خلال القرن التاسع عشر، عُثر على بقايا لميناء قديم غارق تحت الماء على عمق من 5 إلى 6 أمتار في ميناء الإسكندرية الشرقي، الذي أقامه الإسكندر الأكبر ليربط جزيرة فاروس بخط الساحل القديم، ويحده من الشرق رأس لوخياس «السلسلة» حاليًّا. وقد جرى تصميم برنامج بحثي لتحديد توقيت غرق هذا الميناء وأسبابه. أظهرت نتائج البحث الذي أجراه فريق من الباحثين بجامعة ليون الفرنسية بالاشتراك مع باحثين مصريين، تحت قيادة فيليب جوارون، أستاذ الآثار بجامعة ليون، أن معدل الارتفاع النسبي لمستوى سطح البحر بالإسكندرية بلغ حوالي 80 ملم في قرن واحد، في الفترة بين منتصف القرن السادس والقرن الخامس، بالإضافة إلى حدوث ارتفاع نسبي آخر لأكثر من 5 أمتار خلال منتصف القرن الثامن وحتى نهاية القرن التاسع الميلادي.

يقول مجدي تراب، أستاذ الجيومورفولوجيا بكلية الآداب جامعة دمنهور والباحث المشارك بالدراسة: "منذ ألف عام كان منسوب سطح البحر بالإسكندرية منخفضًا بـ5 أمتار عن وضعه الحالي، ما دفع الفريق البحثي لهذه الدراسة إلى السعي لمحاولة تحديد مستواه بدقة خلال هذه الفترة، من خلال حفر آبار بمنطقة الميناء الشرقي بالإسكندرية على أعماق تتراوح بين 6 و 7 أمتار"*.

وأضاف: تمكنَّا من استخراج رواسب وعينات لتحليلها معمليًّا وتحديد عمرها باستخدام النظائر المشعة، كما وجدنا رواسب تحتوي على مواد عضوية كالحفريات والأصداف البحرية التي نستطيع من خلالها تحديد عمر هذه الطبقات، موضحًا أنهم حاولوا الوصول إلى مستويات أرصفة الميناء القديم بالإسكندرية، واستطاعوا الربط بين الشواهد الأثرية والشواهد الرسوبية ومطابقة النتائج بعضها مع بعض، فتطابقت.

وقد استخدم الفريق في عملية حفر الآبار أجهزة تحليل بالنظائر المشعة والكربون 14، بالإضافة إلى استخدام الفحص الميكروسكوبي والفحص بالموجات السيزمية، وفق "تراب".

هزة أرضية مفاجئة

شيد الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية على ساحل البحر المتوسط عام 332 قبل الميلاد، وكانت المدينة مشهورةً في العالم بمكتبتها العالمية الكبيرة. عاشت مصر أكثر من 970 عامًا تحت حكم اليونان والرومان، وانتهت بالفتح الإسلامي عام 641 م. وعقب وفاة الإسكندر وتقسيم إمبراطوريته، كانت مصر من نصيب بطليموس الأول، الذي أسس لحكم البطالمة الذي انتهى بهزيمتهم في معركة أكتيوم البحرية عام 30 ق.م. ويُعد فنار الإسكندرية الذي تم بناؤه في العصر البطلمي، إحدى عجائب العالم القديم السبعة.

قسمت الإسكندرية إلى أحياء معروفة، أبرزها الحي الملكي، والحي الشعبي، إلا أنها طمرت تحت سطح البحر بعد تعرضها لهزة وحركة هبوط أرضي أدت إلى هبوط بقاياها تحت سطح البحر على منسوب يتراوح بين 5 و6 أمتار، هذا إلى جانب تأثُّرها بالارتفاع التدريجي في مستوى سطح البحر نتيجة التغيرات المناخية التي حدثت في عصر الهولوسين؛ إذ تشير نتائج الدراسة إلى أن التغيرات المناخية التي يتحدث عنها العالم الآن ليست بظاهرة جديدة ولكنها قائمة ومؤثرة منذ أقدم العصور. ويمثل عصر الهولوسين الفترة الجيولوجية الحالية، وبدأ قبل 11.5 إلى 12 ألف سنة، واستمر حتى الآن. وتفيد نتائج الدراسة أن التغيرات المناخية تقف وراء تذبذب مستويات البحر المتوسط في الإسكندرية وانغمار شواطئها بالمياه وغرق الكثير من المباني والمنشآت في مياه المتوسط.

يقول فيليب جوارون رئيس فريق البحث: إن الدراسة ركزت على رصد تذبذب مستوى سطح البحر خلال الثمانية آلاف عام الماضية وحتى بداية الفتح الإسلامي لمصر، مضيفًا أن الباحثين اعتمدوا خلال الدراسة على عدة شواهد لوضع تصور لتذبذب مستوى البحر في الإسكندرية، مثل نتائج المسح الأثري الذي تم لشواطئ الإسكندرية في الميناء الشرقي وخليج أبو قير خلال العشرين عامًا الأخيرة، إلى جانب التحليل الكارتوجرافي للخرائط الطبوغرافية القديمة وخرائط الجغرافيين والرحالة القدامى، إلى جانب تحليل الصور الفضائية والتحليل المعملي للرواسب وبقايا الكائنات الدقيقة التي تم جمعها من طبقات التربة.

ويوضح: "بهذه الشواهد استطعنا تحديد متى حدث انهيار هيكل الميناء القديم. ويواصل أنه "حدث في القرن الثامن الميلادي، وأنه جرى العثور على بقايا الميناء القديم تحت الماء، وقد لوحظ وقوع ظواهر مماثلة لمدينة هيراكيون (25 كم شرق الإسكندرية)، حيث تأثرت حركة الغرق الواسعة بشكل متزامن بالهامش الساحلي الغربي لدلتا النيل.
ويشدد تراب على أن الدراسة أكدت أيضًا حدوث حركة الهبوط الأرضي التكتوني، والتي دلت عليها بقايا أرصفة الميناء الشرقي وبقايا القصور على أعماق تتجاوز معدلات ارتفاع مستوى سطح البحر، كما اكتشفت البعثة الأثرية المصرية الفرنسية العاملة في الحي الملكي الغارق في الميناء الشرقي العديد من الآثار الغارقة من أرصفة وأعمدة وغيرها، يرجع عمرها إلى أكثر من ألفي عام.

ويضيف: "حركة الهبوط التكتوني قد تكون بسبب زلزال عنيف تعرضت له المدينة في هذه الحقبة في خليج أبو قير عند مصب البحر الكانوبي (أحد الأفرع القديمة للنيل). ومن خلال دراسة مجموعة القطاعات التضاريسية المقيسة في أحد أرصفة الميناء الشرقي الغارقة لوحظ أن السطح العلوي للأرصفة ينخفض عن مستوى سطح البحر الحالي بعمق يتراوح بين 5 و5.6 أمتار، على الرغم من أن مستوى سطح البحر انخفض خلال الألفي سنة الأخيرة بقيم تتعدى المترين، مما يشير إلى تعرُّض قاع الميناء الشرقي لحركة هبوط أرضي تتراوح بين 3 و5.4 أمتار خلال تلك الفترة.

ووفق "جوارون" تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها توفر لنا مخزونًا معلوماتيًّا يتيح لنا التنبؤ بسيناريوهات مستوى سطح البحر في المستقبل، والإجابة عن سؤال في غاية الأهمية، حول احتمالات تعرُّض مدينة الإسكندرية المعاصرة لمثل المخاطر الطبيعية التي أدت إلى غرقها تحت البحر خلال العصور التاريخية، خاصةً وأن الدراسة أثبتت أن حركة واسعة من الغرق حدثت في وقت متزامن للهامش الساحلي الغربي لدلتا النيل، وحدث هبوط بحوالي مترين.

ويقول: "إن الحاضر مفتاح لفهم الماضي وكذلك مفتاح لفهم المستقبل؛ فمستوى سطح البحر الذي ارتفع في قرن واحد حوالي 80 ملليمترًا وسيظل يرتفع، ودلتا النيل وهوامشها ستستمر في الانغمار، كما سيستمر التآكل لأن المخزون الرسوبي للنيل لم يعد قادرًا على تسمين الشواطئ. وهذه المشكلة التي لوحظت على المستوى المحلي في الإسكندرية والإقليمي في دلتا النيل هي أيضًا -ولسوء الحظ- مشكلة منتشرة على نطاق عالمي".

ـــــــــــــــ

* وجب التنويه أنه جرى تعديل منسوب حفر الآبار بمنطقة الميناء الشرقي بالإسكندرية من أعماق تترواح بين متر واحد ومترين إلى أعماق تتراوح بين 6 و 7 أمتار بناء على طلب د. مجدي تراب الباحث المشارك بالدراسة