تطوَّرت الحياة البرية على كوكب الأرض لتستفيد من ظلام الليل في الصيد والاختباء والنوم، غير أن مُدننا وشبكات مواصلاتنا التي تتوسَّع على نحو سريع، تُقلص المناطق التي لا تزال تحظى بظلام حقيقي في الليل، وهو الأمر الذي قد تترتب عليه عواقب وخيمة تطال جميع الكائنات الحية؛ فحتى أصغر التغيرات في كمية الضوء الاصطناعي في الليل يمكن أن تُؤثر في التعبيرات الجينية والهرمونات والإيقاع اليومي وسلوكيات المفترسات والفرائس.

وأثبت علماء من المملكة المتحدة مؤخرًا أن "الوهج السماوي" المُنبعث من المراكز الحضرية الرئيسية بدأ يصل إلى أكثر من ثلثي "مناطق التنوع الحيوي الرئيسية" في العالم، وتُعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر المناطق تأثرًا، إذ تتعرض نسبة 46% من مناطق التنوع الحيوي الرئيسية بها للتلوث الضوئي عبر سماء الليل في المنطقة.

يقول جو جاريت من جامعة إكسِتر، الذي حلّل أحدث بيانات الوهج السماوي العالمية مع زميله، كيفِن جاستون، ومعهما إلى بول دونالد من مركز "بيردلايف إنترناشيونال" في جامعة كامبريدج: "الضوء القادم من المدن يتشتت بواسطة الماء والغبار وذرات الغاز الموجودة في الغلاف الجوي"، ويضيف: "هذا التشتت يمتد إلى مسافات طويلة ويتسبب في سطوع جزئي أو كلي للسماء حتى في المناطق البعيدة".

وتغطِّي مناطق التنوع الحيوي الرئيسية مناطق برية وبحرية ومناطق المياه العذبة التي تعتبر جميعها مهمة للحياة البرية، سواء المتوطنة أو المهاجرة، وكذلك لنمو النباتات، وتوجد حاليًا 463 منطقة تنوع حيوي رئيسية مخصصة في الشرق الأوسط، أكبرها منطقة "الرَبْع الخالي" في شبه الجزيرة العربية.

يقول عبد العزيز العجيلي، عالِم الحيوان في "جامعة الملك سعود" بالمملكة العربية السعودية: "العديد من مناطق التنوع الحيوي الرئيسية في الشرق الأوسط تُمثِّل أنظمة إيكولوجية صحراوية، إذ إن أغلب الثدييات كائنات ليلية"، ويضيف: "على سبيل المثال: تُقلّل الثدييات الصغيرة نشاطها الليلي إلى الصفر في الليالي التي يكتمل فيها القمر لتجنّب الحيوانات المفترسة، ومن ثمَّ تُقلل الحيوانات المفترسة نشاطها استجابة لذلك، فإذا كانت سماء الليل فوقها مضاءة اصطناعيًا، فسيكون لذلك تأثيرٌ خطيرٌ على ساعاتها البيولوجية وسلوكياتها واختيارات موائلها المستقبلية".

والأنواع البحرية أيضًا عُرضة للخطر، فعلى سبيل المثال، العديد من الشعاب المرجانية تستخدم مستويات ضوء القمر محفزًا للتكاثر، وكذلك فإن أنواعًا معينة من الطيور تستخدم الاختلافات الموسمية في أنماط الضوء لتحديد وقت الهجرة.

يقول جاريت: "لتقليل الوهج السماوي، يمكن جعل الضوء خافتًا وحجبه لتقليل انتقال الضوء في اتجاهات غير مرغوب فيها، وتقليل الإضاءة لتقتصر على الأماكن والأوقات التي تكون فيها ضرورية".

ويضيف: "وبالتأكيد فإن أي تغييرات مقترحة للإضاءة الحضرية تتطلَّب دراسة متأنية للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية".

ويقول العجيلي: "إننا دائمًا ما نقترح استخدام الأضواء الخافتة ومستشعرات الحركة، ولكنني لم أر حتى الآن أن مخططي المدن هنا يأخذون هذا في الحسبان".