بين الجفاف تارةً والرطوبة تارةً أخرى يتأرجح المناخ على الكرة الأرضية، في المناطق الجافة من صحراء جنوب مصر، ارتفعت -في الماضي- طبقات العديد من قنوات الأنهار، فوق المناظر الطبيعية المحيطة بها، واستمرت في جريانها على شكل حواف خطية قليلة التعرج تحمل الرمل والحصى المثبتة بجزيئات الحديد أو السيليكا أو الكربونات.

استطاع العلماء دراسة ستة أنهار متحفرة في الصحراء الغربية بجنوبي مصر ضمن دراسة حديثة نُشرت مؤخرًا في دورية ريفيوز كواترناري ساينس (Quaternary Science Reviews)، من خلال فحص أحجام حبيبات الرواسب في هذه القنوات والأشكال الهندسية لمصارف تلك الأنهار القديمة، إذ استطاعوا استنتاج كميات الأمطار وقت نشاط تلك الأنهار.

 استخدم العلماء الكربون المشع ليتبين أن أعمار هذه الأنهار تتراوح من 60000 إلى 1000 سنة قبل الميلاد، اثنان من تلك الأنهار استمر نشاطهما إلى 1000 سنة مضت قبل الميلاد، إذ كانت مصر حينذاك إمبراطوريةً عظيمةً مترامية الأطراف عاصمتها طيبة (الأقصر حاليًّا).

الدراسة الجديدة سلطت الضوء على الروابط بين النشاط البشري والتغيرات البيئية، وكيف استجاب الإنسان قديمًا لارتفاع درجات الحرارة الذي حدث منذ آلاف السنين، ومدى الشبه في ذلك مع السيناريوهات الحديثة التي نعيشها الآن، والتي قد تبدو مقاربةً جدًّا لما حدث على الأرض آنذاك، وتثير الدراسة تساؤلًا مهمًّا: هل كانت الفيضانات في مصر القديمة سببًا في هجرة الإنسان من وادي النيل؟

درس جيولوجيون بقيادة باحثين من جامعة جنيف بسويسرا الأنهار الأحفورية شمال بحيرة ناصر في مصر، من أجل إعادة بناء نظم الهيدرولوجيا القديمة في المنطقة، وتحديد معدل هطول الأمطار في هذه الفترة الرطبة.

وجد الباحثون أنه بعد الزيادة السريعة في درجات الحرارة بنحو 7 درجات مئوية، تضاعف تواتر هطول الأمطار الغزيرة بمقدار أربعة أضعاف، مما أدى إلى زيادة فيضانات الأنهار، ما أجبر السكان على الهجرة إلى وسط البلاد.

أنهار صحراء مصر الغربية الستة

تُظهر نتائج الدراسة أنه خلال الـ60000 عام الماضية، كانت هناك أربع فترات رَطِبة تخللتها فترات من الجفاف الشديد، تميزت الفترات الرطبة بغزارة الأمطار، إذ وصلت معدلاتها إلى نحو 55-80 مم في الساعة الواحدة، أحدثت تلك الأمطار اضطرابات شديدة في منطقة وادي النيل جنوب مصر، وامتدت إلى أجزاء في شمال السودان، تسببت تلك الاضطرابات المناخية في إحداث فيضانات كارثية جعلت العيش في هذه الأماكن محفوفًا بالمخاطر، خاصةً خلال الـ10000 سنة الأخيرة، وفق نتائج الدراسة.

يقول عبد الله زكي -المختص بدراسات البيئات القديمة بجامعة جنيف بسويسرا، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في حديثه لـ"للعلم": "اعتمدنا في الدراسة على استنباط المناخات القديمة باستخدام البقايا النهرية المتحفرة لتقدير معدلات الأمطار حول النيل في أثناء الفترات المطيرة، واستطعنا تحديد كم الأمطار المتساقطة في الفترات الرطبة التي مرت بها صحراء جنوب مصر، وتأثير ذلك على أماكن معيشة سكان هذه المناطق".

ويستكمل "زكي": لم تكن هذه النتائج متوقعةً من البداية، ولكن بمرور الوقت استوعبنا مخاطر التغيرات المناخية علينا نحن البشر.

يقول مارتن ويليامز -أستاذ علوم الأرض بجامعة آديليد باستراليا، وغير المشارك في الدراسة- في حديثه لـ"للعلم": "إن التغير الدوري في درجات الحرارة، وتقلص الصحاري تدريجيًّا واستبدالها بالغطاء النباتي والعكس أيضًا له أثره المباشر على طبيعة حياة البشر"، ويضيف: "قد يستحيل على البعض تخيُّل تلك المناطق القاحلة وغير المأهولة، بأنها كانت يومًا ما مضيافةً لكل أشكال الحياة، وتغذيها الأنهار والبحيرات العذبة".

حشائش السافانا المصرية

وأوضح "ويليامز": "حاول مؤلفو الدراسة إعادة بناء نظام التدفق المحتمل في الوقت الذي كانت فيه هذه القنوات نشطة، وخلصوا إلى أن الأمطار تساقطت بغزارة على مصر ونضحت فيضانات الأنهار على كل محيط بها، فحولت ما هو قاحل إلى وديان ذات غطاء نباتي كثيف يشبه حشائش السافانا، تسببت تلك التغيرات البيئية في هجرة سكان النيل من ضفافه إلى نحوٍ أعمق في الصحراء عبر مئات الكيلومترات".

تُظهر نتائج الدراسة أنه خلال ذروة الفترات الرطبة منذ حوالي 10000 سنة تضاعف متوسط هطول الأمطار السنوي أربع مرات أكثر من ذي قبل، وهذا بدوره نقل المنطقة بظروفها البيئية شديدة الجفاف إلى بيئات شبيهة بالسافانا، هذه الزيادة في مستويات هطول الأمطار حولت وادي النيل إلى مكان خطير للعيش فيه؛ بسبب المخاطر المرتبطة بالفيضانات، مما دفع الناس إلى الهجرة بشكل أساسي إلى الغرب والشمال الغربي، وبمجرد أن بدأ متوسط هطول الأمطار السنوي في الانخفاض، عاد السكان واحتلوا وادي النيل بسبب ظروف الصحراء القاحلة؛ فقد تحولت تلك الأراضي الغناءة المليئة بالحياة إلى بحرٍ من الرمال.

الماضي مفتاح المستقبل

يقول الكاتب العظيم نجيب محفوظ: "تصاب الأمم أحيانًا بفقدان الذاكرة، ولكن ذلك لا يدوم إلى الأبد"، ثمة حقائق لا تلبث الطبيعة إلا أن تعيد ذكراها، أحداث حقيقية جذورها توغل في الماضي السحيق؛ فدائمًا ما تبوح الطبيعة بأسرار الماضي، وعلى الفَطِن إدراك تلك الرسائل.

يشبِّه "زكي" دراسته برواية قديمة من الماضي لفهم ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ويعقِّب قائلًا: "إن ارتفاع درجات الحرارة الحالي يفتح علينا سلسلةً من الأحداث الطبيعية التي لا يجب تجاهُلها أو الفرار منها، فمن شأن الاحتباس الحراري أن يؤدي إلى زيادة معدلات المياه في الغلاف الجوي، والتي بدورها تُحدِث شذوذًا في معدلات الأمطار، ممّا يَزيد من احتمالات حدوث فيضانات كُبرى، تهدّد بدورها استقرار الإنسان ومعيشته، مثلما حدث قديمًا"، محذرًا: "إن معتقدات الناس بأن التغير المناخي لن يغير في نمط حياتهم هو في الحقيقة خطأ كبير، ولا بد أن ندرك أنها  الخطر الحقيقي الذي يهدد وجود البشر".