قبل نحو عام دخل "ر.أ"، إلى مستشفى كفر الشيخ العام في مصر، لتلقِّي العلاج، لمعاناته من مشكلات صحية فى الكلى، لتكشف الفحوصات الطبية التي أُجريت له إصابته بفيروس متلازمة العوز المناعي المكتسب (الإيدز).

ولإبطاء تطور الفيروس داخل الجسم يحتاج "ر.أ" إلى الانتظام في تناول توليفة من ثلاثة أدوية، وللتأكد من نجاح الأدوية في إدخاله ضمن فئة المتعايشين مع الفيروس، يجب أن يُجري تحليلًا مكلفًا ماديًّا كل أسبوعين على الأقل، الأمر الذي لا تقوى عليه إمكانياته المادية.

فلا تزال إدارة فيروس نقص المناعة البشرية 1 (HIV)، الذي يعطل الجهاز المناعي عن طريق مهاجمة الخلايا السليمة، تمثل تحديًا عالميًّا كبيرًا في مجال الصحة في الدول النامية؛ لافتقارها إلى البنية التحتية والأطباء المدربين.

لمواجهة هذا الأمر، صمم باحثون من مستشفى أمراض النساء في بريجهام أداة تشخيص محمولة بأسعار معقولة، لها القدرة على اكتشاف فيروس نقص المناعة البشرية ومراقبته، باستخدام الهاتف المحمول وتطبيقات تكنولوجيا النانو، ما يمكِّن من إدارة علاجه بالكفاءة المطلوبة، وبخاصة في المناطق محدودة الموارد.

يساعد الابتكار الجديد "ر.أ" وأقرانه من المتعايشين مع الفيروس البالغة أعدادهم 36,7 مليون نسمة حول العالم، وفق الإحصائية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية في عام 2015، على إجراء تحليل شخصي لمتابعة مستوى الفيروس في الدم، دون الحاجة للذهاب إلى المستشفى.

تصف ورقة علمية لباحثين من جامعة هارفارد الأمريكية نُشرت أكتوبر الماضي، في دورية نيتشر كوميونيكيشن "Nature Communications" هذا الابتكار بأنه استطاع تطوير الهاتف المحمول إلى ما يشبه آلية عمل الميكروسكوب، لتحليل نشاط الفيروس من خلال رصد الحمض النووي الفيروسي.

ويُعَد الكشف المبكر عن فيروس "إتش آي في" أمرًا بالغ الأهمية لمنع تطور المرض وانتقاله، وهو ما يتطلب مراقبةً طويلة المدى، ما يشكل عبئًا على العائلات الفقيرة التي يتعين عليها أحيانًا السفر للوصول إلى العيادة الطبية أو المستشفى.

يمثل هذا النظام المحمول السريع منخفض التكلفة طريقةً جديدةً للكشف عن العدوى الفيروسية، من شأنها أن تقلل من خطر انتقال الفيروس، كما يمكن أن تُستخدم أيضًا كمؤشر للكشف عن فرص نجاح العلاج المبكر من عدمه.

سعى الفريق البحثي إلى تصميم أداة بسيطة منخفضة التكلفة، تجعل من اختبار فيروس نقص المناعة البشرية ومراقبته أمرًا ممكنًا للأفراد في الدول النامية، التي تقل فيها فرص حصولهم على الرعاية الطبية اللازمة.

قام الباحثون بإنشاء منصة يمكنها تحديد (آر إن إيه) RNA أو الأحماض النووية الخاصة بالفيروس من قطرة دم واحدة. يشرح "محمد شحاتة دراز"، من قسم الهندسة الطبية بمستشفى بريجهام لأمراض النساء وكلية الطب في جامعة هارفارد الأمريكية، وعضو الفريق البحثي، تفاصيل هذا الابتكار قائلًا: هو عبارة عن حامل تم تصنيعه باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، يثبت عليه الهاتف المحمول (بطريقة أشبه بغلاف الهاتف)، ويوجد في هذا الحامل تجويف يستوعب رقاقةً دقيقةً من الزجاج (تشبه الشريحة المجهرية المستخدمة في معامل التحاليل) يجري تحميلها بعينة الدم عليها.

يتم وضع الشريحة في مكان مخصص لها ملاصق لكاميرا الهاتف، حيث تستطيع الكاميرا (تؤدي دور الميكروسكوب) تشخيص العينة واكتشاف وجود الفيروس من عدمه.

وتتمكن كاميرا الهاتف من أداء هذه المهمة اعتمادًا على نظرية جديدة غير مسبوقة في التشخيص يستخدمها الفريق البحثي لأول مرة، وتعتمد -كما يوضح "دراز"- على استخدام كرات "ميكرومترية" ذاتيه الحركة يطلق عليها "الميكرو موتورز" ابتكرها الفريق البحثي.

والميكرو موتورز هي كرات حجمها 6 ميكرونات ومصنعة من بوليمر يشبه البلاستيك "بولي إستيرين"، ويوجد على سطحها جزيئات من البلاتين في حجم النانو، وعند وضعها في ماء الأكسجين "بيروكسيد الهيدروجين"، يتفاعل مع البلاتين لإنتاج غاز الأكسجين على سطح الكرات، مما يدفعها إلى الحركة.

يواصل "دراز" شرح آلية عمل التقنية الجديدة، مضيفًا: "عندما يضع المريض عينة الدم على الشريحة يحدث تفاعل بيوكيميائي يُطلَق عليه اسم (LAMP)؛ إذ يتضاعف الحمض النووي الفيروسي، الذي –بدوره- يرتبط بـالميكرو موتورز ويعوق حركتها التي يتم رصدها تحت عدسة الهاتف المحمول، فعلى سبيل المثال إذا كان الفيروس موجودًا ونشطًا تتكون شبكة من الحمض النووي الفيروسي تعوق حركة "الميكرو موتورز"، وعندها يُظهِر الهاتف تقريرًا مختصرًا بأن العينة المختبرة موجبة، ولكن إذا لم يحدث تغيُّر في حركتها كان معنى هذا أن الفيروس غير موجود وتصبح العينة سالبة.

تقنية فريدة من نوعها

يقول دراز: "يمكن للمريض بسهولة عند تزويده بالمواد الكيميائية التي تساعد على تضاعف الحمض النووي الفيروسي وكرات (الميكرو موتورز)، أخذ عينة دم لنفسه، وإضافتها إلى هذه المواد في أنبوبة اختبار لتحدث التفاعلات السابقة، قبل أن يضع عينة الدم على الشريحة لاختبارها".

ويضيف: "لكننا لا نسعى إلى تسويق الابتكار بهذا الشكل؛ إذ نعمل حاليًّا على تجنيب المريض عمل تلك الخطوة من خلال إنتاج جهاز متكامل، لا يحتاج من المريض سوى إضافة العينة على الشريحة، التي ستكون محتويةً على جميع المواد الكيميائية وكرات الميكرو موتورز، لتظهر له النتيجة مباشرة".

وأطلق الفريق البحثي على هذه التقنية اسم (CALM)؛ لأنها تساعد المريض على تهدئة الضغط العصبي الواقع عليه، والذي تسببه الزيارات الدورية للمستشفى، وهي تُعَد فريدةً من نوعها لثلاثة أسباب يذكرها "دراز".

يقول: "الميكرو موتورز المقدمة في البحث هي الأولى من نوعها التي تعتمد على استخدام جزيئات البلاتين النانومترية للتحكم في الحركة، بالإضافة إلى أن هذه التقنية توظف قدرة تفاعل الـ(LAMP) على إنتاج كمية كبيرة من الحمض النووي الفيروسي، تؤدي إلى تغيُّر حركة الجزيئات، وثالثًا فقد تم دمج كل ذلك في الهاتف المحمول".

ويمكن تعديل هذه التقنية بشكل بسيط لتكون ملائمة لتشخيص أي فيروسات أخرى غير الإيدز، كما يؤكد "دراز".

ويضيف: "هي تعتمد على تشخيص الفيروس من خلال تقدير كمية الحمض النووي في العينة، وبالتالي فإن إجراء تعديل بسيط فيها سيسمح لنا بالكشف عن أي فيروس أو بكتيريا من خلال الحمض النووي لها، وبخاصة فيروس سي، فهو مثل فيروس الإيدز، يتألف من مجموعة فيروسات الحمض النووي الريبوزي RNA".

تجربة عملية

وخضعت هذه التقنية لتجربة عملية على عينات من المرضى، جرت خلالها المقارنة بينها وبين التحليل التقليدي الخاص بفحص العد الكمي للفيروس، البي سي آر «PCR»، وأظهرت النتائج نجاح التقنية الجديدة في تشخيص العينات بنسبة 99.1٪، مقارنةً بالتحليل التقليدي.

وتُستخدم تقنية «PCR» لتضخيم كميات ضئيلة من الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزومي (RNA)، الذي يُعَد سمةً مميزةً لكل نوع من الكائنات الحية، وأيضًا مميزة لكل فرد من أفراد هذا النوع.

كما جرت مقارنتها مع تقنية الـiSCA (تحليل يشبه البي سى آر، يستهدف منطقةً شديدة التحفُّظ في الحمض النووي لفيروس الإيدز)، التي تُعَد الأشهر في تشخيص ومتابعة المتعايشين مع فيروس إتش آي في بالولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ إنها شديدة الحساسية حتى ولو لنسخة واحدة من الفيروس (يستطيع اكتشاف الفيروس حتى لو وُجدت منه نسخة واحدة فقط في العينة)، وأظهرت النتائج تطابقًا بين التقنيتين بنسبة تصل إلى ١٠٠٪.

ورغم نجاح التقنية وفق التجربة العملية التي تم توثيقها في البحث، يرى "خالد ثابت"، استشاري الحميات بوزارة الصحة المصرية، أن تطبيقها في الدول النامية سيتناسب مع مقدمي الخدمة الطبية وليس مع المرضى أنفسهم.

يقول "ثابت" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "الوضع في الدول النامية مختلف؛ إذ لا يزال المريض يفضل الأشكال التقليدية للتحليل ولا يثق إلا بها"، وفق رأيه.

ويشدد على أنه "إضافة إلى ذلك، فإن هناك مخاطر من أن استخدام هذه التقنية في المنازل قد يترتب عليه احتمالية انتقال العدوى لآخرين؛ فنحن نتعامل مع عينات دم لمرضى حاملين للفيروس".

حمى الموبايل

ولم يجد "دراز" صعوبةً في الرد على الملحوظتين اللتين أبداهما "ثابت"، فافتراض أن المريض قد لا يثق إلا بالوسائل التقليدية، ليس ملائمًا لحالة مريض الإيدز، الذي يحتاج إلى كَمٍّ كبير من الفحوصات بشكل دائم ومنتظم، بما يصيب معظمهم بالضجر، ولذلك سيكونون سعداء للغاية إذا توافرت لهم وسيلةٌ تغنيهم عن الذهاب إلى المستشفى بشكل دائم، لا سيما أن هذه الوسيلة لن تكلفهم كثيرًا.

ووفق دراسة الجدوى التي أعدها الفريق البحثي، فإن ثمن الجهاز الذي سيساعد الموبايل على إجراء الاختبار سيقل ثمنه عن 5 دولارات، وهو مبلغ ضئيل جدًّا إذا وُضع في مقارنة مع تكلفة التحليل التقليدي، التي تصل إلى ما يقارب الـ50 دولارًا، وفق "دراز".

ويضيف: "الشرط الوحيد لإجراء هذا الاختبار بخلاف امتلاك هذا الجهاز منخفض السعر، هو أن يكون لدى المريض هاتف محمول مزود بكاميرا، والأرقام تقول إن ذلك لم يعد صعبًا".

ووفق الأرقام التي رصدها البحث فإن هناك حالةً من الحمى في استهلاك الموبايل، إذ وصل عدد مستخدمي الهاتف المحمول في أفريقيا إلى ما يقرب من 4.8 مليارات عام 2016، ومن المتوقع أن يصل إلى 5.7 مليارات بحلول عام 2020.

وأفريقيا من أكثر قارات العالم الموبوءة بهذا الفيروس، فمن بين 40 مليون شخص مصابين به حول العالم، يوجد 28.5 مليونًا في أفريقيا وحدها، وفق إحصائية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وفي ظل افتقار غالبيتهم إلى الموارد، فإن استهلاكهم للمحمول يوفر إمكانيات واعدة في تطوير أدوات الصحة المتنقلة (mhealth) وتشخيصات المراقبة التي يمكن أن تساعد في سد الفجوة في إدارة الأمراض المعدية.

أما عن التخوف من العدوى، فيؤكد "دراز" أن التقنية آمنة إلى حدٍّ كبير؛ لأن المواد الكيميائية المستخدمة فيها تؤدي إلى إبطال نشاط الفيروس قبل بداية مضاعفة الحمض النووي الفيروسي، وسيكون استخدام الجهاز لمرة واحدة فقط.