ذكرت دراسة نشرتها دورية "ساينس أدفانسيس" (Science Advances)، أمس "الأربعاء"، 3 يوليو أن أكثر من 100 مليون هكتار من الغابات الاستوائية المطيرة التي تعرضت لتأثيرات مدمرة على مدار السنوات الماضية، يمكنها التعافي مما لحق بها من دمار، واستعادة مقوماتها البيئية والإيكولوجية، بما يعزِّز قدرة كوكب الأرض على مواجهة تداعيات التغيرات المناخية، ويساعد على حفظ التنوع البيولوجي.

ووفق نتائج الدراسة التي شارك في إعدادها 12 باحثًا من دول مختلفة، فإن الغابات التي تحظى بفرص مواتية لاستعادة عافيتها تقع في مناطق منخفضة على امتداد المنطقة الاستوائية، بدايةً من أمريكا الوسطى والجنوبية، مرورًا بالقارة الأفريقية، وحتى جنوب شرق آسيا، وتمثل حوالي 11% من مساحة الغابات على الكرة الأرضية، وقد تُسهم في تجاوز مشكلات الاحترار العالمي، ونقص مصادر المياه وتلوثها، بالإضافة إلى وقف انقراض العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية.

وبينما أشارت الدراسة إلى أن كلًّا من البرازيل وإندونيسيا ومدغشقر والهند وكولومبيا تحتوي على الجزء الأكبر من مساحات الغابات الاستوائية المطيرة القادرة على التعافي، والتي يُطلق عليها "النقاط الساخنة للإصلاح"، فقد أظهرت أن 6 دول أفريقية، وهي رواندا وأوغندا وبوروندي وتوجو وجنوب السودان ومدغشقر، تمتلك أفضل الفرص لاستعادة الغطاء النباتي، وفق متوسط المعدلات التي أمكن قياسها.

وتعني "النقاط الساخنة للإصلاح" تلك المناطق التي فقدت أكثر من 10% من غطائها النباتي، مما يعني أنها مناطق محفوفة بالمخاطر، وأن العمل على تعافيها سيحقق أكثر فائدة وبأقل تكلفة.

يقول بيدرو برانكاليون –المتخصص في علم الغابات بجامعة "ساو باولو" البرازيلية، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن استعادة الغابات المدارية أمر في غاية الأهمية للحفاظ على صحة الكوكب، سواء بالنسبة للوقت الراهن أو للأجيال القادمة".

ويضيف "برانكاليون" أن "الدراسة تقدم -للمرة الأولى- المساعدة للحكومات والمستثمرين وغيرهم ممن يسعون إلى استعادة الغابات المدارية الرطبة في العالم، لتحديد مواقع دقيقة تكون فرص استعادة الغابات فيها قابلةً للتطبيق ودائمة وأكثر فائدة"، مشددًا على أن "استعادة الغابات أمرٌ لا بد منه، كما أنه أمر يمكن تحقيقه".

واستعان الباحثون بمجموعة من صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، ونتائج دراسة حديثة عن أربع فوائد للغابات، وهي تعزيز التنوع البيولوجي، وتخفيف حدة تأثيرات التغيرات المناخية، والتكيف مع التغيرات المناخية، والأمن المائي، بالإضافة إلى ثلاثة معايير تتعلق بجهود استعادة الغابات، وهي التكلفة، ومخاطر الاستثمار، وفرص بقاء الغابات المستعادة مستقبلًا، بغرض تقييم وتسجيل جميع الأراضي المدارية حول العالم، والتي تحتفظ بأقل من 90% من غطائها النباتي، من خلال تقسيمها إلى وحدات بمساحة كيلومتر مربع لكل وحدة.

ووفق روبن تشازدون -أستاذة علم الأحياء التطوري في جامعة كونكتيكت الأمريكية، والمشاركة في الدراسة- فإن أكثر 15 دولة تمتلك أكبر مساحات قابلة للإصلاح من الغابات الاستوائية المطيرة، توجَد ثلاث منها في المنطقة المدارية بأمريكا الوسطى والجنوبية، وخمس في أفريقيا الاستوائية، وسبع دول بجنوب شرق آسيا وأستراليا، بينما تمثلت أكثر 5 دول تمتلك أكبر مساحات قابلة للإصلاح، في كلٍّ من البرازيل وإندونيسيا والهند ومدغشقر وكولومبيا.

وأظهرت الدراسة أن 6 دول أفريقية سجلت أعلى معدل استعادة الغطاء النباتي للغابات، وهي رواندا وأوغندا وبوروندي وتوغو وجنوب السودان ومدغشقر، وقالت "تشازدون": "لقد تفاجأنا باكتشاف مثل هذه النسبة المرتفعة من الإصلاح في قارة واحدة"، وأضافت أن الدراسة تسلط الضوء على الإمكانيات المتزايدة لتحقيق نجاحات في استعادة الغابات لعافيتها في هذه البلدان الأفريقية".

ووجد الباحثون أن ما يقرب من 87% من النقاط الساخنة للإصلاح توجد ضمن بؤر ساخنة أيضًا للحفاظ على التنوع البيولوجي؛ لما تحتويه من تركيزات عالية لأنواع لا يمكن العثور عليها في مناطق أخرى، ولكنها معرضة لخطر إزالتها، كما أن 73% من تلك النقاط الساخنة توجد في بلدان سبق أن تعهدت ببذل جهود لاستعادة الغطاء النباتي بها بموجب "تحدي بون" Bonn Challenge، الذي يهدف إلى تجديد 150 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة واستعادتها بحلول عام 2020، و350 مليون فدان بحلول 2030.

وقالت "تشازدون" في تصريحات لـ"للعلم": "إن عملية استعادة الغابات لعافيتها أكثر بكثير من مجرد القيام ببساطة بزراعة الأشجار، فهي عملية طويلة الأمد، وتتطلب مشاركة المجتمع المحلي ودعمه؛ لتحقيق نتائج ناجحة ومجزية على المدى البعيد، كما أن المجتمعات المحلية تحتاج إلى المشاركة بفاعلية في القرارات المتعلقة باستخدام الأراضي، باعتبار أنها تتأثر بصورة مباشرة بتلك القرارات، وينبغي أن تستفيد منها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر".

وبالنسبة للتحديات التي قد تحول دون استعادة الغابات الاستوائية عافيتها، تقول "تشازدون": أبرز العقبات تتمثل في تحديات اجتماعية واقتصادية، إذ إن عملية إصلاح ما لحق بالغابات من دمار يجب أن تتواكب مع الجهود الأخرى، منها التنمية المستدامة، والحد من وطأة الفقر، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والتخفيف من حدة تأثيرات التغيرات المناخية".

وأضافت أن "استعادة الغابات عافيتها ليست غايةً في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غايات أخرى، وغالبًا ما يكون مصير جهود الإصلاح الفشل نتيجة بعض القرارات السيئة بشأن نوعية الأشجار التي يتوجب زراعتها، وتجاهل متطلبات السكان المحليين، بالإضافة إلى نقص التمويل المستمر".