطاق استخدامها لتشمل الثدييات الرئيسية ونقلها في وقت لاحق للإنسان.

يقول توماس ماكهيو -الباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العمل على ذلك المشروع استغرق نحو عامين كاملين، حاولنا خلالهما تطوير مجموعة من الجسيمات النانوية الحساسة للضوء، خاصةً أن الجزيئات النانوية لديها القدرة على امتصاص الفوتونات من مصادر خارجية، ما يُكسِبها القدرة والطاقة اللازمة لاختراق أعماق الدماغ دون الحاجة لإدخال ألياف ضوئية".

ويضيف أن "أحد التحديات الرئيسية التي واجهتنا تمثَّل في التأكُّد من مدى استقرار هذه الجزيئات داخل الدماغ، دون أن تتسبب في تلف الخلايا، علاوةً على التحكُّم التام بواسطة الضوء لتنشيط الخلايا العصبية وتثبيطها".

ويشير "ماكهيو" إلى أنه "سعيد تمامًا بالنتائج التي تحققت، وبالتحديات التي تغلب عليها، مضيفًا أن "الخطوة التالية هي العمل على استهداف خلايا أعمق في الدماغ، مع ضمان استقرارها على المدى الطويل، ومحاولة إصلاح الخلايا التالفة، ونقل التجربة خارج جدران المعامل".

ويأمل العلماء استخدامَ علوم البصريات الجينية في إيجاد طرق لعلاج أمراض الدماغ، كالشلل الرعاش، والصرع، وألزهايمر.