يشارك ملايين المسلمين في الحج كل عام، وأولئك الذين لديهم قدرة مالية وصحية جيدة ويستطيعون تحمُّل مشقة الحج مُلزَمون بالمشاركة فيه مرةً واحدة على الأقل في حياتهم. ويمثل أتباع الإسلام ما يقرب من ربع سكان العالم، ويطمح معظمهم إلى أداء فريضة الحج بوصفها ركنًا من أركان الإسلام، وعادةً ما تصبح رغبتهم في الحج أكثر إلحاحًا مع تقدُّمهم في السن.

ونتيجة لذلك، يشارك ما بين مليونين وثلاثة ملايين مسلم سنويًّا في الحج لمدة تتراوح بين أسبوعين وشهر كامل، قادمين من جميع أنحاء العالم لزيارة الأماكن المقدسة.

وتنطوي طقوس الحج على قضاء ما يقرب من 20-30 ساعة في الهواء الطلق على مدار حوالي 5 أيام، ما قد يكون سببًا في التعرُّض لمخاطر صحية من جَرَّاء ارتفاع درجات الحرارة، وبخاصة إذا تزامن أداء هذه الفريضة مع شهور الصيف. وهو الأمر الذي حذرت منه دراسة حديثة، أجراها باحثون في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" بالولايات المتحدة الامريكية، كاشفةً عن أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة بمعدلاتها الحالية، وتنامي حدة التغيرات المناخية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ السبعينيات، قد يتأثر الحجيج سلبًا بسبب الأخطار الصحية المتزايدة المترتبة على ارتفاع درجات الحرارة.

وذكرت الدراسة، التي نشرتها دورية "جيوفيزيكال ريفيو ليتيرز" أن التغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط بمقدار درجتين عن المعدل العالمي "قد تجعل موسم الحج في المستقبل خطرًا داهمًا على صحة مَن يؤدونها"، موضحةً أن "مناسك الحج" تستوجب قضاء الحاج ما بين 20 إلى 30 ساعة في مناطق مفتوحة على مدى خمسة أيام، سواء في الطواف حول الكعبة أو رمي الجمرات أو الوقوف بجبل عرفة، الذي يستغرق وحده يومًا كاملًا يبدأ مع شروق الشمس وينتهي مع غروبها.

ووفقًا لـ"الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي"، فإن درجات الحرارة سوف تتجاوز حد الخطر في مكة في بعض مواسم الحج المقبلة، في حين تشير محطة رصد المناخ بمكة إلى أن درجة الحرارة فيها ارتفعت درجتين خلال 30 سنة امتدت من عام 1979 وحتى 2009، وهي نسبة أعلى من المعدلات العالمية. 

وقالت الدراسة إنه "من المتوقع أن يواجه الحجاج مصاعب ومخاطر في موسم الحج القادم؛ لكونه بين شهري يوليو وأغسطس، وهما أكثر شهور السنة ارتفاعًا في درجات الحرارة ومستويات الرطوبة".

ويتغير تاريخ الهجرة السنوية كل عام بسبب الاعتماد على التقويم القمري؛ إذ إن موعد الحج كل عام يختلف بمقدار 11 يومًا تقريبًا، لذلك هناك فترات معينة يأتي فيها موسم الحج خلال أشهر الصيف الحارة، ويتنبأ العلماء بأن يواجه الحجاج خطورة أيضًا في الأعوام التي سيتوافق معها قدوم موسم الحج مع أكثر شهور الصيف حرارة، وهي الفترة بين عامي 2047 و2052 وبين عامي 2079 و2086، متوقعين أن تبلغ درجات الحرارة والرطوبة في مكة والأراضي السعودية في تلك الفترات مستوياتٍ قياسيةً غير مسبوقة، وهو ما سيشكل خطرًا".

نموذج حاسوبي

استخدم الباحثون في الدراسة نموذجًا حاسوبيًّا للتنبؤ بدرجات الحرارة في السعودية عمومًا ومكة بشكل خاص، وذلك حتى عام 2100، واعتمدوا على طريقة تُعرف بـ"درجة حرارة المصباح المبلل"؛ إذ يتم ربط قطعة قماش مبللة بمصباح موصل بترمومتر، وفي هذا النموذج تتغير الدرجة التي يتم قياسها وفقًا لتغيُّر درجة الحرارة والرطوبة الحقيقية، وفي حال وصول درجة الحرارة إلى٤٠ درجة مئوية، يعجز الجسم عن تبريد نفسه، أما إذا بلغت أو تجاوزت حاجز الـ50 درجة مئوية، وهو ما يحدث في مكة والأراضي المقدسة، فإن ذلك يشكل خطرًا كبيرًا؛ إذ يُلحق ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة بشكل قياسي أضرارًا بالرأس والكُلى والقلب والعضلات.

وحذرت الدراسة من أن المشاعر التي يؤديها الحجاج في الهواء الطلق -مثل رمي الجمرات والوقوف بجبل عرفة، والتي تشكل الأركان الرئيسيّة للحج- قد تكون غير محمية في تلك الفترات؛ بسبب الكثافة العالية لأعداد الحجيج، وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة والجفاف، كما سيؤدي تغيُّر المناخ إلى زيادة كبيرة في عدد أيام الصيف؛ إذ تتجاوز درجات الحرارة في المنطقة الحد الأقصى "للخطر الشديد".

ويقترح الباحثون أن التدابير الحالية، مثل الفوهات التي توفر ضبابًا مائيًّا في بعض المواقع الخارجية، قد تساعد على الحد من تداعيات ارتفاع درجات الحرارة لمستويات قياسية، مشددين على "ضرورة استكمالها، مع فرض قيود على أعداد الحشود في بعض المواقع".

ظروف قاسية

يقول "الفاتح الطاهر" -أستاذ الهندسة المدنية والبيئية، وأستاذ كرسي المناخ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفريق البحثي يتوقع تعرُّض الحجاج لخطر شديد في الفترات التي ذكرتها الدراسة، وهي توقعات بُنيت على أساس توقعات هيئة الطقس الأمريكية، لكن هذا لا يعني أن تكون تلك الأخطار قاتلةً بالضرورة". يضيف "الطاهر" أنه "عندما يأتي الصيف في المملكة العربية السعودية، تصبح الظروف قاسية، وجزء كبير من هذه الأنشطة يكون في الهواء الطلق".

وعما إذا كانت أماكن أخرى في العالم ستتعرض لتلك المخاطر وهذا الارتفاع في درجات الحرارة في التواريخ ذاتها التي ذكرتها الدراسة، قال "الطاهر": إنه "يمكن تطبيق معايير الدراسة على أماكن أخرى، لكن محور دراستنا الحالية هو مكة"، مضيفًا: "من الممكن تجنُّب تلك التغيرات المناخية أو تقليل آثارها، لكن الأمر يحتاج إلى جهود عالمية للحد من تأثير التغيرات المناخية، كما أن السلطات السعودية يمكنها القيام بعدد من الإجراءات، ومنها تقليل عدد الحجاج، بما يضمن توفير فرص أكبر للحد من الزحام".

يضيف "الطاهر" أن "درجات الحرارة في دول الخليج ستبلغ مستويات خطرة وغير مسبوقة في عام 2070، ولن يستطيع الفرد تحمُّلها لأكثر من ٦ ساعات، ويمكننا القول بأن درجات الحرارة في المنطقة الآن عادية أو مرتفعة قليلًا، لكن الحال لن يبقى هكذا في المستقبل".

تحذيرات سابقة

تتفق نتائج الدراسة مع دراسات أخرى سابقة تطرقت إلى التغيرات المناخية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ومنها دراسة أجراها باحثون بمعهد ماكس بلانك للكيمياء؛ إذ حذرت من أن "معدل استمرار الموجات الحارة التي كانت تشهدها المنطقة لم يكن يزيد عن 16 يومًا، ولكنه سيصل إلى 80 يومًا بحلول عام 2050 و118 يومًا في عام 2100، ومن المتوقع أن تصل درجة الحرارة في الشرق الأوسط إلى 46 درجة عام 2050 و50 درجة عام 2100، وهو ما يشكل خطرًا بالغًا على صحة الناس والبيئة، وفق الدراسة.

يقول ماهر عزيز -استشاري الطاقة والبيئة وتغيُّر المناخ وعضو مجلس الطاقة العالمي- في تصريحات لـ"للعلم": "إن منطقة الشرق الأوسط، متضمنةً السعودية، تمر بتغيرات مناخية حادة وخطرة منذ سبعينيات القرن الماضي، ويكفي أن نعرف أن مدنًا مثل البصرة في العراق كانت تسمى فينيسيا الشرق الأوسط حتى سبعينيات القرن الماضي؛ لأن مناخها كان مشابهًا لمناخ جنوب أوروبا، أما اليوم فإن البصرة والقاهرة ومكة، ومعظم عواصم الشرق الأوسط ومدنه ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدلات تفوق المعدل العالمي، وتصل درجة الحرارة في المنطقة في بعض الأحيان إلى 50 درجة وأكثر، مثلما هو الحال في مدينتي الكويت ومكة، وهي أعلى درجة حرارة في العالم، ولها تأثيرات ضارة للغاية على صحة الإنسان".

وكانت مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية قد أفادت في تقرير لها أن "التعرُّض قصير الأمد للطقس الأكثر تطرفًا ولدرجات الحرارة المرتفعة من شأنه أن يؤثر على الصحة العقلية والنفسية للإنسان".

يقول محمد الأنور -أستاذ جراحة القلب بكلية طب الزقازيق- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تعرُّض الشخص لدرجة حرارة مرتفعة يمكن أن يصيبه بتشنجات وتورُّم في أنحاء مختلفة من الجسم، ويجب مراعاة أن الفئات الأكثر عرضةً للإصابة بمشكلات صحية بسبب ارتفاع درجة حرارة الجو هم مرضى القلب والأوعية الدموية والضغط وكبار السن ومرضى الكلى والرئة والذين لديهم قصور في الغدة الدرقية".

إجراءات لا بد منها

من جانبه، يوضح "عزيز" أن "هناك إجراءات يمكن اللجوء إليها لتفادي المخاطر التي ستشهدها مواسم الحج المذكورة في الدراسة بسبب ارتفاع درجات الحرارة في مكة، ومنها خفض عدد الحجاج من كبار السن والمرضى، وكذلك خفض عدد الحجاج في الفترات التي سترتفع فيها درجات الحرارة بدرجة خطرة، بما يتيح منح السلطات السعودية القدرة على توفير سبل أكثر راحةً وأكثر اعتناءً بصحة الحجاج".

وفي السياق، تشير تقارير إعلامية سعودية إلى أن "السلطات السعودية تعمل على تنفيذ مشروع ضخم بالتعاون مع شركة يابانية عالمية من أجل مساعدة الحجاج في التغلُّب على درجة حرارة الجو عن طريق طلاء الأسفلت في المناطق التي يمشي بها الحجاج لأداء مناسك الحج بمواد خافضة للحرارة".