تعتبر "النيونيكوتينويد" أحد أكثر المبيدات الحشرية شيوعًا واستخدامًا حول العالم، منذ ظهورها في الأسواق في عام 1991 تحت الاسم التجاري إيميداكلوبريد (IMD)، إذ تُستخدم مع أكثر من 140 محصولًا زراعيًّا في 120 دولة بأشكال مختلفة، إما عن طريق حقنها في التربة، أو حقن الأشجار بها، أو رشها على النبات، أو حتى تغليف البذور بها.

ونتيجةً لهذا الاستخدام المكثف أصبحت مبيدات IMD مادة ملوِّثة للتربة والماء والهواء، وازداد الأمر خطورةً عندما اكتشف علاقة النيونيكوتينويد بإبادة النحل، إذ وجد الباحثون أن لها تأثيرًا سامًّا للغاية على النحل بشكل قد يُهدد بانقراضه.

وتعمل مبيدات النيونيكوتينويد من خلال الارتباط بمستقبلات الأسيتيل كولين النيكوتينية الموجودة على خلايا اللافقاريات المُستهدفة (الحشرات)، وهي بذلك تحاكي عمل النواقل العصبية "أستيل كولين"، مما يؤدي إلى التحفيز المستمر للخلايا العصبية، الذي يقضي بدوره على الحشرات المُستهدفة.

وكان الاتحاد الأوروبي قد أصدر في عام 2018 بيانًا يحظر استخدام 3 أنواع من مبيدات النيونيكوتينويد وعلى رأسها مبيدات IMD، في حين أصدرت العديد من الحكومات خارج الاتحاد الأوروبي إجراءاتٍ حاسمةً لتحجيم استخدام هذه المبيدات، وحظر استخدامها خارج الصوبات الزراعية، وهو النهج ذاته الذي اتبعته مصر، وفق تصريحات صحفية لرئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية، محمد عبد المجيد، في نوفمبر 2019، الذي قال إن القرار يأتي في إطار تطبيق قرارات المرجعيات الدولية، ومنها قرار المفوضية الأوروبية.

ولتحجيم الأثر الضار لهذه المبيدات، لا بد أن نكون قادرين على تحديد مستوى التلوث، وهذا ما سعت إليه الدراسة المنشورة في دورية "ساينتفك ريبورتس"، التي أجراها فريق بحثي يضم باحثين من مصر وروسيا وبلجيكا، من أجل تطوير جهاز استشعار سعوي Capacitive sensor  -يقيس السعة الكهربية- للكشف عن بقايا مبيدات IMD في عينات من المياه تضم مياه نهر النيل.

يعمل جهاز الاستشعار من خلال تفاعُل كهروكيميائي، ويُعد هذا أول استخدام لمُستشعر سعوي يعتمد على تقنية البوليمرات جزيئية الطباعة للكشف عن مبيدات IMD في المياه.

البوليمرات المُذهلة

البوليمر هو مركب كيميائي ذو وزن جزيئي كبير مكون من عدة جزيئات أصغر تسمى "المونمرات"، ويجري تجميع تلك المونمرات في سلاسل كبيرة مترابطة من خلال التفاعلات الكيميائية، في عملية كيميائية تسمى بالبلمرة، استخدم الباحثون تقنية الطباعة الجزيئية -والتي تُعرف أيضًا بـ"البصمة الجزيئية" لمعالجة البوليمرات.

تقول سوزان العقاد -الباحثة في كلية العلوم الصيدلانية بجامعة غينت البلجيكية، وقسم الكيمياء الصيدلانية بالهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية في مصر، والباحثة الأولى في الدراسة- في حديثها مع مجلة "للعلم": "البوليمرات جزيئية الطباعة هي جسيمات مركبة لها تجاويف تتناسب تمامًا مع المادة التحليلية المستهدفة -في هذه الحالة الـ IMD- بحيث يمكن أن ترتبط بها بشكل انتقائي، أي ترتبط بها دون غيرها، ولهذا تُعرف بكونها (أجسامًا مضادة بلاستيكية)".

ويوضح بو ماتياسون، أستاذ التكنولوجيا الحيوية بجامعة لوند السويدية -في حديثه مع مجلة "للعلم"- هذه التقنية قائلًا: "عندما تمشي حافي القدمين على شاطئ رملي، ستترك آثار أقدام فريدةً من نوعها، إذا حاول شخص آخر السير في آثار أقدامك فلن يكون ذلك ناجحًا تماما"، ويعتقد "ماتياسون" -الذي أشاد بأهمية الدراسة- أن الخاصية الانتقائية التي تتمتع بها تلك البوليمرات "مذهلة للغاية"، ويضيف: "البوليمرات جزيئية الطباعة قادرة على الارتباط بالمركبات المستهدفة بإحكام، وهذا هو الأساس الذي ترتكز عليه التحليلات الحساسة".

عند تكوين البوليمرات جزيئية الطباعة، يُخلط المُركب المُستهدف -الذي نحتاج إلى تحليله- أو قالب مشابه له مع المونمرات في أثناء عملية البلمرة، وخلال تلك العملية تشغل الجزيئات المُستهدفة بعض المسافات بين سلاسل البوليمر، وبعد أن تنتهي العملية يُزال القالب أو المركب المُستهدف، تاركًا خلفه تجاويف تتناسب بشكل فريد مع المركبات المُستهدفة، ولها قدرة عالية على الارتباط بها فقط دون غيرها عند التعرُّض لها.

 رغم أن تقنية الطباعة الجزيئية تُعدُّ جديدةً نسبيًّا، إلا أن تميزها بالانتقائية العالية وثباتها الحراري والكيميائي جعل منها بديلًا واعدًا للطرق التقليدية في تحليل المواد المُعقدة، وتستخدم البوليمرات جزيئية الطباعة على نطاق واسع في عملية الفصل الكروماتوجرافي وفصل المواد الصلبة ومعالجة المياه، وأجهزة الاستشعار الكيميائية.

كما كانت هناك بعض الدراسات حول استخدام البوليمرات جزيئية الطباعة للكشف عن مبيدات IMD في المواد الغذائية بشكل أساسي، ولكنها تضمنت العديد من جوانب القصور؛ إذ كان من الصعب استخراج القالب المُستهدف من البوليمرات، فكانت تُستخدم مرةً واحدةً فقط، إلا أن "العقاد" وفريقها تمكَّنوا من إعادة استخدام مجموعة واحدة من البوليمرات 32 مرة، وهو ما وصفه "ماتياسون" بالأمر المثير للإعجاب.

يقول "ماتياسون": "في وقت سابق، كانت تقنية الأجسام المضادة هي الاختيار الأمثل، ولكن الآن أثبتت البوليمرات جزيئية الطباعة أنها جيدة جدًّا ولديها قدرة الأجسام المضادة على الارتباط بجزيء معين، بالإضافة إلى كونها أكثر استقرارًا ويمكن إعادة استخدامها عدة مرات".

ووفقًا لدراسة سابقة نُشرت في أبريل الماضي، فإن الأجسام المضادة تكون غير مستقرة في البيئات القاسية، كتلك التي تتميز بدرجات حرارة مرتفعة، على سبيل المثال، وبالتالي فهي تحتاج إلى ظروف معينة، ولا يمكن الاعتماد عليها في الكشف عن المبيدات الحشرية.

المُستشعر السعوي.. الخيار الأفضل

يقول محمد عطية، الباحث في قسم الكيمياء بجامعة نورث وسترن الأمريكية: "نُشر فيما سبق العديد من الأبحاث التي تعتمد على استخدام البوليمرات جزيئية الطباعة لتطوير أجهزة استشعار، ولكن هذه الدراسة تُعد خطوة جيدة نحو تطبيقات حقيقية للكشف عن مبيدات IMD في المياه"، ويعتقد "عطية" أن القدرة على إعادة استخدام البوليمر من خلال التجديد التلقائي، ويعني إمكانية استخدامه لأكثر من مرة، تُعتبر حلًّا هندسيًّا ذكيًّا لمشكلة كيميائية.

أثبتت تقنيات الاستشعار الكهروكيميائي كفاءةً عالية في تطبيقات المراقبة البيئية على مدار السنوات الماضية، ومن خلال الاستشعار الكيميائي يمكننا تجنُّب استخدام تقنيات الفصل الكروماتوجرافي التقليدي، الذي يتطلب تحضيرًا طويلًا للعينات، وكميةً كبيرةً من المواد الكيميائية والمعدات باهظة الثمن.

ويُعرف هذا النوع من الأجهزة بأجهزة الاستشعار السعوية، التي أصبحت مثيرة جدًّا للاهتمام في السنوات الأخيرة، إذ استُخدمت في تطبيقات طبية وحيوية مختلفة، ويُعد الاستشعار السعوي نوعًا من التقنيات الكهروكيميائية الحساسة للغاية، التي تُستخدم للكشف عن التغيرات في المجال الكهربائي نتيجة تفاعلٍ ما -في هذه الحالة، التفاعل بين مبيدات IMD والبوليمرات جزيئية الطباعة- وترجمة هذه التغيرات إلى معلومات مفيدة، من المعروف أن هذه التقنيات حساسةٌ للغاية.

يوضح "ماتياسون": "في المُستشعر المُستخدم في الدراسة، عندما ترتبط الجزيئات المستهدفة بالمستشعر، يتعرف المُستشعر على التغيير الحادث في قيمة السعة الكهربية؛ إذ تتناسب القيمة المُسجلة بالجهاز مع تركيز مبيدات IMD في المياه".

تحديات وخطط مُستقبلية

يعتقد "عطية" أن التحقق من كفاءة أجهزة الاستشعار ليس بالأمر السهل، ويعتقد أن من أهم عيوب الدراسة اختبار الجهاز على تركيزات عالية من مبيدات الـIMD إذا ما قُورنت بالتركيزات الفعلية في عينات مياه من المسطحات المائية.

يضيف عطية: "استخدم الباحثون في تجاربهم تركيز 1275-25500 ميكروجرام من مبيدات IMD في كل لتر تقريبًا، أما التركيز الفعلي في المسطحات المائية فيمكن أن يتراوح بين أقل من 1 ميكروجرام إلى 100 ميكروجرام في كل لتر تقريبًا، لذلك هناك حاجة إلى مزيد من الاختبارات باستخدام مستويات تركيز أكثر واقعية".

كما أشار إلى أن تطوير تقنيات الكشف عن الملوثات الدقيقة أمرٌ مهمٌّ للغاية، إذ إن عدد المواد الكيميائية في الأسواق وفي منتجاتنا الاستهلاكية تجاوز مئة ألف مادة كيميائية، من ضمنها الأدوية ومبيدات الآفات ومنتجات العناية الشخصية، هذا يعني أننا بحاجة إلى جهود بحثية لتطوير تقنيات بسيطة وفعالة؛ للكشف عن عدد كبير من الملوثات بشكل أكثر عمومية.

تتفق "العقاد" مع ذلك، وتقول ردًّا على "عطية": إن تطوير تقنية للكشف عن العديد من الملوثات في الوقت نفسه هو حلم لأي باحث، خاصة إذا كنت تريد تقنيةً يمكن تطبيقها في الموقع، لكن الجهاز الذي طورناه لا يسمح لنا بتحليل أكثر من مادة فى المرة الواحدة، ولكنه يوفر مزايا أخرى، مثل خاصية التشغيل الآلي؛ إذ يمكن ببساطة ضخ العينات بالتتابع مع التجديد التلقائي لسطح قطب الجهاز دون أي تدخل، لذا فهو جهاز عملي ومفيد جدًّا، وفق رأيها.