كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة "نيتشر كومينيكيشنز" أن معدل إزالة الغابات حتى لو كان طفيفًا يتسبب في انخفاض حاد في التنوع البيولوجي، وفق إحصائيات الدراسة فإن فقدان أقل من 11٪ من مساحة الغابات يرتبط بفقدان أكثر من 25% من أعداد الفقريات ( أسماك وثدييات)، خاصةً المتضمَّنة في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة، الخاصة بالأنواع المهددة بالانقراض.

يقول الدكتور سبستيان بروس -أستاذ ورئيس قسم البيئة المائية بجامعة تولوز الفرنسية والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "إن الدراسة تسلط الضوء على ضرورة أن تأخذ خطط إدارة التنوع البيولوجي في الاعتبار تأثير الأنشطة البشرية بعيدة النطاق على الحيوانات في منطقة معينة، وليس فقط تأثير الأنشطة والتدخلات المحلية، تلك الاعتبارات لها أهمية خاصة فيما يتعلق بتصميم المناطق المحمية في جميع أنحاء العالم".

قدر أحدث تقرير للمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظام الإيكولوجي IPBES، أن الأنواع المعرضة للانقراض تصل إلى حوالي مليون نوع، لكن على الرغم من هذه الملحوظة المقلقة، تظل العلاقة بين التدخلات البشرية وتراجُع التنوع البيولوجي المحلي غير واضحة جزئيًّا، ربما لأن معظم الدراسات تعتبر أن الأنثروبايزم (التدخلات البشرية لتحويل البيئة الطبيعية بهدف تكييفها مع احتياجات الإنسان) والتغيرات الناتجة في التنوع البيولوجي تحدث في النطاق المكاني نفسه، ومع ذلك، لا يمكن أن ننكر أن التنوع البيولوجي في مكانٍ ما يمكن أن يعاني من تأثيرات بيئية تحدث في نطاق جغرافي آخر.

"هذا هو الحال بشكل خاص في الأنهار، حيث تنقل المياه المواد والملوثات من المنابع إلى المصب في المحيط، هذا الترابُط داخل النظم البيئية جعل من الضروري تحديد المسافة التي تؤثر فيها التدخلات البشرية على التنوع البيولوجي المحلي"، على حد تعبير الباحث بروس.

ويُعد درع غيانا، الذي يتضمن شمال البرازيل وغيانا وسورينام، من المناطق الاستوائية الأقل تأثرًا بالأنشطة البشرية،  في غيانا -على سبيل المثال- أكثر من 90٪ من الأراضي مغطاة بالغابات، ومع ذلك فإن النمو السكاني وتطور نشاط التعدين -سواء القانوني أو غير القانوني- يؤدي إلى اختفاء محلي للغابة لصالح التعدين أو الزراعة أو الحضر.

من أجل التوصل إلى تلك النتائج، عمل فريق البحث على قياس شدة هذه التدخلات البشرية ومدى تأثيرها على التنوع البيولوجي في الأمازون، وعملوا على تحليل العلاقات بين التنوع البيولوجي المحلي والاختلالات البيئية التي تحدث في الجوار المباشر لمواقع جرد الحيوانات، وعلى بُعد 90 كيلومترًا من هذه المواقع.

تم تطبيق هذه الطريقة على أسماك المياه العذبة والثدييات البرية والمائية التي تم جردها في 74 موقعًا منتشرة في ماروني وأيابوك، وهي الأنهار الحدودية بين غيانا والبرازيل وسورينام، وفق التقرير الصحفي الذي أعده المركز القومي للبحوث العلمية

يروي بروس: "قمنا بتنظيم بعثتين ميدانيتين، واحدة في عام 2017 في ماروني والثانية عام 2018 في أويابوك، انطلقت قوارب البعثات من مصبات النهرين إلى منبعهما بمسافة تقارب 450 كم لكل نهر، استمرت كل بعثة 20 يومًا،  اعتمد نجاح تلك البعثات اعتمادًا كبيرًا على مساعدة السكان المحليين من قبائل وايانا (نهر ماروني) ووايامبي (نهر أويابوك)، والتي لا تزال تمارس حياةً تعتمد على الصيد والجمع، كما أنهم خبراء في ركوب الزوارق عبر منحدرات النهر"، يضيف الباحث: "عملنا على قياس التنوع البيولوجي في المنبع والمصب في كل نقطة التقاء، وفي كل قرية، فأصبح لدينا معلومات خاصة بالتنوع البيولوجي في 35-40 موقعًا لكل نهر".

تم تقييم التنوع البيولوجي باستخدام تقنية "الحمض النووي البيئي"، وقد أظهرت تلك التقنية كفاءةً عاليةً في حصر أسماك المياه العذبة والثدييات الكبيرة البرية والمائية، كما تُعد هذه التقنية ملائمةً للغاية، إذ إن تصفية الحمض النووي من 30 إلى 60 لترًا من الماء كافية للحصول على صورة واقعية للحيوانات في المنطقة، فساعة واحدة من استخدام تلك التقنية توفر بيانات عن التنوع البيولوجي تعادل أشهرًا من أخذ العينات التقليدية باستخدام الشِّباك أو طرق المراقبة المرئية.

وقد أظهرت نتائج الدراسة أن أقل من 11٪ من المساحة التي أُزيلت منها الغابات بين موقع أخذ العينات الحيوانية و30 كيلومترًا في اتجاه المنبع من هذا الموقع حدث فيها انخفاض كبير في التنوع البيولوجي في الأسماك والثدييات من بين الأنواع المهددة بالانقراض بنسبة 25٪ و41٪ على التوالي.

تعود إزالة الغابات في المنطقة محل الدراسة إلى تعدين الذهب، ويؤثر هذا النشاط أيضًا على جودة المجاري المائية؛ إذ يتسبب في تلوث المياه على نطاق واسع بالجسيمات الدقيقة وغيرها من الملوثات.

"نتطلع  إلى تطوير هذا النوع من التقييم  باستخدام الحمض النووي البيئي على النهر بالكامل وتكرار العينات نفسها في خلال فترة زمنية تتراوح بين 5 و10 سنوات لمتابعة التغييرات التي تطرأ على التنوع البيولوجي"، وفق بروس.

وحول ما إذا كان هذا النهج الجديد لدراسة التأثيرات البيئية يمكن تطبيقه على نهر النيل قال بروس: "بالتأكيد، ولكن نظرًا إلى أن النيل يتمتع ببيئة مختلفة ومميزة عن نهري ماروني/ أويابوك، فسيكون من الضروري عمل عينات مماثلة على النيل لقياس الأنماط المكانية للتنوع البيولوجي والتأثيرات البشرية، فالنيل هو أحد الأنهار المستهدفة في مشروع فيجيلايف الهادف إلى إنشاء مرصد للكائنات الحية، ونحن نبحث عن الدعم المالي لحصر هذا النهر، الذي يشهد تغيرات هيدرولوجية وأنثروبولوجية قوية".