في عام 1935، تنبأ عالِما الفيزياء، يوجين ويغنر وهيلارد هننتون، من جامعة برينستون الأمريكية، بإمكانية تحويل الهيدروجين إلى معدن عبر تعريضه لضغط يزيد عن الضغط الجوي بـ250 ألف مرة. قد يبدو الوصول إلى ذلك الضغط خياليًّا؛ غير أن العلماء حاولوا إثبات فرضية ويغنر- هننتون في السنوات الماضية، إذ خفضوا حرارة الهيدروجين إلى الحد الأدنى، وعرضوا ذراته إلى 10 أضعاف الضغط المقترح، ولكن لم ينجحوا في تحويل الهيدروجين إلى معدن.

ومؤخرًا، أعلن علماء فيزياء من جامعة هارفارد الأمريكية عن نجاحهم في تحويل الهيدروجين إلى معدن، بتعريضه لضغوط هائلة وصلت إلى 4.2 ملايين مرة أكبر من الضغط الجوي، وهو إنجاز حاول الفيزيائيون، لأكثر من 80 عامًا، تحقيقه. غير أن الأمر لا يبدو أنه حاز قبول المجتمع العلمي، إذ إن هناك العديد والعديد من الانتقادات التي وُجهت للباحثين الذين أعلنوا عن هذا الإنجاز.

بدأت القصة في أكتوبر الماضي، حين نشر الباحثان بجامعة هارفارد، إسحاق سيلفيرا ورانجا دياس، تقريرًا على منصة أرخايف العلمية arxiv.org  تُفيد بتمكُّنهما من تخليق الهيدروجين المعدني، وعلى الفور؛ ظهرت انتقادات تُطالب بتقديم أدلة علمية كافية لتلك الادعاءات. بعدها، نشر الباحثان في يناير الماضي ورقة بحثية في مجلة "ساينس"، تتضمن معلومات عن الكيفية التي صُنع بها الهيدروجين المعدني، غير أن مشككين قالوا إن تلك الورقة تتضمن القليل من المعلومات.

وعلق الفيزيائي الفرنسي، بول لوبيير، بقوله إن الباحثَين نشرا أخبارًا للاكتشاف والنتائج دون أن يتحققا من الاختبار، فيما قال خمسة علماء آخرون لمجلة نيتشر العلمية إنهم لا يؤمنون بالنتائج المنشورة على الإطلاق، مُطالبين الباحثين بالتدقيق في المعلومات ونشر مزيد من الأدلة عن ادعاء تخليق الهيدروجين المعدني.. فلماذا كل تلك الضجة، ولماذا كل تلك الشكوك؟

المادة الخام للكون

يُعد الهيدروجين العنصر الأول في الجدول الدوري، والأكثر شيوعًا في الكون، والمكون الأساسي في الشمس بنسبة 71 % من كتلتها الكلية التي تتشكل أيضًا من الهيليوم بنسبة 27.1% وعناصر أخرى بنسبة أقل من 2%. وتتكون ذرة الهيدروجين من بروتون واحد مع إلكترون واحد، وهو ما يجعل فيزياء ذلك العنصر بسيطة للغاية، غير أنها تتعقد بسرعة حين يتعرض لضغوط عالية ودرجات حرارة مرتفعة.

وكما هو معروف، فإن الهيدروجين عنصر غازي في درجة حرارة الغرفة، لكنه؛ مثله مثل بقية المواد، يمكن أن يتحول –نظريًّا- إلى مادة سائلة أو صلبة حال تغير الضغط ودرجة الحرارة، ونظريًّا أيضًا؛ يُمكن للظروف المتطرفة –ضغط كبير للغاية- أن تُخلِّق هيدروجينًا فلزيًّا. وطيلة الأعوام الماضية؛ توقع العلماء أن عملية الانتقال من الحالة الغازية إلى الحالة الصلبة سيكون بسيطًا، غير أن الطبيعة «لديها الكثير من الاحتمالات» على حد قول الفيزيائي ديفيد كبيرلي، الذي يعمل بجامعة إيلينوي الأمريكية، والذي يقول إن الضغوط الهائلة تُحول جزيئات الهيدروجين إلى تركيب مُعقد للغاية، تجعل التحكم في صورته النهائية ضربًا من ضروب الخيال.

إلا أن البحث الجديد المنشور في مجلة العلوم –وهي مجلة علمية تحظى بموثوقية عالية- يُشير إلى أن الخيال تحول إلى حقيقة واقعة، فقد تمكن الباحثان اللذان يعملان في جامعة هارفارد –الجامعة الأولى على مستوى العالم في تصنيف عام 2015– من تحضير الهيدروجين المعدني معمليًّا، عبر تعريض ذرة هيدروجين محشورة بين قضيبين من الماس لضغوط عالية داخل كبسولة ضغط مُصصمة خصيصًا لذلك الغرض، وذلك وفق قولهما. وهو الأمر الذي نتج عنه –وفق الدراسة- عملية تحوُّل إلى الحالة الصلبة قيست باستخدام جهاز رامان الطيفي  Raman spectro-imaging، القادر على قياس الاهتزازات الجزيئية للذرات، والذي أكد وجود تغييرات في التكوين الكريستالي لذرات الهيدروجين، وهو ما يُمثل دلالة واضحة على "معدنة العنصر" الأكثر شيوعًا في الكون.

في ظل الظروف العادية، يظهر الهيدروجين في صورة غاز، وعند التعرض لدرجات حرارة عالية جدًّا، يصبح سائلًا، وعند ضغوط عالية، فإنه يتحول إلى مادة صلبة في عملية متعددة المراحل. يمكن لعنصر ما أن يكتسب تلك الصفة فقط حينما يمكنه إفلات إلكتروناته الخارجية بحيث تتجول بحرية، إلا أن الهيدروجين يحتوي على إلكترون واحد فقط يقترب كثيرًا من النواة ويصعب عليه -كإلكترون منفرد- أن يفعل ذلك.

ولكن يتوقع العلماء أن يصبح الهيدروجين صلبًا في ضغوط لم يتم الوصول إليها حتى الآن. فمن المعروف أن ضغط الغازات بقوة كافية يحولها إلى شكل من أشكال المعادن، إذ إن عملية الضغط تقوم بطرد الإلكترونات الخارجية، وإنشاء ما يشبه الحساء المُكون من الإلكترونات الجوالة، وعندما يتم ضغط الهيدروجين، تبدأ العديد من الذرات في التفاعل بعضها مع بعض، وتقترن جزيئات ذرتي الهيدروجين ليصبحا خليطًا يتخذ أشكالاً وترتيبات معقدة بشكل لا يصدق، حسبما قال عالم الفيزياء، نيل أشكروفت، الذي يعمل بجامعة كورنيل الأمريكية، والذي كان أول مَن اقترح في عام 1968 أن الهيدروجين المعدني يُمكن أن يعمل موصلاً فائقًا عند درجة حرارة الغرفة.

علامات التقدم على حدوث مرحلة الهيدروجين الصلب ظهرت في عام 2015، عندما اكتشفت مجموعة من العلماء موصلاً قياسيًّا جيدًا للكهرباء وهو كبريتيد الهيدروجين الذي يتألف من الهيدروجين والكبريت، وعندما يتم ضغطه بإحكام في شكل صلب، فإنه يوصل في درجات حرارة أعلى من أي موصل مثيل له من قبل 203 كلفن (-70 درجة مئوية).

لماذا الهيدروجين المعدني؟

لكن؛ لماذا يحاول العلماء منذ عقود إنتاج الهيدروجين المعدني؟ تتشارك جميع المعادن في شيء واحد: التوصيلية الكهربية، وهذا بسبب الإلكترونات الحرة المتدفقة التي يمكن أن تذهب إلى حيث تشاء ضمن المادة مع عدم فقدان الطاقة، أو مع فقد نسبي صغير. وإذا ما نجح العلماء في إنتاج الهيدروجين المعدني، فإنه سيعمل كموصل فائق للتيارات الكهربية بخاصية فريدة، ألا وهي العمل في درجة حرارة الغرفة العادية، فجميع الموصلات الفائقة المعروفة تعمل فقط عند درجات حرارة منخفضة للغاية، وهو عيب كبير. أما أصحاب النظريات التي تدعي وجود توصيل فائق للهيدروجين المعدني فتقول إنه قد يعمل في درجة حرارة الغرفة.

والموصلية الجيدة للكهرباء في درجة حرارة الغرفة هي أحد الأهداف الأكثر رواجًا في الفيزياء؛ إذ إنها ستقدم وفرًا كبيرًا في الطاقة وتحسنًا كبيرًا في نقلها وتخزينها.

أهمية الهيدروجين المعدني قد تتجاوز المساعي الفيزيائية التقليدية، فتخليقه يمكن أن يساعد العلماء في فهم نظامنا الشمسي، ففي درجات الحرارة العالية يصبح الهيدروجين المضغوط سائلاً معدنيًّا ؛ وهي المادة التي يعتقد علماء الفلك أنها كامنة تحت غيوم الكواكب الغازية العملاقة مثل المشتري وزحل، وبالتالي فإن ملاحظة عملية إنتاج الهيدروجين داخل المعمل قد تسهم في حل بعض الألغاز المستمرة حول الكواكب الغازية العملاقة.

غير أن هناك شكوكًا كبيرة تحاول دحض عملية إنتاج الهيدروجين المعدني التي أُعلن عنها مؤخرًا، إذ يقول الجيوفيزيائي، ألكسندر جونتشاروف -الذي يعمل في معهد كارنيجي للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية-: إن المواد اللامعة التي ظهرت في التجربة قد تكون مادة «الألومينا» المعروفة بأكسيد الألومنيوم، فعلماء هارفارد الذين ادعوا تكوُّن المعدن قاموا بطلاء رأس الماس الذي استُخدم في الضغط على ذرات الهيدروجين بالألومينا، حتى لا يفتت الماس تحت الضغط الهائل، وبالتالي قد يكون البريق المرصود مجرد انعكاس من تلك المادة. فيما يُشكك الفيزيائي، يوجين جريجوريانز -من جامعة أدنبرة البريطانية- في قيمة الضغط التي وصل إليها العلماء؛ إذ يرى أن هناك مبالغة كبيرة في تقدير قيمة الضغط الذي وصلوا إليه، بسبب معايرة غير دقيقة بين الماس والضغط داخل السندان.

ويقول الباحثون إن كل هذا قد يكون بلا طائل وقد يبدو فوضويًّا، لكنه أيضًا علامة على التقدم العلمي السريع في هذا المجال. وقال جريجريانز: «أعتقد أنها منافسة صحية للغاية»، مضيفًا: «عندما تدرك أن هناك مَن يتقدم عليك بنتائج جديدة، فإنك تعمل بجدية».

وتواصلت «للعلم» تليفونيًّا مع الباحث بجامعة هارفارد، رانجا دياس، لمواجهته بالشكوك المتعلقة بالأمر، غير أنه أوضح أنه سيقوم بالرد على كل تلك الشكوك في ورقة علمية منفصلة سيقوم بنشرها خلال الأشهر القادمة.

«يجب إجراء مزيد من التجارب»، يعلق أستاذ علوم المواد بجامعة زويل، الدكتور أحمد معروف على نتائج التجربة، مشيرًا إلى أن العبرة النهائية في مدى وجود الهيدروجين المعدني في درجة حرارة الغرفة «أنا هنا لا أتحدث عن استقراره في درجة حرارة الغرفة العادية، بل على الوجود فقط». ويرى معروف أن التجربة «حدث كبير» حتى لو كانت نتائجها متواضعة أو ملتبسة لدى البعض، «كل الإنجازات العلمية الكبرى بدأت بتخبُّط من نوعٍ ما ثم تبلورت فأسهمت في تغيير نظرتنا للحياة وللأشياء حولنا على الأرض».