إذا كنت تنوي شراء منزل بالقرب من الطريق السريع، فعليك مراجعة نفسك!

إذ حذر باحثون بكلية الصحة العامة بجامعة تورونتو بكندا من الأخطار التي يسببها التعرُّض لتلوث الهواء وعلاقته بعدد من الاضطرابات العقلية، كالخرف والشلل الرعاش "مرض باركنسون" والتصلب المتعدد، بعد متابعة البيانات الصحية لعدد 6.6 ملايين نسمة من البالغين المقيمين في مقاطعة أونتاريو الكندية خلال المدة من عام 2001 إلى 2012.

خلصت الدراسة المنشورة في دورية "ذا لانست" في يناير 2017 إلى أن السكن بالقرب من الطرق الرئيسية المزدحمة مرتبط بزيادة احتمال الإصابة بمتلازمة الخرف، بينما لا يرتبط الأمر بالإصابة بأمراض الشلل الرعاش أو التصلُّب المتعدِّد.

وأظهرت الدراسة ارتفاع احتمالات الإصابة بالخَرَف بين القاطنين في محيط 50 مترًا حول الطرق السريعة إلى 7%، فيما يقل خطر الإصابة كلما ابتعد محل السكن، لتصل إلى 4% بين القاطنين في مدى 50 إلى 100 متر من الطرق السريعة، وتنخفض إلى 2% بين القاطنين على مسافة 100 إلى 200 متر من هذه الطرق. ووفق تعريف منظمة الصحة العالمية فالخَرَف متلازمة تصيب كبار السن، تتَّسم بحدوث تدهوُر في الذاكرة والتفكير والسلوك والقدرة على القيام بالأنشطة اليومية. ويُعد مرض الزهايمر أحد أهم أسباب الخرف، وقد يُسهم في حدوث 60% إلى 70% من الحالات، ومن علاماته: فقدان القدرة على إدراك الوقت والمكان، وعدم التعرّف على الأقرباء والأصدقاء.

وفسَّر الباحثون تلك النتائج في ضوء تأثيرات كلٍّ من تلوُّث الهواء والضوضاء المصاحبة لازدحام المرور. إذ إن ملوِّثات الهواء من عوادم السيارات وأكاسيد النيتروجين وذرات الغبار الدقيقة والمعادن الثقيلة تتسبب في التهاب الأعصاب والإجهاد التأكسدي المرتبط بالشيخوخة، بجانب هذا فإن التعرُّض المستمر للضوضاء قد يسهم في تدهور الوظائف العقلية، وهو ما ينعكس على ازدياد معدل الإصابة بمشاكل الدماغ.

ازدحام الطرق وأمراض أخرى

إن مخاطر السكن بالقرب من الطرق الرئيسية المزدحمة لا تتوقف عند خطر الإصابة بالخرف، إذ ربطت دراسات أخرى بينها وبين ارتفاع معدل الإصابة بأمراض التدهور العقلي الأخرى وعلى رأسها ألزهايمر، إلى جانب ربطها بالإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والجهاز الدوري.

فقد أشارت دراسة منشورة في دورية الصحة البيئية في 2007، إلى أن قضاء أوقات طويلة في محيط 200 متر من الطرق السريعة يزيد من احتمالية الإصابة بمرض الربو، بالإضافة إلى سرطان الرئة.

 وعلقت إيناس سُمبل -مسؤول الصحة العامة بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين- بأن هناك أدلة علمية كافية منذ ستينيات القرن الماضي تشير إلى المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرُّض للضوضاء الناتج عن ازدحام الطرق.

أضافت: "التعرُّض للضوضاء يتسبب في ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب واضطرابات النوم، كما يؤدي إلى مشكلات بالسمع. وبسبب الظروف المعيشية، ازداد التعرُّض للتلوُّث الضوضائي في الدول المتقدِّمة والنامية على السواء، ليتحوَّل الأمر إلى مشكلة في الصحة العامة تحتاج إلى حلول من كافة الأطراف المعنية".

في السياق ذاته تكشف دراسة منشورة بدورية جمعية القلب الأمريكية في 2015 أن السكن على بُعد 50 مترًا من الطرق المزدحمة يزيد من خطر الوفاة بالسكتة القلبية المفاجئة بنسبة 38%، بينما السكن في محيط 100 متر من الطرق السريعة يرفع خطر الإصابة بضغط الدم المرتفع بنسبة 22%.

ازدحام الطرق في مصر

ويرتبط الازدحام بشكل ملحوظ بالعاصمة المصرية القاهرة، ذات التعداد السكاني الهائل -حوالي 20 مليون نسمة- هذا التزايُد السريع في عدد السكان أدى إلى ارتفاع في الرقعة المعمارية، وانعكس بدوره على تزايُد أعداد القاطنين بالقرب من الطرق الرئيسية المزدحمة.

ففي 2012 حذرت دراسة للبنك الدولي بعنوان "الازدحام المروري في القاهرة" من الأثر الملموس للاكتظاظ المروري على كلٍّ من الصحة والبيئية، نتيجةً للمعدلات المرتفعة لتلوُّث الهواء الناجم عن عوادم السيارات إلى جانب الضوضاء، وأيضًا أثر ذلك على الاقتصاد والتنمية؛ إذ يكلف الدولة حوالي 50 مليار جنيه سنويًّا.

وتوضح ذلك أمينة صبري -استشاري الأمراض العصبية بمستشفى جامعة حلوان-: "إن التلوُّث الضوضائي يتسبب في إجهاد عقلي ونفسي على السواء، تزداد حدته وفقًا لمدة التعرُّض للضوضاء، بالإضافة إلى السن التي بدأ عندها هذا التعرُّض".

وتشرح أن قضاء فترات طويلة بالقرب من المناطق ذات التكدُّس المروري -سواء في محل الإقامة أو مقر العمل- يزيد من احتمالية الإصابة بالأمراض الناتجة عن الإجهاد، وبطبيعة الحال فإن ذلك يؤدى إلى تدهوُر الصحة العامة ومن ثَم تدهوُر إنتاجية الأفراد بالمجتمع.