يسعى فريد بن يحيى إلى حل مشكلتين بيئيتين في آن واحد، الأولى: المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي، والثانية: المستويات المرتفعة من الملوحة في الخليج العربي. يتسبب النفط والغاز الطبيعي -وهما المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في المنطقة- في زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو، كما أن المصدر الرئيسي لمياه الشرب هو تحلية المياه، وهي عملية ينتج عنها كميات مهدرة من المياه شديدة الملوحة التي يجري التخلص منها عادة بإلقائها مرة أخرى في الخليج.

ويعتقد بن يحيى -وهو مهندس كيميائي بجامعة قطر- أنه قد توصل إلى طريقة فعالة ودقيقة لعلاج هذه المشكلة. ويقول: "الهدف هو حل مشكلتين بيئيتين مزعجتين عن طريق حل واحد ذكي، وتوليد منتجات مفيدة وقابلة للتسويق؛ لتعويض جزء من تكلفة تخزين ثاني أكسيد الكربون".

يكمن السر في هذا الحل في صورة مختلفة من عملية سولفاي الكيميائية شائعة الاستخدام التي يرجع استخدامها إلى 150 عامًا، وتتكون من سبع خطوات، وتهدف إلى إنتاج كربونات الصوديوم من أجل استخدامه في تطبيقات صناعية، يعمل العديد من الكيميائيين على تحسينها وتطويرها. قام بن يحيى بتبسيط هذه العملية جزئيًّا عن طريق استهداف إنتاج بيكربونات الصوديوم (صودا الخبز) بدلًا من كربونات الصوديوم، وبذلك يكون قد قلص عدد الخطوات اللازمة لإتمام التحويل الكيميائي من سبع خطوات إلى خطوتين فقط. حيث يُجري بن يحيى التفاعل بين ثاني أكسيد الكربون النقي والماء الفائض شديد الملوحة الناتج عن عملية التحلية في وجود الأمونيا، ما يؤدي إلى إنتاج صودا الخبز الصلبة ومحلول كلوريد الأمونيوم. وفي الخطوة الثانية، يُجري تفاعلًا بين محلول كلوريد الأمونيوم وأكسيد الكالسيوم لإنتاج محلول كلوريد الكالسيوم وغاز الأمونيا. واستعادة الأمونيا يسمح له باستخدامها مرة أخرى في الخطوة الأولى، مما يقلل من تكلفة العملية.

وما يميز الطريقة التي ابتكرها بن يحيى ويجعلها استثنائية هي أنها قضت نهائيًّا تقريبًا على الحاجة إلى التخلص من الماء شديد الملوحة الناتج عن عملية تحلية المياه، وأنتجت بيكربونات الصوديوم وكلوريد الكالسيوم وأمونيا ليُعاد استخدامها في الخطوة الأولى. كما يستخدم في هذه الطريقة ثاني أكسيد الكربون النقي، في حين أن العمليات المشابهة الأخرى تستخدم غاز المداخن الصادر من محطات توليد الطاقة، الذي يحتوي على نسبة 10% من ثاني أكسيد الكربون إلى جانب غازات أخرى. ومن سلبيات استخدام غاز المداخن أنه يضيف خطوة لفصل ثاني أكسيد الكربون النقي، مما يزيد من تكلفة العملية. وتمتلك قطر بالفعل محطات لمعالجة الغاز الطبيعي التي تصدر ثاني أكسيد الكربون النقي بالقرب من محطات التخلص من الماء شديد الملوحة، مما يجعل الحل الذي يطرحه بن يحيى فعالًا من حيث التكلفة، على الأقل في الأماكن التي فيها بنية تحتية مماثلة للنموذج القطري.

يمثل التخلص من الماء شديد الملوحة الناتج عن عمليات التحلية مشكلة كبرى تعانيها أغلب دول الشرق الأوسط. ويومًا بعد يوم، تزداد ملوحة مياه الخليج العربي ومياه البحرين الأحمر والمتوسط؛ بسبب النواتج الثانوية لعمليات تحلية المياه، مع الوضع في الاعتبار أن المنطقة تعد البؤرة الأساسية لعمليات التحلية على مستوى العالم؛ حيث تُجري الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر والبحرين وعمان مجتمعين نسبة 45% من عمليات تحلية المياه في العالم. والماء شديد الملوحة الناتج عن التحلية تكون ملوحته ضعف ملوحة ماء البحر، مع العلم بأن محطات التحلية المتقدمة لا تزال تنتج نحو مترين مكعبين من الماء شديد الملوحة عن كل متر مكعب من الماء النظيف.

وتؤدي الجغرافيا دورًا أيضًا في زيادة نسبة الملوحة؛ فهذه البحار شبه مغلقة إلى حد كبير، ومعدلات دوران المياه فيها منخفضة، كما أن كميات المياه العذبة التي تصل إليها من الأنهار -متضمنة نهر الفرات- منخفضة بسبب السدود الضخمة وتحويل مسار المياه. وقد تضاعفت الملوحة في بعض مناطق الخليج العربي في الفترة بين عامي 1996 و2008، ومن المتوقع أن تزداد بأكثر من الضعف مرة أخرى بحلول عام 2050. ويقول رائد بشيتي الشاعر -مهندس الموارد المائية بجامعة لوند بالسويد، المتخصص في تحلية مياه البحر-: "أعتقد أن الأرقام المقدرة التي تشير إلى تركيزات الملح في عام 2050 ستزيد إذا استمرت الزيادة في مشروعات التحلية بهذا المعدل الذي نشهده اليوم". ومن المتوقع أن تتضاعف سعة عمليات تحلية المياه في منطقة الخليج في الفترة بين عامي 2012 و2030.

ويشهد ساحل الخليج العربي في الوقت الحالي توجهًا متزايدًا لتحويله إلى منطقة صناعية، حيث أنشئت العديد من المجمعات الصناعية لإنتاج النفط والغاز، ومحطات توليد الطاقة، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المياه ويلوثها بالنفط والكيماويات والعناصر الغذائية والملح. كما أن تجريف البحر لتنفيذ مشروعات تطوير عقاري، مثل مشروع "جزر النخيل" و"جزر العالم" قبالة ساحل مدينة دبي يشكل عامل ضاغط آخر. وبطبيعة الحال يترتب على اجتماع هذه العوامل في آن واحد أضرار بالغة؛ ففي عامي 2008 و2009، ازدهرت الطحالب الضارة وتسببت في قتل أعداد هائلة من الأسماك وتلف الشعاب المرجانية الصلبة. كما أشارت دراسات أجريت في مناطق أخرى إلى أن التخلص من الماء شديد الملوحة في البحر يضر بالأحياء البحرية، لكن لم تُجرَ سوى أبحاث قليلة في هذا الشأن في منطقة الخليج.

بالإضافة إلى هذا، فإن إلقاء مخلفات التحلية في البحار يهدد أيضًا مصادر مياه الشرب في المستقبل، فيقول بشيتي الشاعر: "تزداد صعوبة تنظيف المياه إذا ازدادت ملوحتها"، مع الوضع في الاعتبار أن الأمر سيتطلب المزيد من الطاقة، كما ستزداد الحاجة إلى تغيير الأغشية في محطات التناضح العكسي بصورة متكررة، مما سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة. وبالفعل تشهد منطقة الخليج الآن انخفاضًا في كميات المياه النظيفة الناتجة عن تحلية كميات محددة من مياه البحر، بالإضافة إلى زيادة في التكلفة. ويضيف بشيتي الشاعر: "درست الأوضاع المستقبلية حتى عام 2050، مع تضمين جميع المحطات المخطط إنشاؤها حاليًّا، فإذا استمر الحال على ما هو عليه الآن في الخليج العربي، سيصبح استمرار عمليات تحلية مياه البحر أمرًا بالغ الصعوبة".

ينصح بشيتي الشاعر بتخفيف مخلفات تحلية المياه شديدة الملوحة كطريقة لحل مشكلة التلوث هذه. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إلقاء الماء شديد الملوحة في البحر بعيدًا عن الشاطئ أو خلطه بمياه الصرف الصحي بعد معالجتها، أو بمياه تبريد محطات الطاقة لتقليل درجة الملوحة قبل إلقائها في البحر. كما يوصي أيضًا بأن تنشئ المملكة العربية السعودية محطات جديدة على ساحل البحر الأحمر؛ إذ إنه لم يتضرر بعد بالدرجة السيئة التي تضرر بها الخليج العربي. وقال إنه ليس على دراية بعمل بن يحيى البحثي، ولكنه يشك في إمكانية أن تصبح العمليات من نوعية عملية "سولفاي" قابلة للتطبيق اقتصاديًّا.

يختلف بن يحيى مع تقييم بشيتي الشاعر، مشيرًا إلى المميزات الاقتصادية التي تنطوي عليها هذه العملية، مثل سهولة الحصول على ثاني أكسيد الكربون النقي، بالإضافة إلى بيع نواتج العملية مثل صودا الخبز وكلوريد الكالسيوم. ويقول جيمس كيتينج -الذي يتولى تسويق التكنولوجيا لصالح مكتب حقوق الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا التابع لمؤسسة قطر غير الربحية-: إنه بالإضافة إلى العديد من الاستخدامات المنزلية المعروفة لصودا الخبز، فإنها تُستخدم أيضًا لتنظيم درجة الحموضة (pH) في أثناء معالجة مياه الصرف الصحي، وفي إزالة الطلاء، وكذا في صناعة النفط والغاز. أما كلوريد الكالسيوم، الذي نحصل عليه في صورة سائلة، فيمكن استخدامه مادةً حافظة مع الخضراوات المعلبة وفي صناعة دباغة الجلود. ويقول كيتينج إن هذه العملية تهدف إلى إنتاج هذين المنتجين بتكلفة أقل من تكلفة الموردين الحاليين، ومن ثَم إيجاد طلب عليهما في هذه الأسواق الصناعية الكبرى.

ويضيف كيتينج: "هذه العملية لا تجعلنا في حاجة إلى ضريبة كربون لجعلها قابلة للتطبيق اقتصاديًّا". ويتولى كيتينج مهمة التسويق لهذه التكنولوجيا دوليًّا، ولكنه يقول: "إنها مناسبة للتطبيق أكثر في المناطق التي تعتمد بقوة على تحلية المياه، وخاصة هنا في دول مجلس التعاون الخليجي، وفي المناطق التي تنتشر فيها تحلية المياه في ظل وجود أنظمة بيئية بحرية هشة".