منذ علمه بإصابته بالفشل الكلوي لم يكن هناك خيار آخر أمام "صبحي عبد الحي" 75 سنة، سوى الغسيل الكلوي؛ ليبدأ مرحلةً من العلاج استمرت خمس سنوات وانتهت بوفاته في أثناء تلقِّيه إحدى الجلسات في مستشفى ديرب نجم المركزي في محافظة الشرقية (شمال شرق مصر) يوم 15 سبتمبر الماضي.

 وكان "عبد الحي" ضمن ثلاثة مرضى لفظوا أنفاسهم الأخيرة، "من الضروري أن نعرف كيف توفي ولماذا؟".. بهذه العبارة صرخ أقارب "صبحي"، رافضين تسلُّم جثته قبل معرفة سبب الوفاة، وخاصةً بعد أن تَسلَّم أهالي المرضى الآخرين جثث ذويهم وشروعوا في تجهيزها للدفن.

تحدث "سعيد عبد العزيز" -أحد أقارب صبحي عبد الحي- لـ"للعلم" عن رغبة الأسرة في معرفة سبب الوفاة؛ لاشتباههم في وجود سرٍّ ما، يقول "عبد العزيز": "رعشة شديدة أصابت جسده، وإفرازات بيضاء كانت تخرج بغزارة من فمه، كان يصرخ ويتلوى من الألم"، مضيفًا: "لم يكن وحده مَن يصرخ، فقد شاركه المرضى المحيطون به، وسط فزع من أسرهم وغياب الطبيبة المسؤولة عن العنبر، وبعد استدعائها ومحاولتها إسعافَه وافته المنية".

وعندما عرف "عبد العزيز" أن صيانة وحدة معالجة المياه هي السبب، تساءل عن دور وزارة الصحة في الرقابة على صيانة أجهزة الغسيل الكلوي، لافتًا إلى الاستعانة بمحامٍ لمتابعة نتائج التحقيقات.

قصة "عبد الحي" ليست الأولى ولا الوحيدة، ففي ليلة السبت الموافق 15 سبتمبر الماضي، لم تتوقف "فردوس عبد الله" (62) سنة عن الضحك في سهرة منزلية مع أبنائها وأحفادها، حتى غالبها النعاس لتستعد في صباح اليوم التالي لتلقِّي جلسة الغسيل الكلوي في المستشفى ذاته، وكانت من قبل تتلقى جلسات العلاج في مستشفى في قرية طحا (إحدى قرى ديرب نجم) وما إن بدأت جلسة الغسيل الكلوي حتى ظهرت عليها أعراض غير مفهومة، وفق زوجة ابنها التي كانت ترافقها، ثم توفيت وتلتها حالتان.

يقول "سامح عبد المولى" -ابن فردوس عبد الله- إنه بمجرد علمه بما ألمَّ بوالدته ذهب إلى وحدة الغسيل الكلوي، ووجد أحد المسعفين إلى جوارها يحاول إسعافها وهي لا تستجيب، فطلب منه تركها، وبهدوء شديد اصطحبها إلى المنزل وقرر وإخوته دفنها، "كنت أعلم جيدًا أن والدتي توفيت بسبب الإهمال، إلا أنني لم أرغب في تعريض جثمانها للتشريح"، مضيفًا: مع حضور جهات التحقيق إلى المستشفى وطلبهم إعادة الجثمان عدت إلى المستشفى، ولكني لا أشعر أن حقها سوف يرد إليها، وفق قوله.

ذكر "عبد المولى" أن والدته في يوم الحادثة مرت بأعراض مثل حدوث تشنُّج في جسدها، وكانت تتلوى من الألم وتصرخ حتى توفيت.

التحقيقات المبدئية لواقعة "ديرب نجم" كشفت عن أن وحدة معالجة المياه هي المتهم وراء الحادثة؛ لوجود ميكروب فيها، رغم خضوعها للصيانة في اليوم السابق للواقعة. بدأ تشغيل الوحدة في شهر يونيو عام 2018، أي قبل ثلاثة شهور من الواقعة، وتُعَد المياه مكونًا رئيسيًّا من مكوِّنات سائل الغسيل الكلوي التي تخضع للمعالجة قبل الاستخدام، وفق تصريحات "شريف أنيس"، مسؤول إدارة الكلى في وزارة الصحة المصرية.

مهمة وحدات تنقية المياه في مراكز الغسيل الكلوي هي تنقية المياه وفلترتها قبل أن تذهب إلى ماكينة الغسيل الكلوي، ولهذه المياه مواصفات خاصة، منها ألا يكون فيها معادن زائدة أو سموم، وتكلفة صيانة هذه الوحدات كبيرة، لذلك يوجد إهمال في الصيانة، بالتالي تحدث وفيات؛ نتيجة تسرُّب معادن كثيرة للمريض، لا سيما في حالة معاناة المرضى من مشكلات صحية في القلب والكبد.

من أبرز المواصفات والمعايير المتبعة عالميًّا، في هذا الإطار، مواصفات ومعايير الجمعية الأمريكية للنهوض بالأجهزة الطبية، وذلك للحد من حدوث السُّمِّيَّة الداخلية، والتي إذا زادت حدتها يمكن أن تؤدي إلى الوفاة الفورية، ومن أبرز توصيات الجمعية الأمريكية ضرورة إجراء نظام للرصد والصيانة.

توجَد مراكز الغسيل الكلوي في المستشفيات الحكومية والعسكرية والجامعية، وكذلك في مستشفيات القطاع الخاص، تتراوح ​​تكلفة جلسة الغسيل الكلوي من 325 جنيهًا -أي حوالي 18 دولارًا- في المستشفيات الحكومية، وفي المستشفيات الخاصة يبدأ سعر الجلسة من 600 جنيه أي حوالي 32 دولارًا، ويتم إجراء الجلسات ثلاث مرات أسبوعيًّا.

خطورة ملوثات المياه

وكانت دراسة أعدها قسم الطب الباطني وأمراض الكلى في كلية الطب جامعة الإسكندرية قد رصدت مخاطر التلوث الميكروبيولوجي في وحدات الغسيل الكلوي، الدراسة المنشورة عام 2006، اعتمدت على جمع 321 عينةً من سوائل الغسيل الكلوي في 213 وحدة حكومية، إضافة إلى 108 وحدات خاصة، وكلاهما يعمل تحت إشراف وزارة الصحة.

جرى جمع العينات من وحدة معالجة المياه، وأظهرت النتائج أنه قد يكون لمعالجة المياه تأثيرٌ كبيرٌ على التلوث الجرثومي بسبب البكتيريا، وهو أمر شائع في مراكز غسيل الكلى، تنتج عنه منتجات ثانوية، بعضها قادر على العبور إلى أغشية غسيل الكلى، كما رصدت الدراسة أن قياس مستوى الملوِّثات في وحدة معالجة المياه لا يتم بشكل روتيني.

ووصفت الدراسة التلوث البكتيري للمياه المعالَجة بأنه "أمر مثير للقلق الشديد"، وأن العاملين في وحدات الغسيل الكلوي لم يجدوا أي ارتباط بين نمو البكتيريا وتركيزات السموم الداخلية في عينات الماء. وأوصت الدراسة بإجراء الرصد والصيانة الوقائية المستمرة لوحدات غسيل الكلى؛ من أجل ضمان العلاج بالبدائل الكلوية الجيدة. الدراسة المصرية لم تكن الأولى في هذا الصدد، إذ سبقتها العديد من الدراسات في بلدان أخرى على مستوى العالم. انتهت جميعها إلى نتائج متشابهة.

أشهر الوقائع العالمية

وقوع حوادث ينتج عنها وفاة المرضى نتيجة لتلوُّث وحدة معالجة المياه أمرٌ رصده البحث المنشور عام 2001 في هونج كونج، بسبب التركيزات المرتفعة من ماء فيه درجة مركَّزة من عناصر أبرزها: الألومنيوم وأكسيد الصوديوم والفلورايد والكالسيوم والمغنيسيوم والنترات والنحاس والزنك.

تم رصد واقعتين لتسمُّم المرضى في كلٍّ من البرازيل وشيكاغو عام 1993، حيث مرض 12 مريضًا في وحدات الغسيل الكلوي خلال إجراء الغسيل الكلوي أو بعد فترة وجيزة بعده، عانى المرضى من أعراض منها الصداع والغثيان وألم في الصدر أو الظهر، وأصيب ثلاثة مرضى بالسكتة القاتلة بسبب الرجفان البطيني بعد الانتهاء من غسيل الكلى، وأثبتت التحريات اللاحقة أن الحادثة كانت ناجمةً عن أخطاء في صيانة نظام إزالة الأيونات، ووقعت الوفيات في أثناء استخدام نظام مؤقت لمعالجة المياه.

وفي البرازيل، عام 1996، توُفِّي 60 مريضًا من أصل 126 مريضًا خضعوا لغسيل الكلى ظهرت عليهم أعراض وعلامات لمرض السُّمِّيَّة العصبية والكبدية متفاوتة الشدة، وأظهرت التحقيقات أن المياه البلدية الواردة في هذه الأنظمة ونظام معالجة المياه في مركز غسيل الكلى ملوثة بـ"ميكروسيستينات" microcystin شديدة السُّمِّيَّة ناتجة عن البكتيريا الزرقاء والطحالب الخضراء الموجودة في الماء، ولم تجرِ إزالتها عن طريق نظام المعالجة في مركز الغسيل الكلوي، كما تم رصد عدم اختبار نوعية المياه بانتظام في مركز غسيل الكلى.

وأوصى البحث بضرورة صيانة وحدات معالجة المياه؛ لتجنُّب التفاعلات الضارة الناتجة عن استخدام ماء غسيل الكلى الملوث، خاصةً إذا كان يحتوي على الشوائب مثل البكتيريا والسموم الداخلية والمعادن والطين والرواسب أو المواد الكيميائية، وقد تدخل هذه الشوائب إلى مجرى دم المريض وتسبِّب المرض أو الإصابة؛ لأن غسيل الكلى يستخدم كميةً كبيرةً من الماء.

وجاء في البحث أن الشخص العادي أيضًا يواجه هذه الملوِّثات من خلال مياه الشرب، والكلى إذا كانت بصحة جيدة تكون قادرة على إزالة هذه المواد، لكن المرضى ليس لديهم هذه القدرة.

مَن يقوم بالصيانة؟

تحدث "حسن العزاوي" -مدير إدارة الكلى بوزارة الصحة سابقًا- لـ"للعلم" عن أن صيانة وحدة معالجة المياه وصيانة ماكينات الغسيل الكلوي بوجهٍ عام تتكفل بها شركة الصيانة التي تقوم بتوريد الأجهزة، وتكون مجانيةً في فترة الضمان الممتدة من 3 إلى 5 سنوات، وبعد انتهاء فترة الضمان تُموَّل الصيانة من مصدرين هما: مخصص مالي من مديرية الصحة التابعة لها المستشفى، وصناديق تحسين الخدمة المموَّلة من فرق الجلسات، وهو عبارة عن المبلغ المالي الفائض من قيمة الجلسات والتي يتم توزيعها بنسبة 40% للصيانة و48% توزَّع على مقدِّمي الخدمة العلاجية من الأطباء والممرضين والفنيين، في حين تذهب النسبة المتبقية إلى بنود أخرى.

أما صيانة وحدات معالجات المياه، فأوضح أنها مكلفة جدًّا، وزادت تكلفتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ورغم رفع سعر الجلسة ما زال الدخل محدودًا، لذلك لا تتوافر الميزانية الكافية لصيانة بعض المستشفيات والوحدات الطبية التابعة لجمعيات خيرية وكذلك الموجودة في مناطق نائية، والكثير منها لا يخضع للصيانة الواجبة، أو تُجرى على فترات متباعدة، أو تتم من خلال الاستعانة بفنيين بعيدًا عن الشركات الموردة للأجهزة، بالتالي تكون عينات المياه غيرَ مطابقة للمواصفات.

قال "شريف أنيس" -الرئيس الحالي لإدارة الكلى بوزارة الصحة- لـ"للعلم": "إن الشركة الموردة للأجهزة يتم اختيارها من خلال مناقصة يتم إرساؤها على أساس السمعة ومدى تعاوُن الشركة نفسها مع جهات حكومية أخرى".

وأضاف أنه عند إبرام أي عقد صيانة لا بد من الرجوع إلى مديرية الصحة لمراجعة بنود هذا العقد، ولا يتم إسناد مهمة الصيانة من دون الرجوع لوزارة الصحة، وفي حالة مخالفة العقد يتم تحويل المسؤول للتحقيق.

وأوضح "أنيس" أن وحدة معالجة المياه يتم سحب عينة منها شهريًّا من خلال مسؤول من إدارة صحة البيئة في مديرية الصحة التابع لها المستشفى، وتُوجَد وحدات الغسيل الكلوي الحكومية في مستشفيات مركزية، ويتم تحليل العينة في المعامل المركزية في وزارة الصحة، وفي بعض الأحيان يتم تحليلها داخل معامل حكومية في المحافظة نفسها، وكانت نتائج التحاليل يتأخر ظهورها، وهي مشكلة تم حلها مؤخرًا بدرجة كبيرة، وفي حالة عدم مطابقة العينة للمواصفات القياسية يتم غلق الوحدة لإجراء الصيانة ثم اختبار عينة المياه للتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية قبل إعادة تشغيل الوحدة مرةً أخرى.

وشدد على أن المخصص المالي الخاص بصيانة وحدات الغسيل الكلوي كافٍ، ويواكب الزيادة التي حدثت في نفقات الصيانة، وذلك بعد رفع سعر الجلسات؛ إذ أصبح سعر جلسة الغسيل الكلوي 325 جنيهًا وكانت من قبل 200 جنيه.

أخطاء سحب العينة

وفقًا للوائح المنظمة لعمل وحدات الغسيل الكلوي الحكومية، يجب على المراقب الصحي شهريًّا سحب عينة من وحدة معالجة المياه؛ لتحليلها ومعرفة مدى مطابقتها للمواصفات الفنية، وفي حالة وجود أي حيود يتم إغلاق الوحدة فورًا، إلا أن الأمور لا تسير كذلك، كما أوضح "العزاوي"، الذي أكد أن العينة في كثير من الأحيان يتم سحبها بصورة خطأ، بالتالي تكون النتائج خطأ، وأحيانًا تبقى الفلاتر دون تغيير مدةً طويلة.

وتتمثل الأخطاء في سحب عينات المياه في عدم ارتداء الفني للقفاز الطبي، وأيضًا سحب العينة دون تعقيم الحنفية ويكون التعقيم بالحرق، وأيضًا يتم أخذ أكثر من عينة في الوقت نفسه بصورة خطأ، ويتأخر تحليل العينات، وفي بعض الأحيان تتراكم العينات لحين تحليلها وظهور النتائج، ما ينتج عنه حدوث جلسات غسيل كلوي بمياه غير مطابقة للمواصفات، وقد يستمر الأمر شهورًا.

يكمل "العزاوي" حديثه، قائلًا: إن كثيرًا من القائمين على تشغيل وحدات الغسيل الكلوي يقعون في خطأ وقف تشغيل وحدة معالجة المياه في غير أوقات العمل، ما يؤدي إلى حدوث ترسُّب في خزان المياه، بالتالي يؤثر على جودة عينة المياه المسحوبة، وتكون غيرَ مطابقة للمواصفات.

يتفق "شريف أنيس" -الرئيس الحالي لإدارة الكلى في وزارة الصحة- مع ما سبق؛ إذ يشير إلى وجود أخطاء في عملية سحب العينة يمكن أن تؤثر على جودتها، ومن ضمن هذه الأخطاء عدم حرق الحنفية اتباعًا لمواصفات سحب العينة، كما أكد "أنيس" أهمية تدريب الفنيين وفريق التمريض على الأقل مرة واحدة سنويًّا؛ بهدف رفع وعيهم بالطرق المُثلى لسحب العينات، مشددًا على أنه يجب ألا تتم إعادة تشغيل الوحدة عقب الصيانة إلا بعد تحليل عينة المياه والتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية، ويُفترض تشتغيل وحدة معالجة المياه 24 ساعة دون توقف؛ حتى لا يكون الماء راكدًا، ولكن ذلك لا يحدث.

وأشار رئيس إدارة الكلى بوزارة الصحة إلى أن نوعية المياه بالتأكيد لها تأثير على عملية الغسيل الكلوي؛ لأنها تغير في تركيب المياه مهما جرت معالجتها، لا سيما أننا نعاني من مشكلات في إمدادات المياه في بعض المناطق، كما أن بعضها مختلط بالصرف الصحي، وتؤثر طبيعة المياه بشكل كبير على عمل الفلاتر وعمرها الافتراضي، وفق قوله.

رقابة وزارة الصحة

وقد أوضح "شريف أنيس" أن وزارة الصحة تراقب الوحدات الخاضعة لرقابتها، في حين يخضع القطاع الخاص لإشراف إدارة العلاج الحر، والذي قد يرجع لإدارة الكلى لأسباب فنية، وبعد أزمة "ديرب نجم" الأخيرة أصبحت المستشفيات التعليمية تخضع لإشراف وزارة الصحة، بعد أن كان الإشراف عليها ذاتيًّا وبعيدًا تمامًا عن رقابة الوزارة.

وأوضح أنيس أنه بعد 40 ألف ساعة عمل يتم تحديد إذا كان الجهاز صالحًا للعمل أو من الأفضل تكهينه، فعلى سبيل المثال، قد تكون أسعار قطع الغيار مرتفعة، ويصبح شراء جهاز جديد أوفر.

المقاس الأفضل للفلاتر

"فايقة حسنين" مدرس الميكروبيولوجي والمناعة في كلية الصيدلة والتصنيع الدوائي في جامعة فاروس بالإسكندرية، قالت في حديثها لـ"للعلم" إنه "من خلال أبحاثها لدراسة مياه ماكينات الغسيل الكلوى، تبين أنها ملوثة بنسبة كبيرة بواسطة الأميبا الحية الحرة (الأكنثاميبيا) Acanthameba، ولهذا أوصت باستخدام فلاتر ذات أحجام مسام مناسبة مساوية مع حجم مسام صغير (0.2 ميكرو). يضاف لتصفية المياه في الأنظمة الهيدروليكية من وحدات غسيل الكلى، وذلك بوضعها عند المداخل من آلات غسيل الكلى، إذ إن الأكنثاميبيا منها المُمْرِض وغير المُمْرِض، وهذا الأخير قد يكون حاملًا للعديد من البكتيريا المُمْرِضة.

غياب المواصفات المصرية الموحدة

 "المنظمة الدولية للتوحيد القياسي" ISO هي اتحاد عالمي لهيئات المعايير الوطنية، يعمل على إعداد المعايير الدولية من خلال اللجان الفنية للمنظمة، مقرها سويسرا، وعبر موقعها تضع المواصفات القياسية للكثير من الإجراءات التي يتم شراؤها لقاء مقابل مادي، ووضعت المواصفات القياسية الدولية لأنظمة معالجة المياه في وحدات الغسيل الكلوي، التي يُفترض أن تساعد في حماية مرضى غسيل الكلى من الآثار الضارة الناشئة عن الملوِّثات الكيميائية والميكروبية المعروفة الموجودة في إمدادات المياه.

وبالتواصل مع المنظمة، أفادت بأن الهيئة المصرية للتوحيد القياسي تتولى متابعة وضع المواصفات القياسية المصرية وتنفيذها، إلا أنه لا توجد مواصفات قياسية مصرية موحدة تطبق على جميع وحدات الغسيل الكلوي في مصر.

تحت عنوان "تطوير إرشادات الممارسة لغسيل الكُلى في مصر"، وضع فريقٌ بحثيٌّ مبادئَ إرشاديةً للغسيل الكلوي نُشرت عام 2010 على موقع منظمة الصحة العالمية في المجلة الصحية الصادرة عنها، ورصدت غياب وجود إرشادات للغسيل الكلوي في مصر، وأن تطبيق المبادئ التوجيهية الدولية لغسيل الكلى لن يكون مناسبًا أو ممكنًا؛ بسبب اختلاف النظم الصحية ونقص الموارد.

استلزم تطوير إرشادات ممارسة غسيل الكلى في مصر مشاركة خبراء في أمراض الكلى وإدارة جودة الرعاية الصحية من محافظات القاهرة والجيزة، وكانت مدة الدراسة 12 شهرًا، ونُشرت أول مرة عام 2006.

ورصد البحث أن ممارسة غسيل الكلى في بعض المراكز الجامعية تُعَد على أعلى مستوى من توفير الرعاية، إذ أظهرت اتباعًا أفضل للمبادئ التوجيهية الدولية.

"محمد فاروق علام"، أستاذ الطب الوقائي والصحة العامة في كلية الطب بجامعة عين شمس، وأحد أعضاء الفريق البحثي الذي وضع الدليل الإجرائي لإرشادات ممارسة الغسيل الكلوي في مصر، قال في حديثه لـ"للعلم" إنه "لا توجد معايير مصرية موحدة لإجراء عملية الغسيل الكلوي، رغم أن الأمر متعارف عليه في عدة دول، منها إنجلترا وكندا وأمريكا، ولكلٍّ منها معايير إجرائية مكتوبة ومنشورة، تتَّبعها المنشآت الصحية في هذه الدول".

وأضاف "علام" قائلًا: "قمنا بجمع المعايير العالمية المختلفة واختيار المناسب منها للبيئة المصرية؛ بحيث يكون قابلًا للتطبيق، ومن خلال التعاون بين 12 خبيرًا من جميع التخصصات، ومنهم بطبيعة الحال أطباء من تخصص الباطنة والكلى، تم وضع المعايير التي تناسبنا، منها مثلًا استبعاد إجراء بعض التحاليل غير المتوافرة لدينا؛ لصعوبة إجرائها، أو الاستبدال بها تحليلًا آخر أرخص سعرًا، قد يكون أقل في الدقة، لكن تَوافُر الخامات الخاصة بإجرائه مضمون".

يكمل قائلًا: إن فريق العمل نجح في الوصول في النهاية لوضع مجموعة من المعايير لعملية الغسيل الكلوي بعد تطبيقها وتقييمها، وتم تقديم نسخة منها لمنظمة الصحة العالمية التي نشرتها، وتم نشرها أيضًا في دورية بحثية هندية أشادت بالمعايير؛ لإمكانية تطبيقها في الهند؛ نظرًا لتقارب الظروف الاقتصادية والنظام الصحي، ولم تعمم في مصر، رغم وضع الدليل بحضور ممثلين من وزارة الصحة، وتقديم نسخة منه للوزارة بعد الانتهاء منه ونشره.

ولفت "علام" إلى أن كل مركز وجهة علاجية تعمل وفق معيار مختلف عن الجهة الأخرى، بالتالي لا يحصل كل المرضى في مصر على العلاج نفسه بالمعيار نفسه؛ وذلك نظرًا للهيكل التنظيمي الخاص بوزارة الصحة في مصر، الذي يتَّسم بأنه صعب ومعقد ويضم أكثر من قطاع وهيئة، منها التأمين الصحي والمستشفيات التعليمية والقطاع الخاص وغيرها، وكلٌّ منها يخضع لرقابة قطاع مختلف في وزارة الصحة وفق معايير غير موحدة، ويطبق كلٌّ منها ما يراه مناسبًا، قائلًا إن الأمر يتطلب إعادة هيكلة وزارة الصحة، وهو أمر ليس صعبًا.