فجأة ودون سابق إنذار، سقط الطفل الصغير على الأرض، وأخذ جسمه في الارتجاف والاهتزاز الشديد، مشهد اعتادت الأسرة السعودية على رؤيته منذ أن اكتشفت إصابة اثنين من أطفالها بالمرض المعروف علميًّا بالصَّرع الرَمَعِيّ المُتَرَقّي  Progressive myoclonus epilepsy، فما إن بلغ الطفل الأكبر شهره التاسع، حتى تطورت لديه أعراض الترنُّح والاهتزاز المميِّزة للمرض، وعندما وصل لعامه الثاني فقد قدرته على المشي والكلام، كما تطورت لديه مقاومة للأدوية المستخدمة في العلاج. المرض الذى أودى بحياة الطفل الأول بعد معاناة 6 سنوات، لا يزال يلقي بظلاله على الأخ الأصغر الذي يبلغ الآن قرابة العامين.

ومؤخرًا، توصل باحثون من خلال دراسة حديثة نُشرت بالدورية العلمية الخاصة بالأمراض العصبية  Brainفي أكتوبر 2016 إلى آلية الإصابة بالمرض، والذي يعاني مصابوه نوبات من الصرع والشد العضلي، ما تلبث أن تتطور بظهور أعراض تنكس عصبي تتمثل في الترنُّح، وفقد القدرة على المشي والكلام والعديد من القدرات العقلية الأخرى، بالإضافة إلى تطوير مقاومة للعقاقير المضادة لنوبات الصرع.

درس الباحثون حالة الطفلين والتاريخ العائلي لهما، فوجدوا أنهما لأبوين أصحاء أبناء عم من الدرجة الأولى وبلا تاريخ عائلي لمرض الصرع، إلا من حالة واحدة في أحد الأقارب من الدرجة الثالثة. وبإجراء بعض الفحوصات على السائل النخاعي وجدوا اختلافًا في تركيز بعض الأحماض الأمينية الموجودة خلال مراحل تطور المرض، والتي تميزت بانخفاض في تركيز الجلوتامات Glutamate وارتفاع في معدلات الحمض الأميني "الجلوتامين glutamine. والجلوتامات هي الناقل العصبي الاستثاري الرئيس في الجهاز العصبي المركزي.

دراسة تسلسل إكسوم

وباستخدام تقنية تسلسل إكسوم لتحليل العينات، أوضحت النتائج وجود طفرة جينية متماثلة في الجين المنتج لبروتين " KCTD7"، والذي بدوره ينتج البروتين مبتورًا. اختبر الباحثون الوالدين لوجود تلك الطفرة فوجدوا كلًّا منهما يحملها بشكل متغاير، مما يمنع ظهور المرض لدى كلٍّ منهما.

يؤكد د. مصطفى صالح -استشاري طب أعصاب الأطفال بكلية الطب، في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، وأحد الباحثين بالدراسة- إسهام زواج الأقارب في مجتمعاتنا العربية في الإصابة بالأمراض العصبية الوراثية وخاصة الاستقلابية منها، ومن ضمنها الصرع الرمعي.

قال صالح لـ«للعلم»: "للأسف ليس لدينا إحصائيات دقيقة حول حالات الإصابة بالأمراض العصبية الوراثية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكنها قد تصل إلى 20 ضعف مثيلاتها في المناطق الأخرى".

ويشير الإكسوم إلى جزء من الجينوم البشري، يحتوي على تسلسلات مهمة، وظيفتها توجيه الجسم إلى إنتاج البروتينات الأساسية ليعمل بالشكل الصحيح. ويُعَد فحص دراسة الإكسونات أحد الفحوصات المعقدة التي جرى تطويرها حديثًا لكشف التغيُّرات في الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) للفرد المسببة أو المتعلقة بمشاكلهم الطبية، في الحالات التي يكون المرض فيها متعدد الجينات.

وقد عثرت العديد من الدراسات السابقة على الطفرة الحادثة في بروتين "KCTD7"، وشرحت الدراسة، التى نحن بصددها، ما ينجم عن وجودها، إذ لَحَظ الباحثون وجود ذلك البروتين في الغشاء البلازمي للخلايا، حيث يعمل على رفع معدل الاستقطاب بغشاء الخلية، وهي العملية التي تنتظم من خلالها حركة نقل الجلوتامين من خلال الناقلات العصبية الخاصة به.

وجد الفريق البحثي أن ذلك البروتين المبتور يمنع تدفق أيونات البوتاسيوم، مما يزيل ذلك الاستقطاب بغشاء الخلية، متلفًا بذلك تكوين الناقل العصبي الجلوتامات، ومسببًا اعتلال الوظائف العصبية والتنكس العصبي التى يشهدها مريض الصرع الرمعي المترقي. وتؤدي ناقلات الجلوتامات دورًا مركزيًّا في النقل العصبي بالحفاظ على تركيزات منخفضة من الناقلات العصبية داخل المشابك العصبية بالدماغ.

ووظيفة البروتين "KCTD7"، في حال كان سليمًا، هي عمل حالة من الاستقطاب على جانبي الغشاء البلازمي للخلية، وذلك من خلال تمرير أيونات تحمل شحنات موجبة أو سالبة، مما يحقق هذا الأثر الاستقطابي على جانبي غشاء الخلية، وبالتالي السماح بمرور الأحماض الأمينية والمواد المختلفة من الخلية وإليها، وفق حاجتها.

"مثل تلك الدراسات يفتح الباب أمام الباحثين للبحث عن العلاج من خلال فهم آلية حدوث المرض، كما يجذب الهيئات والمنظمات من أجل تمويل تلك الأبحاث" قال صالح معلقًا، وأضاف أن معظم الأمراض الوراثية يكون علاجها عن طريق العلاج الجيني، وهو إصلاح الجزء المعطوب من الجين.

وكان  الباحثون قد استطاعوا، على مدى العقود الماضية، معرفة الأسباب التى تقف وراء الإصابة بهذا النوع من الصرع، والتي يعود معظمها إلى وجود طفرات جينية. ووفقًا لتقرير صادر من المكتب الإقليمي لشرق المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية عام 2010، فإن الكثير من بلدان المنطقة يشيع فيها زواج الأقارب، وخاصة بين أبناء العم من الدرجة الأولى.

وأظهر التقرير أن تلك الزيجات تزيد من خطر الإصابة بالأمراض العصبية الوراثية في الذرية الناتجة عنها. كما أن هناك العديد من الدراسات الحديثة لباحثين من بلدان الإقليم، أكدت وجود علاقة وثيقة بين زواج الأقارب وإصابة الأطفال نتاج هذه الزيجات بالصرع.

العلاج الجيني الشخصي

وأكد د. جويل مالك -أستاذ الطب الوراثي المساعد بكلية الطب، جامعة وايل كورنيل في قطر، باحث مستقل عن الدراسة- أن العلاج الجيني الشخصي قد يساعد مثل تلك الحالات، قائلًا: "في المستقبل سنتمكن من إصلاح مثل تلك الطفرات باستخدام تقنية كريسبر، طالما لم يحدث العطب الفيزيولوجي الذي تسببه تلك الطفرة". وأشاد مالك بجودة البحث، وأشار إلى وجود العديد من الدراسات التي تجريها مؤسسات بحثية عربية في إطار الجهود المبذولة لتحديد أسباب مثل تلك الطفرات الجينية.

وأوضح صالح أن طرق تجنب الإصابة بهذا المرض تكمن في الوقت الراهن في إجراءات وقائية، مثل تجنب زواج الأقارب الذين ظهرت في عائلاتهم حالات مماثلة، وذلك لاحتمالية وجود الطفرة متنحية في الإنسان السليم يمكن ظهورها عند الزواج بشخص سليم لديه الطفرة متنحية كذلك، كما هو الحال في الطفلين المذكورين بالدراسة.

وأضاف أنه يجب أيضًا عمل فحص وراثي للجنين عند عمر 120 يومًا، وإذا ثبت وجود الطفرة فإن التخلص من الجنين في هذه الحالة "حتمي"، إذ إن المرض لا علاج له على الإطلاق حتى الآن، وفق قوله.

واختتم صالح كلامه بأن ثمة حلًّا آخر، يتمثل في تلقيح بويضة سليمة خارج الرحم، ثم فحصها بعد مرور 48 ساعة للبحث عن الجين المورث للمرض، مشددًا على أن هذه التقنية غير متوفرة في معظم الدول العربية وتكلفتها عالية، إذ تبلغ تكلفتها ما يوازي "70 ألف درهم في دولة الإمارات العربية، على سبيل المثال" وفق صالح