لطالما ذهب الباحثون في مجال علم "الصوتيات" إلى أن نطاق الأصوات البشرية ظل ثابتًا طوال التاريخ.

لكن دراسة أجراها فريق من عدة جامعات دولية ذهبت إلى أن الأنظمة الغذائية التي باتت تعتمد على أطعمة أكثر ليونةً أدت دورًا بارزًا في ظهور أصوات جديدة في اللغات المتنوعة المستخدمة حول العالم، مشيرةً إلى أن "أصواتًا مثل "f" و"v"، الشائعة في العديد من اللغات الحديثة، هي تطور حديث نسبيًّا، نتج عن التغيرات التي أحدثها تغيُّر الأنظمة الغذائية".

ووفق الدراسة، التي شارك فيها باحثون في "معهد ماكس بلانك" في الولايات المتحدة الأمريكية وجامعتي "ليون" الفرنسية و"نانيانج التكنولوجية" السنغافورية، فإن "هذه المجموعة من الأصوات نشأت مع ظهور الإنسان العاقل قبل 300 ألف سنة، ولكنها مرت بالعديد من مراحل التطور".

يقول "بالتازار بيكل" -رئيس المشروع وأستاذ اللغويات بجامعة زيورخ- في البيان الصحفي المصاحب للدراسة: "إن النتائج التي توصلنا إليها تسلط الضوء على الروابط السببية المعقدة بين الممارسات الثقافية والبيولوجيا البشرية واللغة، كما أن نتائج الدراسة تتحدى أيضًا الافتراض الشائع بأنه عندما يتعلق الأمر باللغة، فإن الماضي يبدو مثل الحاضر".

وتوضح الدراسة أن التغيرات التي طرأت على أسنان الإنسان هي التي أدت إلى ظهور أصوات جديدة؛ إذ كانت أسنان البشر تطبق من الحافة إلى الحافة بسبب نظامها الغذائي الأصعب والأكثر صرامةً في الماضي، في حين سمحت الأغذية الأكثر ليونةً للإنسان المعاصر بالاحتفاظ بظاهرة كانت قد اختفت من قبل، وهى الإطباق المقصي (الطريقة التي تطبق بها أسنان الفكين، والتي يكون فيها موضع الأسنان الخلفية العلوية إلى الخارج، والأسنان الخلفية السفلية إلى الداخل).

ويشير الباحثون إلى أن مثل هذه الحروف بدأ في الظهور بعد الانتقال إلى الزراعة، وأن إقدام الإنسان على تَناوُل الأطعمة الخفيفة واللينة ساعد على حدوث تطور تدريجي لفئة جديدة من الأصوات الكلامية، وأدى إلى ظهور فئة جديدة من الأصوات اللغوية التي تم العثور عليها الآن في نصف لغات العالم، وتحديدًا الأصوات "الأسنانية الشفوية" (labiodentals)، وهي الأصوات التي تُلامِس فيها الشفة السفلى الأسنان الأمامية العليا، مثلما يحدث عند نطق الحرف "f" على سبيل المثال.

بدوره، يقول "ستيفن موران"، الباحث في قسم اللغويات المقارنة وأحد مؤلفي الدراسة: "إن استخدام الأصوات "الأسنانية الشفوية" زاد بشكل كبير في أوروبا خلال الألفي عام الماضيين، ويرتبط ذلك مع ظهور تكنولوجيا تصنيع الأغذية -مثل الطحن الصناعي- التي وفرت الأطعمة الخفيفة، ما ساعد على التطور التدريجي لفئة جديدة من الأصوات الكلامية في العديد من المناطق والمجتمعات والثقافات المتنوعة".

وقد استلهم الباحثون فكرة الدراسة من ملحوظة أبداها عالِم اللغويات الأمريكي "تشارلز هوكت"، الذي لاحظ أن اللغات التي توجد فيها الأصوات الناتجة عن طريق لمس الشفة السفلى للأسنان العلوية غالبًا ما توجد في مجتمعات لديها إمكانية الوصول إلى الأطعمة الخفيفة.

يقول "داميان بلاسي" –المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن السلوك اللغوي مثل النطق، لا يتحجر ولا يتجمد، والتغيُّرات التي يسببها النظام الغذائي على اللغة هي سلسلة سببية معقدة؛ إذ أدت هذه التغيُّرات إلى نوع معين من اللدغة (طريقة نطق الكلام) التي سهّلت بدورها إنتاج الأصوات الأسنانية الشفوية".

ويضيف "بلاسي" قائلًا: قمنا خلال الدراسة بمراجعة الأدب القديم الذي يحدد التغير في اللدغة التي تم تناولها. كما درسنا تنوُّع تلك الأصوات في جميع أنحاء العالم، وقمنا بتحليله حتى يمكننا تفسير ذلك جزئيًّا عن طريق إرجاعه إلى اتباع نظام غذائي. وألقينا نظرة متعمقة على ثلاث مناطق يوجد فيها دليل على حدوث تغيير في طريقة الكلام (اللدغة)، وهي جرينلاند وأستراليا وجنوب إفريقيا، ثم درسنا تطور هذه الأصوات في عائلة اللغة الهندية الأوروبية.

من أجل الكشف عن الآليات التي يمكن أن تؤثر على الأصوات البشرية، جمع العلماء الرؤى والبيانات والأساليب من علوم مختلفة، بما في ذلك علوم البيولوجيا والصوتيات واللغويات التاريخية (اللسانيات).

يقول بلاسي: كانت هناك حالة نادرة من التوافق بين جميع التخصصات. وما جعل المشروع ممكنًا هو توافر مجموعات بيانات كبيرة مطورة حديثًا ونماذج محاكاة بيولوجية ميكانيكية مفصلة وطرق حسابية مكثفة لتحليل البيانات التي توصلنا إليها.

واستنادًا إلى نتائج الدراسة والأساليب الجديدة التي طورتها، يمكن للُّغويين الآن معالجة مجموعة من الأسئلة التي لم يتم حلها غالبًا بسبب ما كان يُفترض سابقًا من أن البنية والعمليات التي نراها في اللغات اليوم كانت هي نفسها قبل 10000 عام، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الافتراض متأصل بعمق في الأساليب التي يستخدمها اللغويون في استنباط ماضي اللغات، على حد وصف "بلاسي".