منذ اكتشافه لأول مرة عام 1912 بواسطة العالِم الألماني "آرنست سترومر"، اكتسب ديناصور "سبينوصورس" شهرةً واسعةً باعتباره أضخم وأشرس ديناصور آكل للحوم وطِئ الأرض؛ إذ يبلغ طوله حوالي 16 مترًا، ووزنه نحو 7 أطنان.

ودفعت تلك الشهرة الباحثين إلى تتبُّع حياة الديناصور "سبينوصورس" وكشف كثير من أسراره، لكن طريقة اصطياده لفرائسه كانت موضوع نقاش لعدة عقود؛ إذ كان يقضي يومه في السباحة وافتراس الأسماك العملاقة بينما يتزاوج ويخلد إلى النوم على اليابسة.

ولم يكن استناج طبيعة حياة "سبينوصورس" سهلًا على الإطلاق، ولطالما سادت حالة كبيرة من الجدل حول معيشة هذا الديناصور الشرس بناءً على ما اكتُشف من حفريات لهيكله العظمي.

وفي السياق، كشفت دراسة حديثة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature) أن فريقًا من علماء الحفريات في "متحف فيلد للتاريخ الطبيعي" استعانوا بالفيزياء لحسم ذلك الأمر، مشيرةً إلى أن الفريق البحثي استعان بطرق فيزيائية ليثبتوا قدرة "سبينوصورس" على السباحة والاصطياد تحت الماء.

يقول ماتيو فابري -الباحث في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: من المتعارف عليه أن السجل الحفري غير مكتمل، ومن النادر العثور على هياكل كاملة، ولقد اعتمدت الدراسات السابقة على الوصف التشريحي للعظام المختلفة ومقارنتها، وبالتالي لا نستطيع في بعض الأحيان حسم بعض الأمور المتعلقة ببيئات الحيوانات المنقرضة.

اتبع الباحثون منهجًا مختلفًا من خلال تحليل كثافة عظام "السبينوصورات" ومقارنتها بالحيوانات الأخرى مثل طيور البطريق وأفراس النهر والتماسيح؛ إذ تُعد كثافة العظام بمنزلة مقياس لمعرفة ما إذا كان هذا الحيوان قادرًا على الغطس تحت السطح والسباحة، فيعمل العظم الكثيف باعتباره عنصر تحكم في الطفو، ويتيح للحيوان غمر نفسه كاملًا.

قام الباحثون بتجميع مجموعة بيانات من قطاعات عرضية من عظام الفخذ والضلوع من 250 نوعًا من حيوانات منقرضة وأخرى تعيش الآن، وحرص الباحثون على أن يكون التجمع الحيوي كبيرًا ومختلفًا، فاختاروا حيوانات تعيش على اليابسة وأخرى بحرية، ثم قارنوا هذه المقاطع العرضية بمقاطع عرضية أخرى لعظم "سبينوصورس" وأقاربه "باريونيكس" والسبينوصورات الأفريقية من نوع "سوكومايمس".

يضيف "فابري": كان علينا تقسيم هذه الدراسة إلى خطوات متتالية؛ إذ استهدفت الخطوة الأولى فهم ما إذا كان هناك بالفعل ارتباط وثيق بين كثافة العظام والبيئة، وتمثلت الخطوة الثانية في استنتاج التكيفات البيئية للأصناف المنقرضة، وكان على الفريق إيجاد دليل يربط بين عظام الحيوانات التي لا تزال على قيد الحياة وطبيعة معيشتها سواء كانت تحيا على اليابس أم أنها سبَّاحة ماهرة، ومن ثم تطبيقها على الحيوانات لاستنتاج البيئة القديمة.

وجد الفريق البحثي أن ديناصور "سبينوصورس" وقريبه "باريونيكس" كان لهما عظام كثيفة من المحتمل أن تسمح لهما بالغطس تحت الماء للصيد، وفي الوقت نفسه، كان لدى ديناصور "سوكومايمس" عظام أخف وزنًا، ما يجعل السباحة بالنسبة له أكثر صعوبة، لذلك من المحتمل أن يخوض في الماء بدلًا من ذلك، أي يقف في المياه الضحلة ويغمس رأسه لالتقاط الفريسة، وبذلك يقضي وقتًا أطول على الأرض مثل بني جلدته من الديناصورات الأخرى.

من جهتها، تقول "جينمي أوكونر" -أمينة حفريات الزواحف بمتحف فيلد للتاريخ الطبيعي، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": لا يقتصر الأمر على وضع حد للجدل المتعلق ببيئة السبينوصورات وتقديم دليل قوي على أن بعض الديناصورات كانت قادرةً على الصيد تحت الماء (مثل طيور البطريق)، لكن تلك النتائج تمثل تحولًا في علم الحفريات.

تضيف "أوكونر": بعيدًا عن التكهنات -مثل أرى كذا وأعتقد أنه- والتي لا توصلنا إلى أي حقيقة راسخة، فإن مجموعات البيانات الكمية التي اعتمدت عليها الدراسة، باستخدام الحيوانات التي تعيش الآن، وفرت بدورها قاعدة صلبة من البيانات يمكن من خلالها تفسير الحياة القديمة وسبر أغوار الماضي.

وتتابع: لكل قاعدة شواذ؛ ففي حين أن معظم الثدييات تعيش على الأرض، لدينا حيتان وفقمات تعيش في المحيط، وثدييات أخرى مثل ثعالب الماء والتابير وأفراس النهر تحيا حياةً شبه مائية، ومن الطيور ما لا يطير مثل طيور البطريق وطيور الغاق، ونجد من مجموعة الزواحف ما يشذ عن القاعدة أيضًا مثل التماسيح والإغوانا البحرية والثعابين البحرية، وهنا يأتي الديناصور الأضخم "سبينوصورس" بطريقة معيشة لم يأت بها أي ديناصور آخر؛ إذ كان يعيش حياة مزدوجة بين اليابسة تارة والسباحة والصيد في الماء تارةً أخرى.