"ينتقي الزبون علبة السجائر وفقًا للصورة المطبوعة عليها"، هكذا عبر البائع عن السلوك اليومي لزبائنه المدخنين. فمن الواضح تمامًا أن لهذه الرسائل التحذيرية المصورة أثرًا ما، وإن كان البائع لا يعرف ماهيته.

في محاولة للرد عن هذا التساؤل ، أجرى مركز بنسيلفانيا للتبغ للعلوم التنظيمية بولاية فيلادلفيا الأمريكية دراسة لتحديد أثر الرسائل التحذيرية المصورة على علب السجائر في دفع المدخنين للإقلاع، ومقارنة تلك التي تحوي صورًا حقيقية، بالتي تحمل صورًا مرسومة أو رسائل نصية.

النتيجة كما توضحها إميلى برينان قائدة فريق البحث في الدراسة المنشورة يوم 9 ديسمبر 2016؛ أظهرت ارتفاع أثر الرسائل المصورة عن غيرها، وعرض الباحثون على المدخنين علب سجائر تحمل ثلاثة أنواع من الملصقات.

الأولى تحمل صورة لشخص حقيقي سبب له التدخين مشكلات صحية كبيرة، والثانية تحمل صورة مرسومة ومرفق بها رسالة تحذير نصية، أما الثالثة فتحمل تحذيرًا نصيًّا فقط، وهو ما يُستخدَم حاليًّا في الولايات المتحدة الأمريكية.

وطرح الفريق البحثي على المشاركين أسئلة حول انطباعاتهم الأولى عن الملصق المعروض أمامهم، وهل أثارت الصورة أي نية لديهم للإقلاع عن التدخين. وبعد مرور خمسة أسابيع، توجه الباحثون للمشتركين من جديد بسؤال: هل حاولتم الإقلاع عن التدخين خلال الفترة الماضية؟ وهل نجحت المحاولة؟

في النهاية لَحَظ الباحثون ارتفاع أثر الرسائل المصورة عن باقي الأنواع، إذ وصلت نسبة مَن حاولوا الإقلاع عن التدخين إثر مشاهدة هذا النوع 15.4% من المشاركين، فيما أعرب 7.4% فقط ممن عُرضت عليهم الرسائل النصية عن محاولتهم للإقلاع.

غلاف العلبة

يظل من الواضح أن أثر الرسائل على اختلاف أنواعها لم يكن مرتفعًا كما يتمنى الباحثون، وهو ما يشير إليه إيهاب الخراط، استشاري الطب النفسي ومدير برنامج الحرية من الإدمان والإيدز، ويقول: "من الأفضل الحد من أناقة تغليف السجائر".

وألمح الخراط إلى أن الدراسات في هذا المجال أثبتت أن الأثر الذي يحدثه تغيير نمط تغليف السجائر أعلى من تغيير الرسائل التحذيرية، "في أحد الدراسات لُحِظ أن وضع السجائر في أكياس ملونة غير أنيقة ومحو الاسم أو العلامة التجارية من على العلبة يحد من الإقبال عليها".

يستند هذا الرأي إلى جهود بذلتها منظمة الصحة العالمية خلال العقد الماضي للحد من تداعيات التدخين، الذي يسبب وفاة 6 ملايين شخص سنويًّا وفق المنظمة. وأسفرت تلك الجهود عن التوصل إلى "اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ" بتوافق 180 طرفًا.

وتوفر الاتفاقية للدول معلومات عن الوسائل المساعدة التي يمكن استخدامها لتطوير سياسات الحد من استهلاك التبغ، ومنها رفع الضرائب واستخدام الرسائل التحذيرية ومواصفات هذه الرسائل.

ونصت المادة 11 من الاتفاقية على "عدم الترويج عن طريق تغليف منتج التبغ وتوسيمه" ورسمت صورة لما يجب أن يشمله الغلاف، كأن تكون الرسالة الواردة عليه معتمدة من السلطة الوطنية المختصة ومتغيرة، وتغطي ما بين 30%- 50% من مساحة العرض المتاحة.

هذا الشكل من التغليف أُطلق عليه "التغليف البسيط أو الأولي"؛ إذ يجري عمل نمط واحد للعلب تحتذي به جميع شركات التبغ، وهو أمر ثبتت فاعليته مع المدخنين، إذ تُكتَب أسماء الشركات المختلفة بنوع ومقاس موحد للخط، وبحيث تكون الشعارات على العلب بألوان ثابتة.

وتستند هذه الاتفاقات إلى دراسات علمية عديدة، توصِّف تفاعل المخ مع الرسائل الإعلانية، والأثر النفسي لها، فعلى سبيل المثال توضح دراسة أجراها فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في يناير 2014، أن المخ يقوم بعملية ترجمة الصورة إلى معلومة فى وقت أقل بكثير من عملية ترجمة النص.

فمن المعروف أن عملية ترجمة النصوص تستغرق من المخ حوالي 100 جزء من الثانية ، في حين أن ترجمة الصور لا تستغرق من المخ سوى 13 جزءًا من الثانية. ولأن المخ يميل إلى التقاط المعلومات السهلة ترجمتها، لذا فـ90% من المعلومات التي تصل إلينا تكون على هيئة صور.

ولكن هل إدراك المخ للمخاطر الصحية كافٍ لتغيير سلوكيات الشخص؟ تجيب عن هذا السؤال دراسة منشورة بدورية الطب الحيوي الوسيط في مارس 2015، خلصت بعد عمل اختبارات على 128 مدخنًا بريطانيًّا، إلى أن التغليف الأولي التي اقترحته منظمة الصحة العالمية وتم تطبيقه في أستراليا أسهم في وصول الرسالة التحذيرية الموضحة على الغلاف، ولكن لم يؤدِّ إلى تغيير سلوك المدخن.

وتعليقًا على الدراسة يقول جوهر نبيل -رئيس مجلس إدارة شركة POD للعلاقات العامة والإعلان-: "إنه فى العموم يكون تأثير الإعلان الذي يحمل صورًا أضعاف تأثير الإعلان الذي لا يحمل أية صور، وذلك لما للصور من أثر عاطفي؛ إذ يضع الإنسان نفسه مكان صاحب الصورة"، ويستحضر أنه بالتأكيد قد يختلف الأثر على المتلقي المصري عن غيره؛ لاختلاف عوامل عدة مثل مستوى التعليم.

مصر ومكافحة التدخين

تاريخ الجهود المصرية لمكافحة التدخين يرجع إلى الثمانينيات، حين أصدرت الدولة قانونًا يُلزِم الشركات بكتابة عبارات تحذيرية على علب السجائر، وفى 2002 كان القرار الأهم وهو منع الإعلانات المباشرة وغير المباشرة لمنتجات التبغ.

وفى عام 2005، وقعت مصر على الاتفاقية الإيطالية لمكافحة التبغ، والتي تُلزِم الدول الموقِّعة باتخاذ إجراءات وسن قوانين للحد من التدخين، منها رفع الضرائب ورفع أسعار التبغ ومنع التدخين في بعض الأماكن. وفي 2007 أصدرت الدولة القانون رقم 154 لمنع التدخين في الأماكن المغلقة، أما وضع الصور التحذيرية على علب السجائر فبدأ في عام 2008 وألزمت الدولة الشركات باستخدام 4 صور وتغييرها بشكل سنوي.

ومنذ 2010 تم رفع الضرائب على السجائر أربع مرات، كما حظرت بعض الكليات -منها كلية الهندسة، جامعة القاهرة- التدخين داخل أسوارها، ووضعت غرامات على المدخنين منذ 2015، وهو المنحى الذي يثني عليه عوض تاج الدين -وزير الصحة الأسبق في مصر- إذ يقول: "لن ينخفض عدد المدخنين في مصر بسبب صور كتلك. فانتشار الأمية والجهل يجعل درجة استيعابهم -وبالتالي استجابتهم- ضعيفة جدًّا، والحل يكمن في تطبيق قوانين تحارب التدخين، مثل منعه في الأماكن العامة".

إن الدراسات في هذا المجال إنما تفتح الباب أمام معرفة أثر وضع رسائل تحذيرية على منتجات أخرى تضر بالصحة، مثل المشروبات الغازية وغيرها.