كشفت مصر النقاب عن أقدم تسجيل لطائر البجع في الدورة الثمانين من مؤتمر الحفريات الفقارية في العالم (SVP)، المقام عبر الإنترنت نظرًا لجائحة كورونا.

وجاء ذلك الكشف في إطار تعاون دولي بين علماء من جهاز شؤون البيئة المصري وجامعة ميتشجن الأمريكية، ومن المفترض نشر الورقة البحثية الخاصة بالاكتشاف في غضون عدة أسابيع، وفق تصريحات محمد سامح، مدير محميات المنطقة المركزية بجهاز شؤون البيئة، وأحد مؤلفي الدراسة.

يضيف "سامح" في تصريحات لـ"للعلم": تم اكتشاف الحفرية من منطقة وادي الحيتان بمحمية وادي الريان بالفيوم، وما زال وادي الحيتان يفاجئنا بأسراره؛ إذ لم تكن الحفرية هذه المرة لحوت بدائي بأرجل أو سمكة مثلًا كما تعودنا، إنما هي لطائر، ويُعد الحصول على عظام طائر في هذه الرواسب البحرية أمرًا مذهلًا حقًّا.

منذ حوالي أربعين مليون عام مضت كانت مياه بحر التيثي تصل إلى منطقة الفيوم، وسبَح في هذه المياه الكثير من الحيتان البدائية وأسماك القرش المفترسة؛ إذ كانت طبيعة الفيوم مختلفةً تمامًا عمّا هي عليه اليوم.

ومع مرور الزمن تراجَع شاطئ البحر تدريجيًّا ليصل إلى الإسكندرية، وفق ما أخبرتنا به طبقات الأرض، إذ تُعتبر الحفريات المحفوظة في الصخور لسان الأرض الناطق والراوي لأحداث العالم القديم والشاهد على حيوات لم نشهدها نحن البشر.

أخرجت رواسب وادي الحيتان العديد من الهياكل شبه المكتملة لأسلاف الحيتان التي تُعد حلقات وصل مهمة في تاريخ الحيتان التطوري، بالإضافة إلى أسماك القرش والأسماك العظمية وعرائس البحر والسلاحف والثعابين البحرية وغيرها، لذا أعلنتها منظمة اليونسكو منطقةَ تراث طبيعي عالمي؛ لأهمية الحفريات الموجودة فيها وتفرُّدها، وها نحن الآن أمام أول تسجيل لطائر من المنطقة.

يقول "سامح": يعيد الاكتشاف المصري الجديد، الذي أُطلق عليه (Pelecanssp)، صياغة تطوُّر طيور البجع عبر الزمن، فقد كان من المعروف سابقًا أن طيور البجع تمتد أسلافها إلى فرنسا ويرجع عمرها إلى عصر الأوليجوسين (فترة جيولوجية امتدت إلى نحو 34 مليون سنة مضت) بناءً على هيكل عظمي جزئي واحد من جنوب شرق فرنسا، وهي النوع الوحيد الموصوف من فترة الباليوجين (الفترة من 66 إلى 23 مليون سنة تقريبًا)؛ إذ كانت حفريات طائر البجع نادرةً جدًّا في هذه الفترة.

يرجع عمر الحفرية المكتشَفة من وادي الحيتان إلى عصر الإيوسين، تحديدًا 36 مليون سنة، أي أقدم بحوالي 6 ملايين سنة من أقدم حفرية لطائر البجع؛ إذ عثر العلماء على عينة شبه كاملة ومحفوظة بحالة جيدة للساق اليمنى لأسلاف البجع القدامى، البليكنس (Pelecanus)، وتشبه العينة الجديدة إلى حدٍّ كبير البجع الموجود حاليًّا، ولدعم نتائجهم بأنها نوع جديد قام العلماء في دراستهم بتحليل قرابة 3000 صفة تشريحية ومقارنتها بأكثر من 300 نوع من الطيور.

يحكي "سامح" كواليس الاكتشاف لـ"للعلم" قائلًا: الغريب في الأمر هو قصة الاكتشاف ذاتها؛ فقد حلمت بوجود حفرية مهمة على سطح جبل جارة جهنم بوادي الحيتان، وبالفعل تتَّبعت الحلم، واتجهت إلى جارة جهنم، وتسلقت جبل جارة جهنم الذي يصل ارتفاعه إلى 300 متر فوق مستوى سطح البحر رغم استغراب كل مَن حولي، وعلى حافة الجبل كانت المفاجأة، حيث برزت عظمة من الصخور يبدو أنها ترجع إلى طائر، وانتهى الحلم باكتشاف أقدم بجعة في التاريخ كانت محفوظة على حافة جهنم، إنه أول طائر يُكتشف من وادي الحيتان، وهو الأقدم في تاريخ البجع، لقد تحول الحلم إلى واقع.