بينما كان الشاب الأمريكي أندرو (اسم مستعار) يساعد شقيقته المصابة بفيروس كورونا على النهوض، في أثناء فترة عزلهما بالمنزل، سقط الأخ المصاب بالفيروس مغشيًّا عليه ومات في الحال، حدث ذلك في نيويورك، إحدى أكثر الولايات الأمريكية تأثرًا بالوباء، وتكرر هذا المشهد أيضًا عندما عُثر على أحد المصابين بـ"كوفيد -19" ميتًا فجأةً في مترو أنفاق نيويورك.

على ما يبدو نحن أمام وباء لا يزال يثير حيرة العلماء، لحجم تأثيراته المميتة التي تتكشف شيئًا فشيئًا، بداية من تأثيراته على الرئتين والجهاز التنفسي، ووصولًا إلى القلب والمخ والجهاز العصبي.

وفي حين يأتي فقدان حاستي الشم والتذوق بين الأعراض العصبية المباشرة الأكثر شيوعًا لـ"كوفيد-19"، بالإضافة إلى تأثيره على القلب وباقي أعضاء الجسم خارج الرئتين، رصدت دراسة أجراها باحثون في المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية‏ التابع لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NINDS) تأثيرًا قاتلًا يحدث بصورة غير مباشرة في الدماغ.

وأوضحت الدراسة، المنشورة في العدد الأخير من دورية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" (New England Journal of Medicine) أن كورونا قد يؤدي إلى تلف الأوعية الدموية الدقيقة في المخ.

واكتشفت الباحثون وجود علامات تلف ناتجة عن ترقق وتسرب الأوعية الدموية في أنسجة المرضى الذين ماتوا بعد فترة وجيزة من الإصابة بالمرض، لكنهم لم يشاهدوا أي علامات على وجود الفيروس في عينات الأنسجة، ما يشير إلى أن الضرر لم يكن بسبب هجوم فيروسي مباشر على الدماغ.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن هذه الظاهرة قد تكون ناجمةً عن رد فعل التهابي للجسم في مواجهة هجوم فيروس كورونا المستجد، مرجحين أن يؤدي الاكتشاف إلى تحسين علاجات المرض.

موت مفاجئ

يقول أفيندرا ناث، عالِم المناعة العصبية والمدير السريري بالمعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية، وقائد فريق البحث: "يمكن أن يموت بعض مرضى كورونا فجأةً من العدوى دون سابق إنذار، على سبيل المثال، في دراستنا مات بعض المرضى في أثناء نومهم، بينما عُثر على أحدهم ميتًا في مترو أنفاق نيويورك، وآخر كان يرفع أخته وسقط على الأرض ومات".

وأضاف في حديث لـ"للعلم": "غالبًا يعاني مرضى كورونا من مرض دماغي متعدد البؤر، يُحتمل عدم ملاحظته في الفحص المرضي، لذا استخدمنا فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي عالية الدقة بعد الوفاة، سمح لنا ذلك بالعودة إلى مناطق الدماغ للدراسة عن طريق الفحص النسيجي".

وللوصول إلى نتائج الدراسة، أجرى الباحثون فحصًا متعمقًا لعينات أنسجة المخ المأخوذة من 19 مريضًا ماتوا بعد إصابتهم بكورونا بين شهري مارس ويوليو 2020، أخذ الباحثون عينات من 16 مريضًا من قِبَل مكتب كبير الأطباء في مدينة نيويورك، بينما تم توفير الحالات الثلاث الأخرى من ِقِبَل قسم علم الأمراض في كلية الطب بجامعة أيوا الأمريكية.

وتراوحت أعمار المشاركين من 5 أعوام إلى 73 عامًا، وكان معظمهم من الذكور، ممن توفوا في غضون ساعات قليلة إلى شهرين بعد الإبلاغ عن أعراض الفيروس، ومن بين المشاركين، جرى العثور على 8 حالات وفاة في المنزل أو في الأماكن العامة، بينما انهار 3 آخرون وتوفوا فجأة.

ولفحص عينات من البصيلات الشمّية وجذع الدماغ؛ إذ يُعتقد أن هذه المناطق معرضة بشدة لهجوم كورونا، استخدم الباحثون ماسحًا خاصًّا عالي الدقة للتصوير بالرنين المغناطيسي، أكثر حساسيةً بـ4 إلى 10 مرات من معظم أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي التقليدية.

وتتحكم البصيلات الشمّية في حاسة الشم، أما جذع الدماغ فيتحكم في التنفس ومعدل ضربات القلب، وكشفت عمليات المسح أن كلتا المنطقتين فيها عدد كبير من البقع المضيئة، تشير غالبًا إلى الالتهاب، بالإضافة إلى البقع الداكنة التي تُعد مؤشرًا على النزيف.

ثم استخدم الفريق عمليات المسح كدليل لفحص البقع عن كثب تحت المجهر، ووجدوا أن البقع المضيئة تحتوي على أوعية دموية أرق من المعتاد، وأحيانًا تسربت بروتينات الدم، مثل "الفيبرينوجين" (Fibrinogen) (نوع من البروتينات يؤدي دورًا مهمًّا في تجلط الدم) إلى الدماغ.. في المقابل، احتوت البقع الداكنة على أوعية دموية متخثرة ومتسربة، لكن دون استجابة مناعية.

"ناث" فسر سبب ما تم رصده قائلًا: "وجدنا أن هناك العديد من بؤر تلف الأوعية الدموية الصغيرة، ينتج عنها تسرب منتجات الدم إلى أنسجة المخ، لم يكن سبب ذلك واضحًا، ولكنه على الأرجح بسبب تلف الخلايا المناعية أو الخلايا الليمفاوية، وجدنا بعض الخلايا الليمفاوية مرتبطةً بالخلايا البطانية في الأوعية الدموية وفي المناطق المحيطة بالأوعية".

وتابع أن "الاستجابة الالتهابية هي مفتاح المرض العصبي لهذه المتلازمة؛ لأننا لم نتمكن من العثور على الفيروس في الدماغ".

وعن أهمية النتائج، أشار إلى أنه "من المحتمل أن يكون للدراسة تداعيات مهمة على الأضرار طويلة المدى للعديد من الهياكل في الدماغ نتيجة الإصابة بفيروس كورونا، وخاصةً منطقتي البصلة الشمية وجذع الدماغ، مضيفًا أن التفسير العملي المهم لهذا هو أن السيطرة على الالتهاب قد تكون مفتاح التحكم في المضاعفات العصبية".

تأثيرات غير مباشرة

من جانبه، اعتبر حسام الجردي، الأستاذ بقسم الأحياء جامعة البلمند في لبنان، أن نتائج الدراسة مهمة للغاية، وترصد التأثيرات غير المباشرة لفيروس كورونا على أدمغة المرضى، التي يمكن أن تكون مميتة.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن ما يميزها هو لجوء فريق البحث إلى عدة تقنيات لفحص تأثيرات كورونا على عدة مناطق في الدماغ من القشرة الدماغية إلى جذع الدماغ، بالإضافة إلى البصيلة الشمية، ونجحوا في رصد جلطات صغيرة وتخثر بالدم في عدة مناطق بالدماغ.

وعن عواقب ذلك، أوضح "الجردي" أن تلك الجلطات تؤدي على ما يبدو إلى حدوث اختراقات بجدران الأوعية الدموية، ما يقود إلى النزيف متعدد الأماكن بالدماغ، وينجم عن ذلك حدوث نوع من التجلط، ووجود بروتين الفيبرين (Fibrin) الذي يوجد عادةً داخل الأوعية الدموية عند تجلُّط الدم، لكن تم رصده خارج الأوعية الدموية، وهذا يفسر وجود حالات وفاة مفاجئة بين المشاركين.

وتابع أن من النتائج اللافتة للدراسة، أن الفريق وجد أن هناك تخثرًا بالدم في منطقة جذع الدماغ، وتحديدًا النواة التي تحتوي على الخلايا التي تصدر الأوامر الحركية إلى عضلة القلب، والنواة المسؤولة عن إيقاع التنفس، وهذا سمح باختراق الأوعية الدموية وخروج خلايا من الدم إلى الأنسجة العصبية، مثل الخلايا البلعمية (Macrophages) ووظيفتها الطبيعية إزالة بقايا الخلايا الميتة وابتلاع أي جسم غريب مثل البكتيريا، وبالإضافة إلى خلايا "المايكروجليا" (Microglia)، وهي من نسل الخلايا البلعمية، وتنتقل من الدم إلى الدماغ لحمايته وحفظ النظام بين خلاياه.

وتحدث عن تأثيرات ما تم رصده، بقوله إن الفريق وجد كميةً كبيرةً من خلايا "المايكروجليا" في محيط الأوعية الدموية التي تم اختراقها في دماغ المتوفين بكورونا، ما أدى إلى زيادة الالتهاب الذي أحاط بالخلايا العصبية في الدماغ وقاد إلى موتها، كما رصد الفريق نقصًا للأكسجين الناجم عن زيادة تجلط الدم، ما أدى إلى موت مفاجئ للخلايا العصبية في قشرة الدماغ، وهذه المضاعفات مهددة للحياة؛ لأنها تؤثر على إيقاع التنفس، بالإضافة إلى موت الخلايا العصبية في أماكن من المخ.

وأشار إلى أن تلك المضاعفات تؤثر بشكل أساسي على المراكز العصبية في جذع الدماغ، المسؤولة عن الوظائف الحيوية الأساسية، ومنها ضبط إيقاع التنفس، وضبط إيقاع القلب، بالإضافة إلى ضبط مستوى ضغط الدم في الشرايين.

ورأى "الجردي" أن النتيجة الأهم في الدراسة هي أن الباحثين رغم كل الوسائل الحديثة التي استعملوها في فحص الخلايا، لم ينجحوا في إظهار فيروس كورونا داخل الدماغ، وبالتالي فإن الفيروس حتى لو لم يدخل إلى الدماغ بشكل مباشر، فإن عواقبه القاتلة تظهر بشكل غير مباشر على المخ، في صورة زيادة التجلط (التخثر) في الدم وزيادة الالتهابات التي تؤثر على مرونة الأوعية الدموية، وهذا يقود إلى التهاب موضعي في الدماغ يؤدي إلى الموت السريري، حتى في ظل غياب الأسباب التقليدية للوفاة نتيجة كورونا وأبرزها التهاب الأغشية الرئوية، وتجمُّع السوائل في الرئتين والحالات القصوى من الاحتقان الرئوي.

وعن أهمية النتائج، أكد أن الأطباء يعرفون أن كورونا يسبب تأثيرات على الدماغ، منها زيادة كهرباء المخ، وحدوث تدنٍّ في المهارات الإدراكية، وهذا ما تم رصده في عدة أبحاث سابقة، لكن السؤال الذي كان يبحث عن إجابة هو: هل تأتي تلك التأثيرات بطريقة مباشرة عبر وجود الفيروس في المخ، أم بطريقة غير مباشرة نتيجة العدوى الموجودة بالجسم؟ وجاءت تلك الدراسة لتحسم هذا الجدل، وتؤكد أن التأثيرات على المخ تأتي بطريقة غير مباشرة.

لكنه في الوقت ذاته أشار إلى أن الدراسة تحتاج إلى المزيد من الدراسات المستقبلية الأخرى لتأكيد نتائجها، لأنها أُجريت على عدد قليل من المرضى، بالإضافة إلى أن الفريق يحتاج إلى توثيق النتائج بطريقة مختلفة، تعتمد على متابعة الحالات المشاركة بشكل سريري في أثناء الإصابة بالفيروس حتى حدوث الوفاة، ولا يكون الأمر مقتصرًا فقط على فحص أنسجة مأخوذة من أدمغة المرضى بعد الوفاة وتحليلها.

وعن أبرز التأثيرات العصبية والنفسية للفيروس، نوه بأنه شارك في دراسة مرجعية نُشرت مؤخرًا، أظهرت أن كورونا يؤثر على الجهاز العصبي المركزي، ويسبب أعراضًا ومضاعفات تشمل الدوخة وتغير الوعي والتهاب الدماغ وحتى السكتة الدماغية، كما أنه يزيد من التوتر والاكتئاب والقلق لدى المصابين ومَن هم في عزلة، خاصةً بالنسبة للمعرضين لخطر كبير، مثل الأطفال وكبار السن والعاملين في مجال الصحة.

معلومات دقيقة

من جانبه، رأى محيي هريدي -أستاذ الباثولوجي أو علم الأمراض بجامعة جنوب الوادي بمصر- أن الدراسة مفيدة جدًّا؛ لأن الفيروس وعتراته "نسخه" المختلفة ما زال غامضًا، ولا أحد في العالم يعلم يقينًا كيف يهاجم الجسم، كما أنها من الدراسات الواقعية التي تستقي نتائجها من الحالات المصابة لتقدِّم معلومة دقيقة.

وأضاف لـ"للعلم" أن المميز في نتائجها هو التوصيف الدقيق للمتغيرات في الأوعية الدموية الدقيقة في المخ باستخدام تقنيات بحثية مختلفة، هي اختبار تفاعل البوليمراز المتسلسل، واختبار تسلسل الحمض النووي الريبوزي (RNA)، والتهجين الموضعي (in situ hybridization) وهي تقنية وراثية خلوية تُستخدم للتحري عن تسلسل معين من الـ(DNA) أو الـ(RNA) في نسيجٍ ما، بالإضافة إلى الصبغة المناعية للحامض النووي الريبوزي للفيروس، ما يؤكد المعلومة المستنتَجة.

وأوضح أن الإضافة الجديدة للدراسة هي رصد التغيُّرات التي تحدث في المخ، نتيجة عدوى كورونا، ودورها في التسبُّب في حالات الوفاة، بدلًا من الأسباب التقليدية الرئيسية لحالات كورونا مثل الفشل التنفسي أو الفشل الكامل لأجهزة الجسم، إذ توقعت الدراسة أن "كوفيد-19" ربما يكون مسؤولًا عن تحطيم مركز المخ المشارك في تنظيم عملية التنفس التلقائية.

وعن أهمية النتائج، أشار "هريدي" إلى أن النتائج مهمة جدًّا للأطباء من أجل التشخيص أولًا، ثم تقديم العلاجات المناسبة للحد من تلف المخ أو إعطاء أدوية وقائية عند التأكد من الإصابة، كما تنبه إلى الآثار الضارة التي يتركها كورونا على المخ لدى المرضى الذين يتعافون من المرض، وبالتالي فإن مراجعة المتخصصين للتأكد من سلامة المخ يعتبر أمرًا في غاية الأهمية بالنسبة للمتعافين.