رغم هيمنة الديناصورات على النظم البيئية الأرضية في جميع أنحاء العالم، لأكثر من 165 مليون سنة، إلا أن كيفية انتشارها حول العالم لا نعلم عنها الكثير، وما إذا كان لهذا الانتشار علاقة بفنائها.

دراسة حديثة، نُشرت نتائجها مؤخرًا في دورية "نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن"، نجحت في تحديد المسارات التي سلكتها الديناصورات في أثناء حركتها وانتشارها خارج قارة أمريكا الجنوبية خلال فترة هيمنتها على مملكة الحيوان في العالم. وأظهرت نتائجها أن الديناصورات التي انقرضت قبل قرابة 66 مليون سنة، أسهمت بنفسها في عملية انقراضها؛ نظرًا لحركتها المستمرة وانتشارها السريع في مختلِف أرجاء الأرض، ما أضعف قدرتها على التواصل والتناسل، وأدى إلى تراجع أعدادها بشدة قبل حدوث الارتطام النيزكي الكبير.

البصمة الجغرافية

تقول الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة "ريدنج" البريطانية إن السرعة التي انتشرت بها الديناصورات أدت إلى تشرذمها وفنائها تدريجيًّا، خاصةً مع عدم قدرتها على التواصل وإنتاج أنواع جديدة.

وتشير الدلائل العلمية المستندة إلى حفريات من الأزمنة الجيولوجية السحيقة "البصمة الجغرافية Geographic Signature" إلى أن الديناصورات نشأت قبل حوالي 230 مليون سنة في أمريكا الجنوبية، حين كانت القارة جزءًا من الكتلة القارية الكبرى "بانجيا" Pangaea قبل انفصال القارات، لكنها تعرضت لحادث مروع أدى إلى فنائها، وهو ما يُعرف بالانقراض الكبير.

يقول "كريس فانديتي"، الباحث المشارك في الدراسة، وأستاذ العلوم البيولوجية بجامعة ريدنج البريطانية، في تصريح لـ"للعلم": إن عدم وجود طرق معروفة سابقًا لدراسة الجغرافيا الحيوية للعالم بدرجة عالية من التفصيل، أدى إلى عدم معرفة نمط انتشار الديناصورات وغيرها من الكائنات في الماضي البعيد.

ويضيف: "لم يكن لدينا أدنى فكرة عن الكيفية التي يتم بها الانتشار المكاني لأيٍّ من الكائنات الحية التي تشهد تشعُّبًا تطوريًّا Evolutionary Radiation، وهل يسير هذا التشعب بمعدلات سريعة أم بطيئة".

ويستدرك: "لكن دراستنا تبرهن على أنه -على الأقل، في حالة الديناصورات- كان التشعُّب من النمط الكلاسيكي الذي يتباطأ بمرور الوقت".

 والبصمة الجغرافية هي الآثار الدالة على الحركة الأولية السريعة للديناصورات من قارة أمريكا الجنوبية، والتي تباطأت تدريجيًّا بمرور الوقت، وفق فانديتي، الذي يشدد على أنه جرى تحديد هذا النمط من خلال معدلات التطور المورفولوجي لهذه الكائنات (الشكل والصفات التشريحية) ومعدلات التطور النوعي لها "السلالة"، ومدى قدرتها على التكيُّف مع المحيط الذي تعيش فيه.

في تصريحاتها لـ"للعلم"، تشرح سناء السيد -نائب مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية- المقصود بالتشعب التطوري، فتقول: هو حدوث زيادة في تنوع الأصناف لكائن حي معين، أو حدوث تغيُّر في الصفات التشريحية في جسمه.

وتضيف أن التشعب التطوري يحدث إما لمساعدة هذه الكائنات على التكيُّف بدرجة أكبر مع البيئة التي تعيش فيها، أو بفعل مؤثر خارجي آخر، موضحةً أنه من الممكن أن يحدث بنمط سريع تكون ملاحظة نتائجه في السجل الأحفوري سريعًا، أو بالتدريج ويستغرق زمنًا أطول لملاحظة نتائجه.

ويشبِّه هشام سلام -أستاذ الحفريات الفقارية المساعد، ومدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، في تصريحات لـ"للعلم"- البصمة الجغرافية بالشفرة التي تحل لغز كيف، ومتى انتشرت الديناصورات؟ وأي طريق سلكت حتى انتشرت وتشعبت إلى كل هذه الأنواع والأشكال، واحتلت الأرض بما فيها القارة الجنوبية لأكثر من ١٦٥مليون سنة؟

ويوضح أنه بعد مرور أكثر من قرن من الزمان على دراسة الديناصورات، يمكن القول إن موطنها هو قارة أمريكا الجنوبية، حيث وجدت أقدم الحفريات الخاصة بها، لكنه يضيف أن هذا الاعتقاد يمكن أن يتغير إذا وُجدت حفريات أقدم في موطن آخر، إلا أنه يعود ويشدد: "لكن هذا الاحتمال يقل مع كثرة الاكتشافات، فما زالت أمريكا الجنوبية هي موطن أقدم الديناصورات".

قاعدة بيانات ضخمة

يقول "ستيفان بروسات"، أستاذ الحفريات الفقارية بجامعة إدنبره البريطانية، في تصريح لـ"للعلم": إن الدراسة مبدعة من حيث اعتمادها على قاعدة بيانات ضخمة لفهم الكيفية التي هاجرت بها الديناصورات حول العالم.

 ورغم حداثة النتائج وضخامة البيانات التي اعتمدت عليها الدراسة وكثافتها، فإن أستاذ الحفريات الفقارية يعبر عن عدم دهشته من النتائج، مضيفًا أن هناك أعمالًا سابقة تناولت حركة الديناصورات وانتشارها حول العالم، "فكرة أن أعداد الديناصورات بدأت في التراجع سريعًا أولًا ثم تباطأ هذا التراجع هو أمر متوقع"، وفق بروسات.

ويوضح أن "الديناصورات تطورت في القارة الكبرى في مرحلة اتصال اليابسة، ثم حدث أن تشتتت بعد انفصال القارات، وهو ما جعلها تنعزل جغرافيًّا في رقعة محدودة من الأرض، ومن الجيد إثبات هذا إحصائيًّا، وهو ما نجحت فيه الدراسة". من الجدير بالذكر الإشارة إلى أن الدراسة اعتمدت على بحثين من أبحاث بروسات.

لكن بروسات يشكك في نتائج الدراسة، فيما يتعلق بوجود صلة مباشرة بين الانتشار الواسع للديناصورات في مختلف أرجاء الكرة الأرضية وانقراضها، قائلًا: "إذا كانت الديناصورات قد احتلت كل أركان الأرض تقريبًا، محققةً انتشارًا جغرافيًّا كبيرًا، فيُفترض أن يكون ذلك في صالحها؛ إذ إن النيزك ضرب جزءًا من الأرض فقط وليس كلها".

ويرد فانديتي على هذا التشكيك بقوله، "إن عدم قدرة الديناصورات على التكيُّف مع بيئتها الطبيعية من جَرَّاء الانتشار الواسع قبيل الارتطام النيزكي هو ما يرجح تناقص أعدادها وسلوكها طريق الفناء حتى قبل ارتطام نيزك تشكسيولب بالأرض"، مشددًا على أن تأثير الارتطام زاد من حدة هذا التناقص حتى أدى إلى فنائها تمامًا.

نيزك تشكسيولب

وترتبط الدراسة الحالية بدراسة سابقة أجراها باحثان من جامعة توهوكو اليابانية، ونشرتها دورية "نيتشر ساينتفيك ريبورتس" في شهر نوفمبر الماضي، تشير إلى أنه قبل 66 مليون سنة، ضرب نيزك قطره 9 كيلومترات شبه جزيرة "يوكاتان" المكسيكية، مُحدثًا فتحةً عرضها 180 كيلومترًا وعمقها 20 كيلومترًا، ومؤديًا إلى انقراض عدد كبير من الكائنات وعلى رأسها الديناصورات.

يُعرف هذا النيزك -الذي بلغت سرعته 20 كيلومترًا في الثانية- بـ"نيزك تشكسيولب"، وتسبب ارتطامه بالأرض في تسخين مواد الهيدروكربونات والكبريت المطمورة في الصخور الرسوبية بمنطقة الارتطام، ما أدى إلى تكوُّن ما يُعرف بالسناج (السخام) الستراتوسفيري Stratospheric Soot والهباء الكبريتي Sulfate Aerosols في طبقات الغلاف الجوي، وهو ما أحدث تبريدًا ساد الكرة الأرضية، أعقبه جفافٌ شديد.

كما أدى السناج الستراتوسفيري إلى تكوُّن ضباب امتص الضوء مُحدِثًا تغيُّرات كبرى في المناخ، نتج عنها انقراض الديناصورات وعدد من الحيوانات، وحدوث طفرة تطورية للثدييات اللاحقة وظهور الإنسان فيما بعد في وقت لاحق لذلك.