"منذ صباح اليوم التالي للغارة على المدينة، وعلى امتداد أسبوع، قامت طائرتان من سلاح الجو الملكي البريطاني بالتقاط الصور، أظهرت اللقطات الأولى بعض الشوارع الرئيسية وكانت شديدة الزحام مع كثرة من حوادث المرور، وفي اليوم الثاني الذي أعقب محاولة الإخلاء كانت الساحات الداخلية للمدينة مهجورةً إلا من الجثث وحطام السيارات، لكن الشوارع المؤدية إلى مخارج المدينة ظلت تغلي بالناس الذين مضى معظمهم على الأقدام لأن الترام صار خارج الخدمة، كانت المخلوقات الشائهة تفر ولا تعرف أن الموت قد استقر بداخلها، ومع انقضاض إحدى الطائرتين عند نقطة محددة لأخذ لقطة مركزة بعدسة مقربة التقت عينا المصور وجهَ امرأة شابة لعدة ثوان، حدقت فيه بنظرة ذاهلة للغاية، لا يمكن نسيانها، ثم تعثرت وسقطت، وسرعان ما تعرضت للدهس من عربة تجرها الخيول التي راحت حوافرها تتعثر في جسد الضحية، وأظهرت سلسلة اللقطات المأخوذة بعد أسبوع مدينةً ميتة، لم يكن هناك رجل ولا امرأة ولا طفل، ولا قطط ولا كلاب، ولا حتى حمامة، كانت الجثث في كل مكان، لكنها كانت في مأمن من الفئران، فحتى الفئران ماتت!".

بين الكاتب والمكتوب

     السطور السابقة -بتصرف سردي محدود للغاية استلزمه الإيجاز دون تغيير المحتوى ــ مأخوذة من قصة "حل غير مُرضٍ" لكاتب الخيال العلمي الأمريكي روبرت أنسون هاينلاين (يوليو 1907 - 8 مايو 1988) الذي بدأ عمله كمهندس طيران وضابط بحرية، وبعد تسريحه من عمله اشتغل بمهن هندسية مختلفة، ولم يدر بخلَده قَط أن يصير كاتبًا، حتى تصادف أن حضر لقاءً لمجموعة من الرجال المتقاعدين يتسلون بحكي الحكايات من وقائع عايشوها أو أخيلة تراودهم، أعجبته المسألة فالتحق بالمجموعة، اندمج وحكى، وكان هناك "كشاف" يلتقط من بين هؤلاء الحكائين مَن يصلح أن يكون كاتبًا، فعرض عليه أن يكتب ما حكاه، ولم يكن قد مارس ذلك من قبل ولا خطر له على بال، فاعتذر، لكن عندما أقنعه الكشاف بأنه سيحصل مما يكتبه على مقابلٍ مُجزٍ، وافق فورًا، فقد كان مُهدَّدًا بالطرد من بيته الذي تأخر في سداد أقساط رهنه العقاري، وكتب قصصًا قصيرةً في قالب الخيال العلمي بتلقائيةٍ لافتة، وطلاقة هاوٍ غير عابئ بأي تألُّق أو تأنُّق أسلوبي، وسرعان ما صار الكاتب الذي ينفد في ساعات أي عدد تكون له فيه قصة من مجلة "الخيال العلمي المذهل"، وقد أذهله الحصاد من ذلك؛ فهو لم يسدد ديون بيته فقط، بل بنى بيتًا جديدًا صممه بنفسه، وتخلَّص من سيارته القديمة لصالح سيارة جديدة فاخرة، وانطلق مكتشفًا في نفسه شغفًا بالكتابة يكاد يكون إدمانًا إن توقف عن ممارسته يمرض، وصار اسمه مع السير آرثر كلارك، وإسحاق أسيموف، ضمن مَن يطلق عليهم "الثلاثة الكبار" من كُتاب الخيال العلمي، بل يُطلق عليه أحيانًا لقب "عميد كُتاب الخيال العلمي الصعب"، والقصة التي يتناولها هذا المقال نموذج يوضح مدى استحقاقه ذلك، فبرغم الاتفاق النقدي على أن نثره كان يفتقر إلى التألقات الأسلوبية لدى زميليه كلارك وأسيموف وحتى بعض تلامذته مثل راي برادبري، إلا أنه كان يقدم ما يشفع له ليتبوأ موقع ريادة هذا الفن!

      لقد تضمن الكثير من قصصه -المثيرة والمقنعة وسهلة الوصول- رؤى نبوئية ثبت تحققها بعد سنوات قليلة أو عقود، وعُزي هذا التميز إلى تململه الفكري النقدي الذي جعله يتعقب بعين الخيال -المؤسس على معرفة علمية جادة- مآلات التكنولوجيا في عصرنا، فيرى بعين هذا الخيال ما لم يتوقعه غيره من كتاب الخيال العلمي "السهل" الذي يشطح خفيفًا وبعيدًا عن أي مرجعية علمية موثوقة، وهناك مسرد طويل عجيب يشهد بالتنبؤات المبكرة لكثير من التكنولوجيات التي بتنا نعرفها، بخيرها أو شرها، وردت في قصصه، ومنها قصتنا هذه التي كشفت مبكرًا عن الوجه الخفي المظلم لاختراقات العلم في مجال الفيزياء النووية، فقدم صورةً تحذيريةً دقيقةً وأليمةً لسوء استخدام المواد المشعة المصنعة، والتي تحققت بعد سنين وعقود في حوادث وكوارث تلوث إشعاعي يقتل البشر ويدنس الشجر ويحظر حتى ملامسة الحجر، وإليه يرجع سبْق توصيف وتصنيف ما صار يُدعى "القنبلة القذرة" كـ"سلاح إشعاعي" يُستخدم فيما صار يسمى "الحرب الإشعاعية"، التي ظلت أسرارها تتوارى خلف أبواب حصون صناعات الحرب، كما نبه إلى احتمال وقوع حوادث "تلوث إشعاعي" أهلية عفوية كنموذج "كارثة جوايانيا" البرازيلية التي عرضت "للعلم" لها في عدد سابق، وكذلك حوادث التلوث الإشعاعي الكبرى من محطات الطاقة النووية الرسمية ومرافقها، كما في كوارث ثري مايل أيالاند-1979، وتشيرنوبل-1986، وفوكوشيما-2011، ناهيك بـ"مشاريع" التلويث الإشعاعي المتعمد التي نُسبت إلى "الجماعات الإرهابية"، والتي دشنت مُسمَّى "القنبلة القذرة" الذي راج في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على برجي التجارة في نيويورك، ليس فقط في المعالجات الصحفية، بل في الوثائق الرسمية العليا؟!

6 مارس.. هل هناك قانون للصدفة؟!

      وأشهر ما يمكن العثور عليه من تلك الوثائق، هو تقرير جلسة استماع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي في 6 مارس 2002 (أي بعد هجمات سبتمبر بنحو ستة أشهر)، ورأسها السيناتور جو بايدن، رئيس اللجنة حينها ورئيس الولايات المتحدة الآن، وكان عنوانها "القنابل القذرة وقنابل السراديب"، وهو تقرير معمق وشامل، شارك فيه حشد من العلماء والأطباء والعسكريين والسياسيين، ونُشر في 53 صفحة، شملت كل ما يتعلق بـ"القنبلة القذرة"، التي يمكن أن يستخدمها إرهابيون، دون التفات يُذكر إلى الشق الثاني من عنوان التقرير وهو "قنابل السراديب"، أي القنابل النووية غير المعلَن عنها لدى دول لا تعترف بأن لديها سلاحًا نوويًّا!

     وفي 6 مارس هذا العام، أي بعد عشرين سنة بالتمام والكمال من جلسة مجلس الشيوخ التي رأسها "بايدن"، صدر عن مصدر بالكريملين غير مُسمى (أي مجرد ناقل عن فلاديمير بوتين) يسوِّغ اجتياح روسيا لأوكرانيا بأنه جاء استباقًا لإعداد أوكرانيا "قنبلة قذرة" في محطة تشيرنوبل النووية المغلقة لاستهداف روسيا، مفارقة صدفة لا بد أن لها قانونًا ما! وإلحاقًا بذلك، وفي 29 من مارس نفسه، نُقل عن أناتولي توسوفسكي، مدير معهد الأمان النووي الأوكراني، أنه بعد انسحاب الجنود الروس من تشيرنوبل تبين اختفاء كمية من النفايات المشعة كانت مخزنةً بمستودع ملحق بالمحطة النووية المغلقة، يمكن استخدامها في صنع "قنبلة قذرة" تهدد بتلويث إشعاعي لمنطقة ضخمة!

ماهية هذه القذرة

      باختصار على اختصار الموسوعة البريطانية: "القنبلة القذرة"، والتي تسمى أيضًا جهاز التشتت الإشعاعي (RDD)، هي عبوة ناسفة مصممة لنثر المواد المشعة لإحداث "تلوث إشعاعي" في منطقةٍ ما، ومن ذلك تكتسب صفتها، فهي عبارة عن عبوة بين مادة مشعة صناعية مما يُستخدم في الطب والصناعة (أشهرها نظير السيزيوم137)، ومادة متفجرة تقليدية كالديناميت أو الـ تي إن تي، وقوة تفجيرها تكاد لا تقارن بقوة تفجير قنبلة ذرية ناتجة عن تفاعُل متسلسل لانشطار ذرات اليورانيوم أو البلوتونيوم شديدتي النقاوة وانطلاق طاقة هائلة، أما القنبلة القذرة فيشتت انفجارها المواد المشعة وينشرها في مساحة تحددها قوة التفجير -التي تكون محدودة بالمقارنة- وحجم المادة المشعة ونوعها، وصناعتها بطبيعة الحال أرخص وأسهل من صناعة قنبلة نووية، وإذا انفجرت قنبلة قذرة في منطقة مزدحمة فقد يُقتَل الأشخاص الذين يقفون بالقرب منها على الفور بسبب الانفجار، أما الضرر الأكبر والأكثر خطرًا فيحدث على المدى الأطول نتيجة تلويث المنطقة التي انتشرت فيها المادة المشعة وحولتها إلى ساحة للموت، بالتسمم الإشعاعي المدمر للخلايا والأجهزة الحيوية لكل حي، أو بإحداث تشوهات في المادة الوراثية تؤدي إلى السرطان أو العقم أو تشوه المواليد، ويظل هذا التأثير الإشعاعي المدمر للحياة طالما استمر تلوث المنطقة المصابة بالمادة المشعة وبامتداد فترة "نصف العمر" للمادة المشعة حتى تتحول إلى مادة أخرى أقل إشعاعًا أو غير مشعة، وهذه قد تستمر عقودًا، لهذا يتحتم تطهير المنطقة المصابة بثمن باهظ وتكلفة مادية وبشرية عالية، فغالبًا ما يتحتم إخلاء المنطقة من سكانها وهدمها ودفن أنقاضها في "مقابر" للإشعاع في مناطق تظل محظورةً حتى تتحلل المادة المشعة، ومن ثم يترتب على تفجير القنابل القذرة -برغم قلة ضحاياها العاجلين- أعباء اقتصادية ونفسية هائلة، لهذا توصف بأنها ليست "سلاح دمار شامل" بل "سلاح اضطراب شامل"، وهذا التقدير في حقيقته يقف عند النماذج "البدائية" من القنابل القذرة التي لم تتفجر منها واحدة، وظلت كلها "مشاريع إرهابية" توجز منها الموسوعة وتبعًا للتعاقب الزمني:

موجز تاريخ القنابل القذرة البدائية 
انفوجراف: إسلام الحنفي

منشأ القذارة وتعدد أطيافها

        ليس ما سبق أن عرضته الموسوعة البريطانية إلا جزءًا صغيرًا من كلٍّ كبير عن مشاريع إرهابية بمواد إشعاعية، فثمة أطياف خفية من هذه المشاريع تتعلق بتهريب وتجارة المواد الإشعاعية المسروقة مما يسمى "المصادر اليتيمة"، أي التي تحتوي على مواد مشعة مصنعة بعد إهمال حراستها ومراقبتها أو حدوث فوضى وتفشي فساد، تضافرا في تجارة مواد مشعة عابرة للأقطار كثرت في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي وانفصال أقطاره التي لديها مخزون كبير من المواد المشعة، ومن هنا نستطيع أن ننتقل إلى المستوى الأكبر والأكثر خطرًا من "القنابل القذرة" الذي تستدعيه الذاكرة التاريخية لنشأة هذا السلاح وتواتُره، وقد أوجزته الموسوعة البريطانية، إذ تقول: "إن اقتراح نثر المواد المشعة كسلاح حدث لأول مرة عام 1941 من قِبل لجنة من الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم بقيادة الفيزيائي آرثر هولي كومبتون (أي قبل نشر قصة هاينلاين بعام)، ومن عام 1949 إلى عام 1952 اختبر الجيش الأمريكي متفجراتٍ مصممةً لتفريق عنصر التنتالوم المشع، وفي عام 1987، اختبر العراق قنبلةً مملوءةً بمواد مشعة، لكن الجيش العراقي كان غير راضٍ عن الكميات الصغيرة من النشاط الإشعاعي"، أما الجديد في هذا الجانب المتعلق بهاجس اضطلاع حكومات ودول في استخدام قنابل قذرة هائلة، فهو يلوح من تراشُق طرفي تلك الحرب الغبية في أوكرانيا باتهامات يوجهها كل طرف إلى الآخر متهمًا إياه بالإعداد لقنبلة قذرة، هائلة بطبيعة الحال، ينوي كلٌّ منهما قصف الآخر بها، والصورة هنا -لو حدثت وبلغت الحماقة الشيطانية أوجها- لن تكون أقل بشاعةً واقعية مما رسمته قصة روبيرت هاينلاين "حل غير مُرضٍ" منذ اثنين وثمانين عامًا! فلنعد إلى تلك القصة النبوئية، ليس فقط لنتعوذ من الرعب المُنذر، بل لنستطلع أي آفاق إجرامية يمكن أن تدفعنا إليها مسوِّغات تدعي السعي إلى فرض السلام بالقوة، على جزء من العالم تحرقه الآن حرب غبية -كان ممكنًا عدم الانسياق إليها- بل كان واجبًا عدم الانسياق إليها، فلنعد إلى القصة...

       خيال يلمح الاحتمالات

         بينما نستعرض إيجاز القصة التي تقع فيما يزيد على 15000 كلمة، وتكاد تمثل رواية قصيرة "نوفيلا"، علينا تذكُّر أن وقائعها استبقت تحوُّل تلك الحرب في أوروبا إلى حرب عالمية، كما استبقت ظهور مشروع مانهاتن الأمريكي لامتلاك سلاح نووي، واستبقت دخول الولايات المتحدة في هذه الحرب، كما استبقت إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما ونجازاكي، وهي قصة يسردها راوٍ واحد، هو جون ديفريز، مدير حملة كلايد مانينج، عضو الكونجرس المنتهية ولايته والمرشح عام 1941 للكونجرس الجديد، وهو محارب قديم حصل على إجازة طبية بسبب مرض في القلب، وقد اختار "ديفريز" هذا المرشح لأنه رآه "ليبراليًّا لكنه حازم"، وحدث قُبيل الانتخابات أن استُدعي "مانينج" للخدمة برتبة كولونيل ليرأس مشروعًا سريًّا ذا أولوية قصوى وبتمويل غير محدود لتطوير سلاح نووي قبل أن يفعل النازيون ذلك، لم يُحرز المشروع تقدمًا يُذكر حتى عام 1944، وكانت الحرب العالمية الثانية قد وصلت إلى طريق مسدود يتبادل فيه البريطانيون والألمان القصف المدمر الذي لا تبدو له نهاية، بينما تقف الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي واليابان على الحياد، وفي الأثناء يسمع "مانينج" عن موت الأسماك في خليج قريب، حيث يتم التخلص من المنتجات الثانوية لأبحاث الدكتورة "إستيل كارست"، التي تعمل على المواد المشعة الاصطناعية واستخداماتها الطبية.

     كانت "كارست" باحثةً ألمانية تعمل بمختبر العالِم أوتو هان، المهتم بالمواد المشعة وأول مَن توصل إلى الانشطار النووي لذرة اليورانيوم، هربت من ألمانيا خوفًا من عواقب الحرب والتعرُّض للاضطهاد، ولمح "مانينج" في موت الأسماك بمخلَّفات مختبرها نوعًا من السلاح الإشعاعي السهل وغير المكلف، والذي يمكن التحكم فيه على عكس النماذج الأولية للقنابل النووية المُنجَزة في المشروع السري التي لم يمكن ضمان عدم انفجارها في أثناء نقلها، كما أن قدراتها التفجيرية يصعب التحكم فيها.

    عرض "مانينج" الاقتراح على "كارست"، التي استُدعيت للعمل تحت رئاسته فلم توافق في البداية، لكنها في النهاية استسلمت بعد أن أقنعها بأن ذلك هو السلاح الوحيد الذي يمكن أن يوقف زحف الفوهرر الألماني الذي كانت تمقته، وبحلول عيد الميلاد عام 1944 كانت الولايات المتحدة تمتلك بفضل "كارست" ما يقارب 10000 "وحدة" من الغبار المشع الذي تكفي الوحدة منه لقتل ألف إنسان عبر تشتيت عادي لهذا الغبار، ومن ثم صار ممكنًا قتل جميع سكان مدينة كبيرة كـ(برلين) وتحويلها إلى مقبرة مهجورة.

       بعد سنة من العمل مطلق السرية في هذا السلاح الجديد استطاع "مانينج" في عام 1945 إقناع الرئيس الأمريكي باستخدام الغبار المشع ضد ألمانيا لإجبارها على إيقاف الحرب، وبما أن أمريكا لم تكن منخرطةً في الحرب آنذاك فقد اتُّفق على جعل البريطانيين هم الذين ينشرون الغبار مقابل قبولهم بهيمنة أمريكية كاملة على عالم ما بعد الحرب، وبالفعل تم تسليم عبوات الغبار المشع للبريطانيين بمعية راوي القصة الذي اختير مندوبًا رسميًّا عن الرئيس الأمريكي بترشيح "مانينج"، وقامت طائرات بريطانية بغارة لإسقاط الغبار على برلين، وخلال بضعة أيام تحولت عاصمة الرايخ إلى مدينة ميتة، وأعلنت ألمانيا استسلامها في حين نفذت بريطانيا وعد الإذعان، عندئذٍ تولَّى الذعر كل بلدان العالم من السلاح الجديد المميت الكاسح الذي تحتكر أمريكا سره.

سلام بالقوة والرعب

     أصدرت الولايات المتحدة "إعلان سلام" يطالب بالاستسلام الفوري وغير المشروط لبقية العالم، وحتى لا يقوم أي بلد بنشر الغبار المميت بالطائرات حتى لو نجح علماؤه في تصنيعه سرًّا، تقرر أن تسلِّم كل بلدان العالم كل ما لديها من طائرات عسكرية ومدنية بعيدة المدى للولايات المتحدة، على أن يقتصر الإشراف على أي سفر جوي مدني مطلوب على إدارة عسكرية يرأسها مانينج تُسمَّى "دورية السلام" ويناط بفئة من طياريها المختارين بدقة من بلدان مختلفة بدوريات تفتيش في السماء لـ"حراسة سلام" أي بلد ما عدا بلدهم، في حين يتم منعهم من العودة إلى وطنهم الأصلي طوال مدة خدمتهم!

     أصبح "مانينج" الحاكم الحقيقي للولايات المتحدة والعالم؛ لكونه رئيس "دورية السلام" مدى الحياة مع احتكار عالمي للغبار المشع والطائرات التي يمكنها نقله ونشره، وعندما توفيَ الرئيس الأمريكي عام 1951 في حادث طائرة وانتُخِب رئيس جديد طالب الأخير باستقالة "مانينج" وتفكيك إدارته، وعلى الفور ظهرت طائرات محملة بالغبار المشع يقودها غير الأمريكيين في سماء واشنطن! فقد صار "مانينج" مستعدًّا لقتل نفسه ومعاملة عاصمة الولايات المتحدة كما سيعامل أي مكان آخر يعتبره "تهديدًا للسلام العالمي"!

     فاز "مانينج" في المواجهة مع الرئيس الأمريكي المنتخب وأصبح الديكتاتور العسكري الحاكم للعالم دون منازع، ثم تنتهي القصة بمسلسل تنتحر فيه الدكتورة "كارست" بخلع قناعها وثيابها الواقية في مختبرها لتصنيع الغبار المشع؛ إذ صدمها هول الكارثة التي أسهمت في صنعها بالعلم الذي كرست حياتها له، ويموت بتأثير الإشعاع الطيارون البريطانيون الذين قاموا بغارة نشر الغبار القاتل دون اتخاذ احتياطات وقائية لم يصدقوها، ومثلهم يموت الطياران اللذان قادا طائرتيهما على ارتفاع منخفض لتصوير موت المدينة المنكوبة لتخويف العالم.

الحكم في آخر القصة؟

    بينما كان راوي القصة يحتضر متأثرًا بالتسمم الإشعاعي الذي تعرض له في أثناء نقله لعبوات الغبار المشع إلى البريطانيين، كان يفكر في "مانينج" الذي كان يحبه وكيف صار "أكثر إنسان مكروه على وجه الأرض"، وكيف أنه لا توجد طريقة لمعرفة المدة التي سيعيشها هذا المكروه، نظرًا لضعف قلبه، ويعترف:

    "بالنسبة لي: لا يمكنني أن أكون سعيدًا في عالم يتمتع فيه أي رجل أو مجموعة من الرجال باحتكار قوة الموت على كل إنسان وكل حيوان وكل كائن حي، لا أحب أن يمتلك أي شخص هذا النوع من القوة، حتى مانينج".

     وبالنسبة لنا: أمام تجليات النبوءة التي لاحت في واقع "القنابل القذرة" بكل أطيافها، وبكل تفاقُماتها الممكنة في الحاضر وفي المستقبل، بدهي أن نعلن ليس فقط عدم سعادتنا بذلك، بل رفضنا لذلك، وبكل قوة السلام النابذ لكل القنابل القذرة، وهل هناك قنابل نظيفة؟!