حذرت دراسة حديثة من تزايُد احتمالات ظهور الاكتئاب على نحوٍ ملحوظ بعد الكوارث المجتمعية، وخاصةً بالنسبة للفئات الضعيفة.

الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس كلايميت" (PLOS CLIMATE)، واستمرت عشر سنوات، استهدفت التحقق من العلاقة بين التعرُّض للآثار التراكمية للكوارث وظهور الاكتئاب في مسح شامل على الصعيد الوطني في جنوب إفريقيا.

استخدم الباحثون البيانات التي أتاحتها "دراسة ديناميكيات الدخل القومي في جنوب إفريقيا" (SA-NIDS) من 2008 إلى 2017، وتقوم "دراسة ديناميكيات الدخل القومي في جنوب إفريقيا" على متابعة حياة 28 ألف شخص من جنوب إفريقيا ومَن يعيشون معهم منذ عام 2008؛ إذ يُجري القائمون عليها مقابلات مع الأشخاص أنفسهم لمعرفة ما الذي تغير -إن وجد- بالنسبة لهم منذ آخر مقابلة معهم.

واختار الباحثون 17255 مشاركًا بالغًا في الدراسة الحالية كانوا خالين من الاكتئاب في البداية، وقد تعرض 2986 فردًا من أفراد العينة (17.3٪) للكوارث خلال مدة الدراسة.

ورغم ارتباط التعرض المتكرر للكوارث المجتمعية بظهور الاكتئاب على نحوٍ ملحوظ، إلا أن تأثيره السلبي قد يكون أكثر وضوحًا لدى الفئات المعرضة للخطر اجتماعيًّا بشكل مزمن.

ويوضح "أندرو توميتو" -المحاضر بكلية التمريض والصحة العامة بجامعة "كوازولو ناتال" في جنوب إفريقيا، والباحث الرئيسي- أن هذه الفئات تشمل النساء والأفارقة السود، والذين يصنفون ضمن مستوى تعليمي أو اقتصادي منخفض.

يقول "توميتو" في تصريحات لـ"للعلم": للأسف، ينتشر الفقر وعدم المساواة بين الجنسين في جنوب إفريقيا، وفي إطار التعرض للكوارث المرتبطة بالمناخ في هذه المنطقة، تواجه هذه الفئات قلة الموارد وتراجُع الاهتمام بالدعم النفسي للتعايُش مع عواقب الكوارث، وبالنظر إلى أن العديد من الأفراد في جنوب إفريقيا يعتمدون على الخدمات الاجتماعية وإغاثة الطرود الغذائية، والخدمات الصحية من الحكومة/القطاع العام، فإن التدخل المجتمعي الداعم يكون ضروريًّا للناجين من الكوارث، مع إعطاء الأولوية للفئات الضعيفة اجتماعيًّا للمساعدة في التخفيف من المشكلات المرتبطة بالصحة العقلية.

وتشير الدراسة إلى أن أفريقيا شهدت 1143 كارثة طبيعية وقعت بين عامي 2000 و2019، وتسببت في وفاة 46 ألفًا و78 شخصًا، وفقًا لمركز أبحاث الأوبئة الناجمة عن الكوارث، وفي عام 2019 فقط، بلغ نصيب إفريقيا من الوفيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية 23% من الإجمالي العالمي، وهو ما يوازي 238% زيادة مقارنة بالمتوسط السنوي للأعوام من 2009 إلى 2018 (6.8%).

وتُعد جنوب إفريقيا ثالث دولة في القارة من حيث عدد الكوارث الطبيعية التي شهدتها منذ عام 2000 بمعدل 54 كارثة تشمل اثنين من أكثر أحداث الجفاف تدميرًا على مدار القرن الواحد والعشرين؛ إذ تضرر 15 مليون نسمة من جرّاء الجفاف الذي ضرب جنوب أفريقيا في عام 2004، في حين تضرر 14.3 مليون نسمة بسبب الجفاف الذي أصاب جنوب أفريقيا بين عامَي 2015 و2016.

ويُعد المرض العقلي -متضمنًا الاضطرابات المزاجية المرتبطة بالتوتر مثل الاكتئاب- أحد تحديات التنمية المستدامة المُعترف بها عالميًّا، وقد يتسبب العدد المحتمل وشدة الكوارث الطبيعية في إفريقيا -أكثر من أي مكان آخر- في تفاقُم أنظمة الرعاية الصحية العامة الهشة وتقليل توافُر رعاية الصحة العقلية، بما في ذلك جنوب إفريقيا.

وتشير تقديرات الدراسة إلى أن الاكتئاب يصيب 9.8% من سكان جنوب إفريقيا، وأن 3.9٪ فقط يحصلون على رعاية الصحة العقلية التي يحتاجون إليها سواء في المستشفيات أو العيادات الخارجية، مؤكدةً أن "الاكتئاب يُعتبر أيضًا عائقًا أساسيًّا أمام التنمية، وله تأثير سلبي قوي على إنتاجية القوى العاملة من بين جميع الحالات الطبية؛ إذ تقدر الخسائر الاقتصادية المرتبطة بمكان العمل بسبب الاكتئاب في جنوب إفريقيا بنحو 4.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي".

وأسفرت الدراسة عن نتيجتين رئيسيتين، الأولى أن التعرُّض لكوارث مجتمعية تراكمية يرتبط بشكل ملحوظ بظهور الاكتئاب لأول مرة، حتى بعد السيطرة على العديد من العوامل الاجتماعية والديموجرافية مثل الجنس والعرق والمستوى التعليمي والوضع الوظيفي ومكان الإقامة (الحضر أو الريف) ودخل الأسرة، والنتيجة الثانية أن احتمال ظهور الاكتئاب لأول مرة لوحظ بشكل أكثر وضوحًا بين النساء والأفارقة السود والأشخاص ذوي المستوى التعليمي المنخفض والدخل المنخفض نتيجة تراكُم الكوارث المجتمعية.

وتؤكد الدراسة أهمية وضع سياسة للتنمية المستدامة من أجل تلبية الاحتياجات متعددة المستويات، وتنفيذ خطة واسعة للحد من مخاطر الكوارث، لمساعدة الفئات الاجتماعية الأكثر تعرضًا للخطر، وتمكين المجتمعات التي تقدم الدعم لهم في أعقاب الكوارث.

ويؤكد الباحثون أن "تغيُّر المناخ هو أكثر تحديات التنمية المستدامة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في القرن الواحد والعشرين؛ إذ تُعد هذه المنطقة من أكثر المناطق تعرضًا لتأثيرات التغير المناخي، وترتفع فيها درجات الحرارة بشكل أسرع من المتوسط العالمي، وربما يكون هذا المتغير هو المحرك الرئيسي الأكثر أهميةً للمخاطر المتعلقة بالمناخ".

يقول "توميتا": تتبَّعنا حالة أفراد يعيشون في مجتمعات عانت من كوارث متعددة خلال فترة الدراسة، وتشير معظم أبحاث الكوارث إلى أن تأثير الكوارث على الصحة العقلية قد يكون فوريًّا أو في مرحلة ما بعد الأحداث، بالإضافة إلى التمييز المهم بين التعرُّض لمسببات التوتر مرةً واحدة مقابل التعرض لها بشكل متعدد ومزمن.

ويتابع: نحن نفترض أن الآثار المتعددة والدائمة للكوارث قد تُضعف القدرة على الصمود بمرور الوقت، وأنشأنا نموذجًا بحيث يتم تحديث مجمل أحداث الكوارث في كل مرة يتعرض فيها مجتمع معين لكارثة جديدة، ونعتقد أن القدرة على الصمود تختلف تبعًا لكل مجتمع وتبعًا للأفراد الذين يعيشون فيه.