"أمهلوني أقول كلمةً أو كلمتين، أودُّ عندما تحكون حكايتي أن تذكروني بحقيقتي دون زيادة ولا نقصان، وألا تضيفوا إليها شيئًا من المكر السيئ، فلتصفوا حال رجل لم يعشق بتعقُّل لكنه كان خالص السريرة متجاوزًا في حبه، رجل جاهد في دفع الغيرة عن نفسه، لكنها تمكنت منه فتمادى فيها إلى النهاية، رجل قهر الأسى عينيه اللتين لم يكن من شيمتهما البكاء، فذرفتا من الدمع أغزر مما تنضحه أشجار جزيرة العرب من صمغها الشافي، هكذا أرجو أن تصفوني".*

    الفقرة السابقة كانت آخر كلمات "عطيل" في مسرحية الشاعر والكاتب المسرحي وليم شكسبير التي تحمل الاسم نفسه، بعدما اكتشف حقيقة أنه أُوهم غدرًا من تابع حاقد بأن زوجته وحبيبته "ديدمونة" تخونه مع صديق له، فقتلها، ثم قتل نفسه بعد اكتشافه للمكيدة وبراءة زوجته المخلصة، ولو عرفنا أن شكسبير كتب هذه المسرحية عام 1603، أي على مبعدة أربعمئة وعشرين سنة تقريبًا من الآن، فإن دهشتنا تكون هائلة؛ إذ نكتشف أن "عطيل" العاشق بجنون، والغيور بجنون أيضًا، وقاتل معشوقته في النهاية، لم يكف عن الظهور عبر القرون والسنين ليقتل محبوبته غيرةً، ويفيق على هول الندم، ثم ينتهي إلى قتل نفسه، بسيفه أو بسيف العدالة، والمثال الأقرب في هذا الإطار تُمثِّله مأساة قتل طالب آداب المنصورة لزميلته التي أحبها بجنون، وقادته غيرته الجنونية إلى قتلها عندما تأكد أنها لن تكون له، ولم يعد ينتظر غير مصير الإعدام!

متلازمة معروفة منذ 67 عامًا؟!

    بالتأكيد هناك فروق في التفاصيل بين مأساة الواقع القريب في مدينة المنصورة المصرية وتراجيديا شكسبير البعيدة، لكن الجوهر واحد، وقد لخصه شكسبير في ثلاثة أسطر (تم تمييزها في الاقتباس السابق) تحدد مراحل هذا المصير المشؤوم الذي تهوي إليه كل الحالات المشابهة في الواقع، ومن ثم كان معقولًا للغاية أن يستلهم الطب النفسي الحديث ذلك الكشف الأدبي لشكسبير في تسمية متلازمة تحيط بالسيكلوجية المرضية وراء هذه المآسي، فكانت "متلازمة عطيل" Othello Syndrome، التي تبدأ بتفاقُم الغيرة من جرَّاء هواجس الشكوك في الخيانة والتي تتحول إلى أفكار متطفلة أو تسلطية تحتل العقل وتنهكه، فتظهر لاعقلانية التعقُّب والمطاردة، ثم يحل اليأس المسعور ليضغط ويضغط ويضغط، وفي النهاية ينفجر العنف تجاه مَن كان محبوبًا، وذروة العنف قتْل، وقد صك هذه التسمية (منذ 67 سنة) الطبيب النفسي الإنجليزي "جون تود" في ورقة بحثية نشرها في مجلة الاضطرابات العصبية والعقلية عام 1955 بعنوان: "متلازمة عطيل: دراسة في علم النفس المرضي للغيرة الجنسية"!

      وقد يستوقف الكثيرين تعبير"الغيرة الجنسية"، على اعتباره تدنيسًا لرهافة الهيام العاطفي الذي يطبع قصص الوقوع في الحب، لكن عندما يأخذ الحديث عن الحب مسارًا علميًّا، طبيًّا نفسيًّا، فإن البُعد الجنسي يكون ممثلًا بقوة كامنة، وإن تكن حيية أو غير فجة السفور في مكونات "الحب الرومانسي"، أي الحب الواقعي بين الذكر والأنثى لكائنين بشريين، يسكن الجنس بنيتهما الحية كشرط من شروط التزاوج وإعمار الحياة، إضافةً إلى تجليات العواطف والأحاسيس صعودًا إلى مدارج الروح، ومن ثم يأتي مصطلح "الغيرة الجنسية" نتاجًا مُستحقًّا لرؤيةٍ لصيقةٍ بعلم النفس التطوري وهو أحد الأساليب البيولوجية لدراسة السلوك البشري انطلاقًا من أن الكثير من سلوكياتنا يمكن تفسيره بالتكيُّفات التي ساعدت أسلافنا على الانتشار عبر الأرض والبقاء والتكاثر وتكوين المجتمعات والأمم، أي النظر إلينا في سياق تاريخي طويل، يعود إلى بدايات الإنسان في البرية الأولى، حيث كانت الغيرة استجابةً عاطفيةً نافعةً لمواجهة تهديد الخيانة الجنسية المهددة للشراكة وما ينتج عنها من نسل، بتحفيز سلوك حراسة الذكر لأنثاه من أن يختطفها منافس أو تنخطف لمنافس، وفي الحالتين تقترن الحراسة بالعنف -من الذكر غالبًا- سواء ضد أنثاه إذا أبدت أمارات انخطاف لغيره، أو ضد الغريم الذي يحاول اختطاف هذه الأنثى! ونحن على أي حال لا نزال نحمل داخلنا إنسان البرِّيَّة الأولى هذا، وإن كانت برِّيَّته أو وحشيته تردعها مكتسبات تطور التجمعات البشرية من مجموعات صغيرة منعزلة ومتناثرة إلى مجتمعات تحكمها قوانين وتقاليد وأعراف تتسامى بشراكة الذكر والأنثى في "الحب" الذي صار مقترنًا بالزواج.

تتعدد الأسماء والعطيلية واحدة

     بطبيعة الحال هناك مَن يتفق أو يختلف مع نظرية التطور على قاعدة أن الانتقاء الطبيعي لا يُنتج التطور عن طريق الصراع فقط، بل عن طريق التكافُل والتشارُك أساسًا، وإلا انقرضت الطيبة وصار جنسنا وقفًا على الوحشية والمتوحشين، لكن لا بأس من وضع رؤية علم النفس التطوري ضمن زوايا النظر إلى ظاهرة "متلازمة عطيل" التي لها مترادفات علمية أخرى، منها: "الغيرة المرضية" pathological jealousy، و"الغيرة الوهامية" delusional jealousy، و"الغيرة الجسيمة" (أو الهوسية) morbid jealousy، أو "ذهان عطيل" Othello psychosis، وهذه كلها تلتقي على وصف تلك الغيرة الخطرة المُفرِزة لهواجس معتمة يكون الموضوع السائد فيها هو الانشغال باحتمال خيانة الشريكة، وبناءً على أدلة لا أساس لها، فتُشكِّل أفكارًا تطفليةً أو وسواسيةً مفرطةً ومتسلطة، تنهك العقل والجسد، وتُفضي إلى انفجارات عدوانية مؤسفة يوجهها مَن كان عاشقًا إلى مَن كانت محبوبته، سواء في حب متبادل، أو حب من طرف واحد يستبد بعقل ونفس عاشق موهوم، غالبًا ما يكون لديه اضطرابٌ نفسيٌّ ما، بدرجةٍ أو بأخرى.

    إذًا، متلازمة عطيل -وأيًّا كانت مسمياتها- بتفاقُماتها وانحداراتها ومأسوية مآلاتها، إنما تنصبُّ على غيرةٍ تدميريةٍ مدفوعةٍ بتحفيزات كيدية من الغير أو ضلالات وهمية لدى الذات، لكن على هامش هذه الغيرة العطيلية هناك غيرةٌ تدميريةٌ مُناظِرة، تقوم على شكوك غير متوهَّمة تسوِّغها سلوكيات أحد طرفي العلاقة وتشير إلى حدوث الخيانة -أيًّا كانت درجتها- أو الشروع فيها، لكن تناوُل هذا الطيف من الغيرة التي هي تدميرية أيضًا ليس محله هذه المداخلة؛ لأنه أقرب إلى النقاش الأخلاقي والجنائي، وإن تضمَّن عناصر سيكولوجية مشتركة مع متلازمة عطيل لا يمكن إنكارها.

من السيكولوجيا إلى البيولوجيا

  وما دام علم النفس التطوري قد جعلنا نتماسُّ ونحن نراجع هذه المتلازمة مع الفرضيات البيولوجية الموروثة تاريخيًّا عبر التكيُّف، فإن الفهم البيولوجي القائم على الأبحاث العلمية الحديثة في موضوع الحب عمومًا، وغيرة الحب المرضية هذه على وجه الخصوص، يتقدم ليريَنا معالم محسوسة لوعي عميق قائم على الدليل العضوي في هذه التراجيديا النفسية التي جلَّاها الأدب ولا يزال يجلو أسرارها العلم، ولعل أول التفاتة علمية لبيولوجية هذه المتلازمة جاءت من ملحوظات لافتة لظهورها على مرضى وقعوا فرائس لإصابات المخ وأمراضه، وكانوا قبل إصاباتهم لا يحملون أي شائبة من شوائب هذه الغيرة المؤلمة تجاه زوجاتهم اللائي عشن معهم عمرًا من حبٍّ زوجيٍّ مخلص ومتفانٍ وبديع، لكن ما إن تتضرر أمخاخهم ضررًا جسيمًا، حتى ينقلبوا شكاكين في خيانة شريكاتهم اللائي بلغن -في معظم الحالات- سنًّا خارج حقول ألغام الغواية ودواعي الشك!

     تراجيكوميديا تُضحك وتُبكي عندما يصاب جَدٌّ بمرض الشلل الرعاش أو ألزهايمر فيبدأ في اتهام زوجته الجدة بأنها تخونه دون أي دليل على الخيانة أو حتى إشارة إلى الخائن المحتمل، ولكثرة الظاهرة نشرت دورية "طب الأعصاب الأوروبي" بحثًا هدفه توثيق السمات السريرية والقرائن التصويرية لمتلازمة عطيل التي ظهرت أعراضها على 105 من مرضى قسمي الأعصاب والطب النفسي بمستشفى "مايو كلينك" تم تحديدهم باستخدام نظام السجلات الطبية الإلكترونية المحفوظة في المستشفى، وكانت النتائج تشير إلى ارتباط متلازمة عطيل بأمراض المخ بشيوع قدره (73/105) مقارنةً بالاضطرابات النفسية (32/105)، والبقية لمرضى ظهرت عليهم المتلازمة كآثار جانبية لبعض للأدوية، وتبيَّن أن مصابي أمراض المخ الذين ظهرت عليهم أعراض عطيل كانوا الأغلبية بنسبة 76.7٪ معظمهم ممن يعانون الاضطرابات العصبية التنكسية (خاصةً مرضَي الشلل الرعاش وألزهايمر)، وتبيَّن من نتائح تصوير الأبحاث على المخ أن سبعة من كل ثمانية ظهرت عليهم أعراض عطيل لديهم اختلالات هيكلية في الفص الجبهي الأيمن من المخ، أما المرضى الذين ظهرت عليهم أعراض عطيل وكانوا يتناولون دواء الدوبامين بجرعات كبيرة كعلاج لمرضهم العصبي (الشلل الرعاش) وعددهم ستة، فقد تحسَّنوا جميعًا بعد تخفيض جرعات الدواء، وكان الاستنتاج الذي خلص إليه البحث أن متلازمة عطيل تحدث على نحوٍ متكرر مع الاضطرابات العصبية الناتجة عن خللٍ في الفص الجبهي الأيمن من المخ، ومن ثم صدرت التوصية بضرورة الانتباه إلى "مؤشر الشك" كدالة على وجود تضرر في هذا الفص عند ظهور متلازمة عطيل لدى كبار السن المصابين بما يسمى "الخرف" وأفضِّل تسميته "التيه".

آفات مخ وأمراض نفس

    إذًا، ثمة احتمال لآفات عضوية تصيب المخ وتسبب هذه الغيرة الوهامية، وهذا يجب أن يُبحث في حالة قاتلنا مهما كانت غير مرجحة، وفي السياق الذي يوجب تدقيق البحث هو ما يعرفه الطب النفسي من ترجيح أن تكون هناك سمات أو لمسات من اضطرابات نفسية كامنة تنمو عليها هذه المتلازمة، ومنها الفصام والبارانويا (أحد أشكال الأضطرابات العقلية)، كما أن الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الشخصي العميق يمكن أن يكون لديهم أيضًا احتمالات أكبر لمعاناة متلازمة عطيل، ويُضاف إلى هؤلاء مدمنو الكحول والمخدرات خاصةً الكوكايين والأمفيتامينات؛ لأنها تزيد من حدة وتكرار الأفكار المتطفلة أو الوسواسية أو الوهمية التي تشكل قاعدةَ متلازمة عطيل ومنطلقَها، كل هذا لا بد أن يُبحث لدينا لو شئنا أن نكون جادين في إيضاح جذور المتلازمة للتوعية بأخطارها ومحاولة تحييدها مبكرًا بالعلاج أو بالإجراءات الوقائية لضمان عدم وقوع كوارثها.

ماذا نفعل؟!

      باسمِ مَن يوجَّه هذا السؤال؟

مدخل الإجابة: لقد ثبت في الأغلب الأعم أن متلازمة عطيل اضطراب نفسي يلحق بالذكور دون الإناث، اللهم إلا إذا استثنينا -هازِلين- حالة "ديبي وود" الأربعينية التي وصفتها جريدة الديلي ميل بأنها "أكثر النساء غيرةً في العالم والمصابة بمتلازمة عطيل"، فهي تشن على رفيقها الثلاثيني غارات تفتيش مفاجئة علنية، تشمل هواتفه وحساباته البنكية ومفكرة ملحوظاته؛ لتقف على أي لمحة لاحتمال خيانته لها مع أخرى، كما تجبره قبل أن يخرج من البيت على الخضوع لاختبارات جهاز كشف الكذب؛ حتى تتأكد أنه ليس خارجًا للقاء غريمة لها!! هزل صحفي يثير ضحك الأسى، وما أكثره، بينما الأمر كبير وخطير، ويختص فيه بالمسؤولية وضرورة المعرفة والتحسُّب جانبان: أولهما، الإناث، خاصةً صغيرات السن، وأهل هؤلاء الإناث، فعند حدوث شك في سلوك ينم عن غيرة عطيلية من ذكر يعترض الأنثى، عليهم المبادرة باستشارة مختص في الطب النفسي لتقييم الحالة والتنبؤ بتطوراتها التي تتصاعد من الشك إلى الحصار، فالمطاردة، فبزوغ العدوانية والعنف، وبناءً على ذلك تكون التدابير التي لا ينبغي أن يُستبعَد منها الجانب القضائي والأمني.

أما الجانب الثاني المنوط به سؤال "ماذا نفعل؟"، فهو: المجتمع والدولة، وكل مَن لديهم فيهما معرفة ما يُحتمل أن يكون وراء هذا الابتلاء وأمامه، علميًّا، وتقدير أن هذا الابتلاء -للحقيقة العميقة المُرة، إضافةً إلى الصدمة المجتمعية وارتداداتها النفسية العامة على الجميع- لا يصيب بأذاه الضحية والجاني وحدهما، بل يمتد التدمير ليعصف بأُسَرهما، ومن ثم يتوجب حماية هذه الأسر من آثار الكارثة إذا وقعت، نفسيًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا، أما قبل وقوع هذا الابتلاء، فالواجب الأوجب على كل الهيئات والمشتغلين بعلم النفس، والطب النفسي، وطب المخ والأعصاب، والبحوث الاجتماعية والجنائية، ولا نستبعد قضايا البيئة والسكان، كل ذلك مطلوب استنفاره لتعميق الوعي بما وراء هذه المأساة، ونشر ما يفيد التنبؤ بها وأخذ الحيطة والحذر من تكرار وقوع مثيلاتها، أو على الأقل منع حدوث بعضها؛ لأن إجابة السؤال الذي عنوَن هذا المقال "هل ظهر عطيل في المنصورة؟" لا يجب أن يكون فقط: "نعم .. للأسف ظهر"، بل يجب أن يكون: "ظهر لشديد الأسف.. وينبغي أن نعمل على منع تكرار ظهوره".

.........

* الاقتباس من مسرحية عطيل لشكسبير، ترجمة الشاعر خليل مطران، بقليل من التصرف.