قبل 70 عامًا، بلغ عدد سكان العالم نحو 2.6 مليار نسمة، وهو العدد الذي ارتفع إلى حوالي 7.7 مليارات في الوقت الراهن، وسط توقعات بارتفاع الرقم إلى 9.7 مليارات مع حلول عام 2050، و11 مليارًا مع حلول العام 2100.

ارتفاعٌ قابلَهُ تزايُد استيطان البشر للأماكن الطبيعية بصورة أثرت سلبًا على الحياة البرية، بدايةً من عمليات الصيد الجائرة وانتهاءً بحرائق غابات الأمازون، التي باتت ظاهرةً سنويةً يقف العالم أمامها مكتوف اليدين، مرورًا بالأنشطة البشرية المدمرة لـ"النظم الإيكولوجية الأكثر ثراءً"، وتغيُّر المناخ الذي احتل المرتبة الـ13 في قائمة أهداف التنمية المستدامة الـ17 لخطة التنمية المستدامة لعام 2030.

ومن هنا تأتي أهمية التقارير التي نشرتها مجلة "للعلم" طوال الشهور الثلاثة الماضية حول "الجرائم ضد الحياة البرية" في العالم للتعرف على الأسباب الكامنة وراء ارتكاب تلك الجرائم، والبحث عن سبل للحد منها باعتبارها "جرائم لا تسقط بالتقادم" سيكون لزامًا على الأجيال القادمة دفع فواتيرها.

فتحت عنوان "أنصار الحفاظ على البيئة يتساءلون عن أسباب الصيد غير المشروع"، نشرت "للعلم" مقالًا مترجمًا حول جهود السلطات النيبالية لمكافحة الصيد غير المشروع للحيوانات الضخمة مثل النمور والكركدنيات ودببة الباندا الحمراء وغيرها من الأنواع الأخرى، مشيرةً إلى أن "الاعتقالات المتعلقة بارتكاب جرائم ضد الحياة البرية زادت ثمانية أضعاف بين عامي 2009 و2014. وحاليًّا، تشير البيانات الرسمية إلى أن نحو ألفي شخصٍ يُعتقلون سنويًّا لارتكابهم مثل هذه الجرائم".

يقول كومار بوديل، الذي قاد فريق البحث وشارك في تأسيس منظمة «جرينهوود نيبال» Greenhood Nepal وإدارتها، وهي منظمة غير ربحية معنية بالعلم وتُركِّز على الأبعاد الإنسانية لعملية الحفاظ على البيئة: أطلقنا مبادرة تعاوُن بين موسيقار جوال من جماعة جاندهارفا العرقية يشتهر بأغانيه الشعبية الحزينة في نيبال، التي يعزفها على آلة موسيقية تُدعى السارانجي. ألف بوديل خمس أغانٍ مستوحاة من مقابلاته الشخصية، ومنها أغنية تحكي قصة فلاح مسجون بتهمة الصيد غير المشروع وكيف قاده الطمع إلى فقدان حريته والإضرار بكرامة أسرته، ويحث المستمعين على عدم ارتكاب الخطأ نفسه، والأغاني متاحة الآن على هيئة فيديوهات موسيقية على شبكة الإنترنت، وتُذاع على موجات الراديو، وتُقدم في عروض حية في مختلِف أنحاء نيبال. حيث تُعَدُّ الموسيقى إحدى أكثر طرق التواصل بساطةً، حتى الأميين قادرون على فهم أغانينا.

ويحذر تقرير نشرته "للعلم" بعنوان "حرائق الغابات في أستراليا من المرجح أن تكون قد دمرت الحياة البرية"، من أن هذه الحرائق "الكارثية" التي وثقتها سماوات اصطبغت بحمرة الدم من جَرَّاء الدخان، وأُسر كاملة تلوذ بالقوارب هربًا من الشواطئ المشتعلة، ومشاهد طبيعية تناثرت في أرجائها جثثٌ متفحمةٌ لأنواع من الحيوانات الأيقونية مثل الكنغر والكوالا، هددت حياة ما يزيد على 800 مليون حيوان في ولاية نيوساوث ويلز الأسترالية وحدها.

ونقل التقرير عن كلير ستافسكي -وهي عالِمة حيوان تعمل حاليًّا في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا- قولها: "من المتوقع أن يتفاقم الوضع بسبب التغيرات المناخية. فقد ظل علماء المناخ سنوات يحذرون من أن ارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الجفاف، وإطالة أمد مواسم الحرائق، واندلاع حرائق أكثر تواترًا وشدةً في هذا الجزء من أستراليا المشتعل بالحرائق الآن. ولكن حتى بالنسبة للعلماء، الواعين تمامًا بهذه التنبؤات، جاءت الحرائق الحالية خارج كل التوقعات".

وتحت عنوان "النظم الإيكولوجية الأكثر ثراءً تتدهور أسرع مما يُعتقد"، تناول تقرير أعده الزميل محمود العيسوي دراسةً بريطانيةً كشفت "أن بعض النظم الإيكولوجية الكبيرة على كوكب الأرض، مثل الغابات المطيرة يمكن أن تتدهور سريعًا خلال أقل من 50 سنة، وأن تدهور تجمعات الشعاب المرجانية، والتي ظلت موجودةً لآلاف السنين، لا يحتاج سوى إلى 15 عامًا فقط".

في السياق، أوضح تقرير للزميل محمد السعيد أن "أضواء السفن تهدد الحياة البحرية للنظام البيئي القطبي"، مضيفًا أن "الحياة البحرية في القطب الشمالي تتعرض لضغوط قد تصل إلى حد التدهور، بسبب الأضواء الصناعية التي تصدرها السفن المارة في المحيط القطبي في أثناء الليل. ويمكن لهذه الأضواء أن تخترق المياه إلى أعماق تبلغ 200 متر تحت سطح البحر، على مساحة تزيد على 0.125 كيلومتر مربع حول كل سفينة".

ويشير التقرير إلى أن "الأسماك والحيوانات البحرية (العوالق الحيوانية) تعتمد على إشارات الضوء الطبيعي لضبط سلوكها وأنماط هجرتها، وهو السلوك الذي يتعرض لاضطرابات بسبب الأضواء الصناعية؛ إذ يمكن للضوء الصناعي أن يشتت هذه الحيوانات ويسبب اضطراب حركتها، ومن ثم تعطيل النظام البيئي في المنطقة، وإضعاف قدرة الباحثين على مراقبة الحياة البحرية بدقة".