في تسعينيات القرن الماضي، وفي أثناء عمليات صيد اعتيادية يقوم بها الصيادون المصريون، ألقى أحدهم شباكه منتظرًا الرزق الوفير الذي طالما جاد به النهر الطيب، غير أن الشباك أخرجت عوضًا عن البلطي النيلي المميز كائنًا ذا مخالب، يُشبه الكلابات، بجسدٍ يحتوي على زوائد كالأشواك، تمتلك القدرة على قطع الشباك.

أبلغ الصياد السلطات المعنية، وبعد الاطلاع على عدة دراسات، تعرَّف العلماءُ الكائنَ الغريب، المسمى بـ"جراد البحر الأمريكي".

انتشر الكائن في طول قنوات مصر المائية وعرضها، مُحدثًا آثارًا سلبية على النظم المائية المصرية، ومُسببًا خسائر للصيادين، ورغم الدراسات، لم تفلح الوسائل المختلفة في القضاء على "الجراد" الأمريكي، الذي عُرف شعبيًّا وقتها بـ"إستاكوزا المياه العذبة"، وظل ذلك الكائن يرتع في نهر النيل، ومصارفه، وقنواته، دون أن تتمكن وسائل المكافحة من القضاء عليه.

لكن دراسة نشرتها دورية "نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن" ربما تفتح الطريق أمام العالم لفهم قدرة "جراد البحر الأمريكي" على الانتشار والتوغل؛ إذ نجح فريق بحثي دولي مكوَّن من مجموعة من العلماء من جامعات "هايدلبرج" الألمانية و"إلينوي" الأمريكية و"أنتاناناريفو" المدغشقرية من كشف التسلسل الجيني لهذا النوع من الجراد، ما يساعد على تفسير الطريقة التي غزت بها تلك الكائنات القشرية أنهار وبرك العالم، في محاولة للحد من وجودها في مصادر المياه العذبة.

الطبيعة الوراثية

فحص الباحثون التسلسل الجيني لـ11 كائنًا من جراد البحر الرخامي، نصفها يعيش في أنهار مدغشقر، فيما يعيش النصف الآخر في ألمانيا، الدولة التي نُقل منها جراد البحر إلى مدغشقر لأول مرة، ليجدوا أن جميعها متطابقة وراثيًّا إلى حدٍّ كبير.

تشير الدراسة إلى وجود ثلاث عائلات رئيسية من جراد البحر الأمريكي الرخامي، هي الكامباريدا، والأستاسيدا، والباراستاسيدا، وتتميز جميعها بهيكلٍ شبه صلب، وجسمٍ مفصلي، ومخالب، فيما تختلف العائلات الثلاث في اللون الظاهري، فمنها الرخامي –محل الدراسة- ومنها الأحمر –كالمنتشر في مصر- ومنها الأسود.

وتمتلك تلك الكائنات قدرةً كبيرةً على الانتشار السريع حتى خارج موائلها الطبيعية، فالأنثى الواحدة قادرة على وضع ما بين 200 إلى 600 بيضة في المرة الواحدة، كما أن لها قدرةً كبيرةً على التعامل مع الظروف البيئية المختلفة ومقاومة الآفات والبكتيريا التي تصيب غيرها من الأنواع.

النيل.. بيئة خصبة

انتشرت إستاكوزا المياه العذبة في مصر بعد أن جلبها أحد رجال الأعمال من الولايات المتحدة الأمريكية لتربيتها بغرضٍ تجاري في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، إلا أن مشروعه توقف بسبب عدم إقبال المصريين على شرائها، فتخلَّصَ منها بإلقائها في نهر النيل.

لكن دفء مياه النيل، وعدم وجود مُفترِسات طبيعية، ساعد على انتشارها بصورة كبيرة، كما أتاحت القدرات البيولوجية، التي تتمتع بها إستاكوزا المياه العذبة، على توغلها في الترع والمصارف، لتتوزع على نطاق جغرافي واسع، وتنتشر مهاجمةً الأسماك، ومُحدِثةً خسائر كبيرة لقطاع الصيد في المياه العذبة.

وتشير دراسة حالة نفذها محمد رضا -الأستاذ بالمعهد القومي لعلوم المصايد والبحار- إلى أن تلك الكائنات لها تأثير مدمر على الكائنات الحية المحلية؛ إذ تؤدي إلى ضغوطٍ كبيرةٍ على النظم الإيكولوجية للمياه العذبة.

ووفق الدراسة، التي نُشرت عام 2006، فإن "تلك الكائنات أدت إلى انخفاض ملحوظ في تنوع الأحياء المائية في نهر النيل، كما تسببت في تخريب السدود، ومهاجمة الأسماك داخل الشباك".

ولا يقتصر الضرر الناجم عن "إستاكوزا المياه العذبة" على ذلك فحسب، بل إن الضرر الأكبر يكمن في كونها عائلًا وسيطًا لبعض أنواع البروتوزوا (كائنات أولية تتغذى عليها بعض الديدان الطفيلية)، ما يُسبب مشكلاتٍ بيطريةً عديدةً للكائناتِ النهرية.

تكشف دراسة الحالة المصرية أن بعض الأمراض التي تستضيفها إستاكوزا المياه العذبة يُمكن أن تنتقل إلى الإنسان عن طريق تناولها، ومنها الأمراض التي تُسببها النيماتودا، وهي ديدان أسطوانية الشكل تُسبب التهاباتٍ شعبيةً حادة، كما يُمكن أن تنقل تلك الكائنات مرض التهاب السحايا إلى دماغ الإنسان.

واقترحت الدراسة آنذاك أساليبَ لمكافحة إستاكوزا المياه العذبة، منها المبيدات الكيميائية، أو جمعها ميكانيكيًّا عن طريق شِباك مُخصصة لذلك، إلا أن تلك الوسائل ظل تأثيرها محدودًا بسبب قدرة تلك الكائنات على المقاومة والتناسل.

يقول فرانك ليكو -الباحث الرئيسي وأستاذ علم الوراثة بكلية الطب بجامعة هايدلبرج- في تصريحات لـ"للعلم": "إن قدرة هذه الكائنات على المقاومة ظلت مجهولةً بالنسبة للعلماء، كما أن قدرتها على غزو مجموعةٍ متنوعةٍ من الموائل المختلفة في مدغشقر ظلت محل دهشة منذ ظهورها هناك لأول مرة في تسعينيات القرن العشرين"، موضحًا أن "دراسة التسلل الجيني لجراد البحر الرخامي تُسهِم في الكشف عن كيفية تحوُّل تلك الكائنات من مجرد قشريات تُربى في أحواضٍ مغلقةٍ إلى متسللاتٍ غازيةٍ انتشرت بطولِ الموائلِ العذبةِ وعرضها".

ويضيف أن "نجاح الفريق البحثي في الكشف عن التسلسل الجيني لجراد البحر الرخامي خطوة مهمة على طريق الكشف عن التسلسل الجيني لفصائل واسعةٍ من القشريات الأخرى، كالجمبري وسرطانات البحر والروبيان، وهي قشريات ذات جدوى اقتصادية عالية".

ووفق الدراسة، يُعَدُّ جراد البحر من الكائنات التي تحظى بمجموعة كروموسومية ثلاثية، وهذا يعني أن التعبير المظهري له ناتج من معلومات مُستقاة من ثلاث نُسخ من الجينات، الإنسان مثلًا ثنائي الكروموسوم؛ إذ يتكون من الكروموسوم X وY. عمل الفريق البحثي على فحص أكثر من 21 ألف جين من جينات الجراد الأمريكي، بحجم كُلِّي وصل إلى 3.5 جيجابايت، وقد أظهرت النتائج قدرة ذلك الكائن على التكاثر، وتحمُّله للظروف المناخية المختلفة.

أول تسلسل جينومي

يشير "فرانك" إلى أن "الدراسة استغرقت أربع سنواتٍ كاملةً، حاول خلالها فريق البحث تقديم أول تسلسل جينومي لجراد البحر الرخامي، ليجد أن البنية الجينية لذلك الكائن "غريبة" وتتسم "بالطول"؛ إذ إن جينوم إستاكوزا المياه العذبة –جراد البحر الأمريكي- أطول بكثير من الجينوم البشري"، مضيفًا أن "نشر الخريطة الجينية لتلك القشريات يعنى أن الخطوة القادمة يجب أن تكون معرفة الآليات التي تسمح لتلك القشريات بغزو المياه العذبة، والانتشار السريع، ما يُلحق الضرر بالأنواع المحلية والنظم الإيكولوجية للمياه العذبة".

يوضح "ليكو" أن "معرفة كيفية انتشار تلك الكائنات ستعني معرفة كيفية القضاء عليها بوسيلة لا تضر بكائنات المياه العذبة الأخرى".

مقاومة الأمراض

من جهته، يرى محمد عبد العزيز -رئيس قسم أمراض الأسماك بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة- أن الدراسة قدمت "خدمة جليلة" للمجتمع العلمي المهتم بدارسة القشريات؛ إذ إن معرفة التسلسل الجيني لكائنات تقاوم الأمراض -كجراد البحر- تمهد الطريق لإنتاج عقاقير يُمكن استخدامها مع الأسماك الأخرى لمقاومة الأمراض التي تفتك بها.

ويؤكد "عبد العزيز"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن مكافحة جراد البحر الأمريكي والتخلُّص منه ليس الطريقة المُثلى للتعامل معه، إذ يُمكن الاستفادة منه كمصدر غني بالبروتين، عبر صيده، وتنظيم زراعته في مياه مغلقة، إذ يحتوي على 25% من مقدار وزنه بروتينًا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، المكان الذي جاء منه ذلك الكائن إلى مصر، تنتشر المصانع المخصصة لتحضير جراد البحر الأمريكي وتعليبه تمهيدًا لشحنه إلى مختلف بقاع العالم لاستخدامه غذاءً صالحًا للبشر، كما أنه كائن سريع النمو، واسع الانتشار، مُقاوم للأمراض، صالح للأكل، ويُمكن أن يحل أزمات غذائية كبرى، خاصة مع انخفاض إنتاجية معظم البحيرات العذبة حول العالم بسبب التغير المناخي".